هل اطاحت طاولة القمار بتاريخ ومستقبل خدام السياسيين

تاريخ النشر: 06 يونيو 2006 - 08:49 GMT
البوابة – خاص

لم يكن احد يتوقع بان التقرير السري الممهور بتوقيع المخابرات الجوية السورية وهو الجهاز القوي في البلاد والذي حط على مكتب الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد، سيكون بداية النهاية لماضي ومستقبل نائبه عبدالحليم خدام الى جانب اثنين من كبار القادة العسكريين في البلاد.

الحكاية بدأت فعليا في عام 1998 عندما كان كبار المسؤولين السوريين حينها وتحديدا اللواء علي دوبا رئيس شعبة الامن العسكري في ذلك الوقت والعماد حكمت الشهابي رئيس الاركان والقائد الفعلي في الجيش العربي السوري اضافة الى عبدالحليم خدام نائب رئيس الجمهورية حيث كانوا يلتفون حول "طاولة القمار " كل ليله في مزرعة الاخير الواقعة في منطقة النشابية في الغوطة الشرقية على طريق المطار.

والمنطقة المذكورة كانت فعليا واقعة تحت سلطة ورقابة المخابرات الجوية التي كانت تحت ادارة اللواء ابراهيم حويجة حيث رصدت اجهزته الاجتماعات الليلية للمسؤولين وعلى راسهم دوبا والشهابي وخدام فارسل تقريره العاجل الى الرئيس الراحل حافظ الاسد يؤكد فيه الاجتماعات الليلية

ولما كان الرئيس الراحل يتمتع بعقلية الانقلابات وهو الذي قاد البلاد بعد انقلاب لمدة ثلاثين عاما تقريبا فانه من الطبيعي ان يحتاط وياخذ حذره من أي تجمع خاصة اذا كان على مستوى اللقاءات المتواصلة في النشابية الذي جمع مسؤولين من رأس هرم السلطة العسكرية والسياسية، وتقول مصادر على اطلاع كامل على الملف ان الاسد تساءل عما يدور في الاجتماع "نعم هم يلعبون القمار لكن من الطبيعي ان تدخل مواضيع اخرى في الجلسة؟" واتخذ قراره حيث شتت شمل المجتمعين وبدا بان احال العماد حكمت الشهابي الى التقاعد بدعوى بلوغه السن القانوني (63 عاما) علما انه بلغها قبل عشرة سنوات من ذلك، وارسل اللواء علي دوبا الى بلدته "قرفيس في مدينة اللاذقية على الساحل السوري"، وتشير المصادر الى ان القياديين العسكريين حظيا بالتكريم اللازم وظلت حراساتهما (100 عنصر على الافل لكل مسؤول ) موجودة اضافة الى سياراتهما وامتيازاتهما.

وابقى الاسد الراحل على خدام الذي كان الاكثر ثقلا ومن العقول المفكرة في النظام السياسي وحامل الملفات الساخنة والصعبة (فلسطين – العراق- لبنان) لكنه قرر عزله داخل النظام وداخل مكتبه حتى ان مصطفى عبدالكريم مدير مكتب خدام اشتكى الى بعض المقربين بان العلاقات مقطوعة بين مكتب خدام والقصر حتى على مستوى الاتصال الهاتفي.

واستمرت عزله خدام حتى يوم 10 حزيران / يونيو 2000 حيث توفي الرئيس حافظ الاسد وجاء نجله بشار الى سدة الحكم وابقى على خدام في عزلته بل وعمقها اكثر ولا يعرف اذا كانت هذه الخطوة بتوصيه من الرئيس الراحل ام اجتهاد شخصي من الدكتور الاسد، لكن المصادر تقول ان خدام كان الوحيد الذي يقف خارج دائرة الموثوقين بالنسبة الى النظام الجديد وتسربت معلومات ان الدكتور بشار تعامل مع خدام بـ "تحقير وفوقية" في اكثر من مناسبة.

في هذه الاثناء كانت علاقة التجارة والبزنس قد تعمقت اكثر بين عبدالحليم خدام ورئيس الحكومة اللبنانية الراحل رفيق الحريري، ولكن في نفس الوقت ظلت عينه على السياسة وفيما وجد نفسه مضطرا للحفاظ على علاقة البزنس كونها مصدرا للثراء والتمويل، فقد حاول خدام العودة الى صفوف الحياة السياسية الاولى بصفته رفيقا للاسد الاب واحد صناع تاريخ سورية الحديث الا ان بشار الاسد تصدى له واوصد جميع الابواب في وجهه بل وشدد الخناق والتضييق عليه اكثر حتى كان المنعطف الكبير في حياة خدام السياسية وهو في المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم

في المؤتمر كان فاروق الشرع وزير الخارجية وعضو القيادة القطرية "يتساوى مع خدام في الرتبة الحزبية" يقدم التقرير السياسي فتصدى له خدام وحصلت مشادات ومناوشات بينهما فوقف الجميع في صف الشرع واعتبر ان مداخلات عبد الحليم خدام هامشية في عدة نقاط

تقول المصادر ان مداخلات عبدالحليم خدام تركزت على ضرورة ان تعرف كوادر حزب البعث اين اخطأت السياسية الخارجية واين اصابت، وكان يعتقد ايضا ان الطريقة التي تعاملت بها سورية في ملف التسوية والسلام كانت خاطئة وقد انعكس ذلك سلبا على الوضع الداخلي، واحتل ملف العلاقات مع الفلسطينيين جزء مهم في مشادات الشرع – خدام، وكان يرى الاخير ان القيادة اخطأت في قضية القطيعة مع السلطة الوطنية الفلسطينية فهي الطرف الفعلي في عملية السلام بالتالي هذه العلاقة كانت ضرورية في عدة منعطفات وكان التنسيق مع السلطة مطلوب بدرجة كبيرة في ظل التنسيق الشكلي بين دمشق والقاهرة.

مواقف خدام لم تجد صدى على الاطلاق في اروقة المؤتمر العاشر لحزب البعث خاصة فيما يتعلق بملف العلاقات مع السلطة الفلسطينية والتي كان دائما يخيم عليها العلاقة المتوترة بين الراحلين حافظ الاسد وياسر عرفات.

وامام ذلك ادرك الاخير ان تهميشه تعدى السلطة ووصل الحزب ويبدو انه قرر في هذه اللحظة الانشقاق حسب اعتقاد المصادر التي قالت ان خدام يرفض ان يكون مثل زهير مشارقة نائب رئيس الجمهورية الذي لا عمل له.

اغتيال الحريري

بعد سقوط بغداد بدأ استهداف سورية بشكل علني وحاد من طرف الولايات المتحدة ودول غربية وتؤكد المصادر نقلا عن خصوم واصدقاء سورية في لبنان ان اميركا واسرائيل شرعتا في اتصالات مع رفعت شقيق الراحل حافظ الاسد لتأهيله وتسميته خصما سياسيا لنظام بشار الاسد، الا ان رفعت رفض ذلك وترى المصادر ان هذا الرفض نابع من اسباب طائفية وعائلية، فرفعت الاسد هو احد اعضاء المجلس الملي الحاكم الفعلي للطائفة في سورية (13 عضوا) ولا يريد الاسد المنفي ان يظهر امام طائفته كخائن او مساهم باخراج الطائفة عن قيادة سورية.

فتوجهت انظار الاميركيين والفرنسيين والاسرائيليين الى خدام فوجدوه مؤهلا للقيام بالدور الذي رفضه رفعت، كونه -اي خدام - وجه سني بعد حكمت الشهابي ومصطفى طلاس ويمكن العزف على وتر الطائفية في سورية من خلاله.

وتعتقد المصادر ان القنوات الغربية والاسرائيلية فتحت مع خدام عن طريق وسطاء في لبنان بعد عملية اغتيال الحريري التي وضعته في دائرة الخوف على حياته وعمليتا الانتحار المشكوك فيهما حتى الان لمحمود الزعبي وغازي كنعان رئيس الحكومة ووزير الداخلية على التوالي ماثلتين امامه.

ووفقا للمعلومات الواردة فان القيادة السورية لم تكن تشك في أي وقت من الاوقات بان خدام سينشق عن النظام ولم تمنعه يوما من السفر خاصة الى باريس التي كان يطير اليها بشكل مستمر. وكانت ترى القيادة السورية بان خدام كونة احد اعمدة النظام السياسي السابق سيكون بعد رحيل حافظ الاسد المسؤول الابرز عن أي تجاوز ان وجد في تاريخ هذا النظام.

وتؤكد المصادر ان القيادة السورية تستبعد بشكل مطلق تورط قيادات ودول عربية باقناع خدام بالانشقاق وتشير الى ان علاقاته ببعض المسؤولين الخليجيين على وجه التحديد كانت تجارية محضة وتشير الى ان تحركه ينبع من موقف شخصي من الرئيس بشار الاسد.

الوضع في الداخل السوري

على مدار العقود الاربعة الماضية اعتمد أي نظام في سورية على ركيزتين اساسيتين هما المؤسسة الامنية والعسكرية، ولما كان خدام قد دخل في عملية الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس الراحل حافظ الاسد عام 1970 من البوابة الادارية فانه ظل خارج المؤسستين على خلاف رفعت الاسد الذي مازال له ارضية في سورية وامتدادت في الطائفة على الرغم من رحيله عنها قبل اكثر من عشرين عاما

وعلى صعيد الشارع السوري الذي يراهن عليه عبدالحليم خدام لاسقاط النظام قبل انتهاء صلاحية جواز سفره فان المصادر تؤكد ان الشارع السوري عبر عن امتعاضه لما قام به المسؤول السابق المنشق بغض النظر عن جلسة البرلمان السوري الشهيرة فان المجالس الخاصة في البلاد عبرت عن كراهيتها لخطوة خدام وتؤكد المصادر ان خدام آخر من يستطيع تحريك الشارع وهو يعلم ذلك جيدا لان حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يحكم البلاد منذ 8 آذار/ مارس 1963 وعلى الرغم من ايجابياته وسلبياته بنى ثقافة وطنية في الشارع السوري (سنة وعلويين ومسيحيين) بالتالي لا يمكن لخدام الذي يعمل بايعاز اميركي اسرائيلي ان يحركة ضد قيادته.