هل فضحت وفاة الشاب المسيحي شادي أبو جابر حقيقة التعايش الديني في الأردن؟

منشور 01 آب / أغسطس 2016 - 06:37
شادي أبو جابر
شادي أبو جابر

حادث سير أودى بحياة شاب ينتمي للطائفة المسيحية في الأردن وشابة أخرى مسلمة،كان سببًا في إحداث حالة ملحوظة من الجدل بين الأردنيين حول مدى جواز الترحم على الأشخاص الذين لا يدينون بالإسلام في بلد يعتنق أغلبية سكانه هذه الديانة، ويتعايشون -كما يروى- مع جيرانهم من الطوائف الأخرى في سلام ومحبة.

وكان شادي أبو جابر (17 عامًا)، وهو عازف الجيتار الموهوب الذي اشتهر من خلال اشتراكه في برنامج "نجم الأردن" الذي عرض على قناة رؤيا الأردنية العام الفائت، وبقناته على موقع يوتيوب، أحد الشخصيات المعروفة في المجتمع الأردني وخصوصًا المسيحي منه، وقد فجعت والدته المرتلّة إيريني أبو جابر، بوفاة ابنها في حادث سير مروع أودى بحياته وحياة الشابة صوفيا الشنطي (15 عامًا) على طريق المطار، جنوب العاصمة الأردنية عمّان، وتسبب في إصابة أربعة أشخاص آخرين.

وشهد حادث الوفاة هذا، تفاعل العديد من الأردنيين الذين عبروا عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة عن حزنهم الشديد لخسارة موهبة أردنية شابة في مقتبل العمر لم يكتب لها متابعة مسيرتها المبشرة في مجال الفن والموسيقى، إلا أنه وفي الجهة المقابلة، رفضت فئة أخرى من رواد هذه المواقع الترحّم على شادي، بحجة أنه غير مسلم لا تجوز الرحمة عليه.

فهل رحمة الله مقصورة على أشخاص دون غيرهم؟

عادة ما يلجأ ساكنو هذا الجزء من العالم لاستخدام عبارة "الله يرحمه" عند سماعهم بخبر وفاة شخص ما للدعاء له بالرحمة التي تجوز على الميت والحي كما يقول العامة، وغالبًا ما يكون منسوب التعاطف مع عائلة المتوفى أعلى من المعتاد في حال وفاته في ريعان الشاب كما حصل مع شادي، إلا أن المتشددين الإسلاميين تسببوا في خلق حالة كبيرة من الجدل لرفضهم إبداء الرحمة على الشاب المسيحي، إضافة لادعائهم بعدم جواز الترحم على غير المسلم، مؤيدين دعواهم بنشر شروحات وتفاسير دينية تدعم هذه الفكرة وتنهى عن مثل هذا الفعل. 

ومن غير الممكن تجاهل حالات التوتر الديني التي يشهدها العالم العربي على الرغم من وجود العديد من الأصوات الرافضة للأفكار المتشددة التي يعلو صوتها يومًا بعد يوم، إلا أن المجتمع وحده قد لا يكون مسؤولًا عن نشوء مثل هذا التعصب، فللسلطة نصيبها منه كذلك. على سبيل المثال، يعرف الأردن بحالات التعايش بين المسلمين والمسيحيين مقارنة بالدول الأخرى في الجوار كالعراق ولبنان، إلا أن بعض المناصب الرفيعة في الدولة كمنصب رئاسة الوزراء، لا تزال ممنوعة على أولئك المنتمين للطائفة المسيحية، مما يجعل من التعصب الديني ضد الأقليات تحديًا كبيرًا يواجه الدولة الأردنية المنفتحة. 

أما المجتمع السعودي، فيشهد قيام بعض الدعاة من معتنقي الفكر الوهابي المتطرف بالترويج لثقافة الكفر والتكفير، ويتجاوز هذه المرحلة أيضًا للدعوة لاستخدام العنف ضد الكفْار من غير المسلمين. وتقابل هذه الدعوات دعوات أخرى يحملها آخرون من أتباع التيار الإسلامي المعتدل الذي يتعامل مع أتباع الديانة المسيحية على أنهم من أهل الكتاب الذين تجب معاملتهم بالحسنى.

الخوف الأكبر يأتي من انتشار دعوات الكره والحقد الديني التي يبثها شيوخ الدين المتطرفون عبر منصات التواصل الاجتماعي والتي باتت متواجدة في كل بيت في أيامنا هذه. وما المشهد المؤلم الذي قدمته هذه المنصات في الأردن خلال الأيام القليلة الماضية إلا دليل آخر على مدى تغلغل ثقافة التكفير وبشاعتها في المجتمعات العربية والإسلامية، حيث وصل الحال ببعض المتشددين الإسلاميين للإفتاء بجواز تكفير بعض المسلمين أيضًا، والإدعاء بأنّ مكانهم هو في جهنم وبئس المصير!

لماذا يتوجب علينا مواجهة الحقيقة؟

وهكذا، يغدو من الواجب علينا أن نتحلى بقدر من المسؤولية، فنعمل على إيصال الصورة الصحيحة عن الإسلام لمن لا يعرفها في العالم الغربي، ألا وهي أن هذه الفئة الشاذة من المسلمين المتشددين، لا تمثل إلا نفسها في وسط أغلبية من أولئك المعتدلين. كما ويشهد صوت العقل الآتي من أوروبا بمن فيها تصريح بابا الفاتيكان القائل بأن جرائم داعش تسيء للإسلام ولا تمثله، وأنه من الواجب عدم توجيه اللوم لجميع المسلمين بسبب أعمال هذه العصابة المتطرفة، قبولًا لا بأس به من الجهات المعتدلة في العالم العربي.

لن يكون للمسلمين الحق بالدعوة لوقف النداءات العنصرية والتي تتصاعد ضدهم في الغرب والتي قد تصل لحد إعلان الحرب على الإسلام والعالم الإسلامي، في حال انساقوا لمثل هذه الأصوات المتشددة الداعية لتكفير كل ما هو غير مسلم. إلا أن الأصعب من هذا، هو مدى ضرورة مواجهة هذه المشكلة، والاعتراف بأنها ليست ظاهرة مؤقتة ستزول من تلقاء نفسها، بل أنها تخص العديد من المتشددين المتأثرين بالأفكار المتطرفة في العالم العربي، والذين يقومون بمهاجمة كافة شرائح المجتمع وتكفيرها بمن فيهم المسلمون الوسطيون والشيعة، فالجميع كفّار في نظرهم.

إنّ حادثة شادي أبو جابر، قد أوضحت لنا أمرين غاية في الأهمية، أولاهما، هو أن جزءًا واسعًا من المجتمع الأردني قد أبدى ترحمه على وفاة هذا الشاب وتعاطفه مع عائلته، إلى الحد الذي دعا بمفتي المملكة الأردنية الهاشمية للتصريح بجواز الترحم على الأموات من غير المسلمين ومشاطرتهم أحزانهم بفقيدهم. أما الأمر الثاني والذي لا يمكن تجاهله، هو أن الأقلية التي ترى عكس ذلك لها صوت عالٍ، وأن أفكارها تشكّل تهديدًا واضحًا لمخالفيها.

أما ضحايا هذه الأفكار، فهم المنتمون للأقليات العرقية والدينية المندمجة في المجتمعات العربية، والذين قد يضرهم هذا الصمت الخجول، الذي قد لا يعمل على تشجيع الأصوات المتطرفة فحسب، بل قد يساهم في تكميم أفواه الساعين لمحاربة مثل هذا الفكر التفكيري والظلامي، والذي لن يعود على مجتمعاتنا بخير، في ظل الظروف الراهنة التي تحياها المنطقة في وقتنا الحالي.

 

 

 

 

 

 

© 2000 - 2021 Al Bawaba (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك