أثار مقتل الزعيم الجنوبي السوداني جون قرنق قلق واشنطن على مستقبل السلام في السودان، فيما اكد خبراء قدرة خليفته سالفا كير على توحيد الجنوب.
واقر مسؤول في وزارة الخارجية الاميركية الاثنين بان جون قرنق الذي تولى بموجب اتفاق السلام منصب النائب الاول للرئيس السوداني "كان بكل تأكيد الزعيم الجنوبي الاكبر وبفضل سيطرته على الجزء الجنوبي تمكنا من التوصل الى اتفاق سلام شامل" في كانون الثاني/يناير.
واضاف هذا الدبلوماسي الذي طلب عدم ذكر اسمه "اننا سنفتقده".
وكانت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس التقت قرنق اثناء زيارتها الى السودان في 21 تموز/يوليو الماضي.
وقالت الاثنين "كان رجلا في غاية الذكاء وصاحب طاقة كبيرة وضع هذه الصفات في خدمة التوصل الى سلام عادل للشعب السوداني".
وبدوره عبر الرئيس جورج بوش عن "حزنه العميق" لغياب هذا الزعيم داعيا السودانيين الى "تجنب العنف" فيما قتل 42 شخصا على الاقل في الاضطرابات واعمال الشغب التي اندلعت في الخرطوم امس اثر الاعلان الرسمي عن مقتل جون قرنق في حادث مروحية.
واكد بوش "ان الولايات المتحدة تبقى متمسكة بقوة بعملية السلام في السودان. وندعو جميع السودانيين الى ضبط النفس وتفادي اعمال العنف والاستمرار في تطبيق اتفاق السلام".
وقد اسرعت واشنطن بايفاد مسؤولين كبيرين للتأكد من ان عملية السلام مستمرة كما هو مقرر بعد مقتل الزعيم الجنوبي.
وغادرت كوني نيومن مساعدة وزيرة الخارجية المكلفة شؤون افريقيا وروجر وينتر الموفد الخاص من قبل كوندوليزا رايس واشنطن الاثنين متوجهين الى السودان لاجراء محادثات مع "الاطراف وحثهم على ابقاء الزخم في اتفاق السلام الشامل وبشأن دارفور" على ما اعلن المتحدث باسم الخارجية توم كايسي.
ويتوجه هذان المسؤولان الى جنوب السودان والى الخرطوم بمهمة لـ"ترسيخ هذه الرسالة" من واشنطن كما قال الدبلوماسي الذي طلب عدم ذكر اسمه.
وتخشى واشنطن بوجه خاص من ان يعوق رحيل جون قرنق التوصل الى حل الازمة في منطقة دارفور (غرب) التي تشهد منذ شباط/فبراير 2003 حربا اهلية وازمة انسانية خطيرة اسفرت عن سقوط ما بين 180 و300 الف قتيل ونزوح 6،2 مليون شخص.
واكدت رايس "ان الولايات المتحدة تبقى ملتزمة بقوة بالدفاع عن قضية السلام في كامل اراضي السودان، بما في ذلك حل الازمة الانسانية في دارفور".
وقال الدبلوماسي الاميركي من جهته "صحيح ان قرنق كان شخصا يمثل في نظرنا قوة ايجابية من اجل تقدم وضع دارفور".
ففي الواقع تقيم واشنطن علاقات صعبة مع الرئيس السوداني عمر البشير الذي يحظى نظامه بدعم الاسلاميين وكانت الادارة الاميركية تفضل التعامل مع جون قرنق.
لكن الاسراع في تعيين سالفا كير الرجل الثاني في الحركة الشعبية لتحرير السودان وقائد جناحها العسكري المعروف باسم الجيش الشعبي لتحرير السودان خلفا لجون قرنق، بدأ يطمئن على ما يبدو الادارة الاميركية.
وفي هذا الصدد قال الدبلوماسي الذي طلب عدم كشف اسمه "وبما ان القرار ما زال ينبغي التصديق عليه.. نريد التأكد من انه نهائي قبل التجاوب معه".
واضاف "لكننا نرحب بان عملية لتعيين الخلف تجري بسرعة على ما يبدو".
سالفا كير يستطيع توحيد الجنوب
وفي هذه الاثناء، يقول خبراء إن الزعيم الجديد لجماعة التمرد السابقة في جنوب السودان سالفا كير يتمتع بقدرة طبيعية على حشد التأييد وبمهارة أكبر في تسوية الخلافات السياسية في الجنوب من سلفه جون قرنق الذي كان يميل غالبا إلى الاستبداد برأيه.
واصبح التلاحم السياسي عنصرا اساسيا في اعادة بناء الجنوب في اعقاب الحرب الاهلية في السودان حيث طالب المتمردون الجنوبيون طويلا بحق تقرير المصير في الجنوب.
وتؤكد سرعة اختيار الحركة الشعبية لتحرير السودان لسالفا كير ليخلف قرنق انه شخصية يلتف حولها الجميع داخل جماعة مؤلفة من قبائل تميل إلى التنافس التجاري.
وقال الدبلوماسي الكيني بيثويل كيبلاجات "هو رجل عسكري عملي.. قائد على الارض يتمتع بشخصية يتجمع حولها الناس."
وقال دان ايفي المراقب المخضرم لشؤون السودان والذي يعمل في مجال الاغاثة إن كير "عنصر استقرار. سيختلف أسلوب القيادة ليصبح جماعيا بدرجة أكبر."
وجاء تعيين كير وهو رجل عسكري في الخمسينات من العمر يوم الاثنين في أعقاب مقتل قرنق.
ويقول محللون إن كير يحتمل أن يتبع أسلوبا جماعيا بدرجة أكبر في قيادة الحركة التي سيطر عليها قرنق فترة طويلة بأسلوب مركزي في اتخاذ القرار تجلى بوضوح خلال المفاوضات التي ادت إلى اتفاق السلام.
وقال اليكس دي وال الخبير في شؤون القرن الافريقي "يرجح أن تصبح الحركة الشعبية لتحرير السودان أكثر اتحادا تحت قيادة سالفا وهذا ما تؤكده السرعة التي عين بها."
واضاف "كان قرنق شخصية مثيرة للجدل وغير محبوبة بصفة خاصة. سالفا شخصية أكثر قدرة على التوحيد."
ومضى يقول "إنه الرجل المناسب للمهمة. سيكون (الرئيس السوداني عمر حسن) البشير احمق إذا فعل أي شيء غير الترحيب به."
وخاضت الحركة الشعبية لتحرير السودان حربا أهلية سعيا إلى استقلال الجنوب طوال 21 عاما قتل خلالها مليونا شخص وشرد أربعة ملايين آخرين.
وتمنح اتفاقيات السلام الحركة الشعبية لتحرير السودان جزءا من السلطة على المستوى القومي. وعين قرنق نائبا اول للرئيس في أول حكومة يشارك فيها الجنوبيون في السلطة وهو المنصب الذي يتوقع ان يتولاه الان كير.
وبرز خلاف في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2004 بين الرجلين وسط مزاعم بين زعماء الحركة بان قرنق لم يتشاور مع زملائه في القرارات المهمة التي اتخذها خلال محادثات السلام في كينيا مع مسؤولين من الخرطوم.
وذكرت تقارير أن كير أحاط نفسه بقوات موالية له ورفض مغادرة المجمع الذي يقيم فيه في بلدة يي لمقابلة قرنق.
وذكرت المجموعة الدولية لبحوث الازمات ان الموقف سوي جزئيا في اعقاب زيارة مبعوثين لقرنق إلى يي.
ونفى قرنق وجود مشاكل بينه وبين كير. كما رفض كير التعليق على التقارير التي تحدثت عن خلافات بينهما.
وكير من أبناء الدنكا أكبر مجموعة عرقية في جنوب السودان مثله في ذلك مثل قرنق. وسبق ان ساند قرنق خلال فترة من الانقسامات الداخلية والتمرد في مطلع التسعينيات.
ويقول خبراء إن كير مثل كثيرين من أعضاء الحركة الشعبية لتحرير السودان يتخذ موقف أكثر تمسكا بحق الجنوب في تقرير المصير رغم مساندته علنا لرأي قرنق الذي كان يرى أن من الافضل بقاء السودان بلدا واحدا.
وتعطي اتفاقيات السلام للجنوبيين الحق في الانفصال عن الشمال من خلال استفتاء سيجرى في نهاية فترة انتقالية تبلغ ست سنوات وهو تنازل وافقت عليه حكومة الخرطوم استجابة لمطلب المتمردين الرئيسي وهو حق تقرير المصير.
ويقول خبراء إن الدلائل تشير إلى ان الاستفتاء إذا اجري اليوم فسيختار عدد كبير من الجنوبيين الانفصال.
وقال دي وال "كان قرنق أفضل امل لخيار الوحدة. ولذا اصبح اختيار الوحدة في الاستفتاء اقل احتمالا بعد وفاته."
وقال كير للصحفيين يوم الثلاثاء "إذا اراد الناس الانفصال عن السودان وان يصبحوا دولة منفصلة فيجب احترام قرارهم. الرسالة للجميع هي ان يتلزموا الهدوء والسلم. ست سنوات ليست وقتا طويلا."
واضاف "التزم الطرفان.. حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان باحترام قرار الشعب بعد الفترة الانتقالية".