هاني نديم.
اشتروا حماره العجوز، وباعوه إياه مقلّماً بالأحمر وله مرايا جانبية فاشتراه! سُجن عوضاً عنهم وأُهين منهم وظلّ مبتسماً، ضُرب في كل مرة كان وجهه مكشوفاً وفي أي ساعة تلفزيونية عمل بها وظلّ بطلنا المفضل، سرقوا ماله ونجوميته داخل كادر التصوير، وسرقوا منه النجومية والمال خارج كادر التصوير أيضاً ولم يغب عن أحاديثنا.. وفي آخر المطاف، هاهم ذاتهم "الفهلويون" سرقوا حياته وفرحنا أيضاً.
ياسين بقوش بن عبد القادر الليبي الذي شاءت له دراما الحياة أن يكون سورياً، إذ مرض جده في رحلة حجٍ مرهقة أواخر القرن التاسع عشر، فاستقر في الشام وطاب له المقام. تزوج منها وأنجب عبد القادر والد ياسين بقوش، من أصبح لاحقاً "ياسينو" الذي لم يغضب مرةً لا على الشاشة ولا في الحياة.. رجلٌ بلا غضب، هل تتخيل؟.. يا للطيبة والدروشة..
أمضى حياته وأصبح ياسينو نجماً. لم يكن يعرف أن أصوله ليبية، توصل إلى ذلك بطريقة لا تخلو من "الياسينية" نسبةً إلى دهشته الدائمة وهو يسمع الحكاية، أية حكاية؛ إلا أن القصة هذه المرة مدهشة حقاً، تقول الحكاية إن امرأة في مدينة "زوارة" الليبية كانت تشاهد مسلسل "حمّام الهنا" الذي انتشر انتشار النار في هشيم الوطن العربي الحزين، ولفتها شخص ياسين بقوش المنتمي لنفس عائلتها اسماً وملامحاً، فبحثت وبحثت لتتأكد أن أخاها عبدالقادر بالفعل أنجب ياسين في دمشق، فسافرت إلى دمشق لتقطع الشك باليقين، ويتأكد معها ياسينو من أصوله الليبية وشجرة عائلته التي لم تعد تقتصر على مدينته الساحلية الصغيرة مذاك، بل امتدت حتى وصلت إلى كل بيت من بيوت الوطن العربي على اتساعه. نعم، أصبح ابننا جميعاً، نحزن لحزنه ونضحك لضحكه ونفرح معه في حالات فرحه القليلة، ونثق به مهما فعل.
كان مربع الكوميديا السورية يتكوّن من دريد لحام (غوار الطوشة) ونهاد قلعي (حسني البورظان) وناجي جبر (أبوعنتر) وياسين بقوش (ياسين بقوش)، وكان هو الوحيد الذي لم يضطر لتغيير أي ملمح من ملامح ما وهبته الطبيعة، كائن يبدأ المرح والكوميديا والابتسامة من اسمه وملامحه الطيّبة ولا ينتهي بطريقة مشيه وحركته وصوته المفاجئ المغمّس بالبساطة.
ياسين بقوش، أبو هيثم، أنجب أحد عشر ولداً ككل الفقراء والمتوكلين. عمل في المسرح والسينما والتلفزيون، وظل هو كما هو، لم تأخذه عزة نجومية الدراما السورية كما أخذت أنصاف الفنانين فملأوا الدنيا ضجيجاً ومكياجاً وتصنعّاً ولبسوا "السموكن" حتى على "الباربكيو"، وظل كما هو يذهب للإذاعة ويعود منها بسيارة أجرة وطقم أكبر من جسده نمرتين وابتسامته الطيبة الطيبة.
مع مطلع الألفية ظهر في "البطرني" عام 2001 إلى جانب زهير رمضان وهاني الروماني، ومسلسل تلاميذ آخر زمن وبدأ يقل إنتاجه حتى أول أحداث سوريا حيث كان آخر عمل درامي له هو "صايعين ضايعين" الذي عُرض في رمضان 2011 وشاركه البطولة حسن حسني وسمير غانم وأيمن رضا وعبد المنعم عمايري. وأنهى مسيرته كما بدأها في المسرح حيث شارك في مسرحية "السقوط" إلى جانب حسام تحسين بك وأحمد رافع ومحمد رافع. وكانت آخر أعماله التمثيلية.
لا بد من ذكر أنه، وتحت ظرف النجومية واشتراطاتها التي لا يحسنها بقوش ولا يجيدها، أُهمل أيما إهمال آخر عمره من المنتجين والمخرجين كأي "انتيكا" منسية في صالون كبير الطالع فيه طالع.. والداخل داخل. وعندما أراد "غوار أن يعود في التسعينيات، من خلال مسلسل "عودة غوار" وحاول استثمار ذات الشخصيات القديمة؛ قبل "أبو عنتر" ورفض "ياسينو"! لقد رفض لأول مرة في حياته! ذلك الدور الذي يبدو فيه أنه ماكر وغدار يلعب على "غوار" ويدخله السجن ظلماً وبهتاناً، الأمر المستهجن والخارج عن النسق والتاريخ، فرفض مبلغاً كبيراً يقضي ديونه التي أثقلت كاهله ويزيد منه الكثير لتحسين معيشته التي ساءت، رفض ياسينو فقط لأنه سينسف تاريخاً من الطيبة والسماحة ويزوّر الذهنية الجمعية التي رسخت خلال نصف قرن في أذهان الناس والتي ملخصها: "ياسين في مظلمة، والسبب: غوار".
* من كتابي "بورتريهات حزينة من استوديو الأفراح"
الفنان الراحل ياسين بقوش