كتب، عاطف أبو الرب *
لا يكاد الناس ينتهون من قصة، حتى يخرج علينا الاحتلال بقصة جديدة تتعلق بالقدس عامة، والأقصى بشكل محدد. ففي كل يوم هناك ما هو جديد، حفريات طالت كل أساسات هذا المسجد، وقيود على حرية المصلين للوصول لأماكن العبادة، وعمليات اقتحام لأسباب نعرفها، وأخرى لا نعرفها.
وقبل ايام خرجت وسائل الإعلام بنبأ عن اقتحام جديد للمسجد الأقصى، وقالت هذه الوسائل بأن هذا الاقتحام جاء على عكس ما هو مألوف، فاقتحام الأقصى في رمضان لم يكن مألوفاً لنا نحن الفلسطينيين. والسؤال الذي لا يحتاج للإجابة، لماذا اقتحم المستوطنون الأقصى في رمضان؟ الإجابة واضحة، فبفعل حالة الهوان التي تسيطر على واقعنا، وبفعل حالة الخنوع التي تلقي بظلالها على الأمة بأسرها، شكلت دافعاً رئيسياً للمجموعات الاستيطانية للتمادي فيما تقوم به بحق الأقصى خاصة، وبحق القدس عامة.
من ينظر لصورة ما يجري في القدس يدرك دونما عناء أن الإسرائيليين ماضون في طريقهم نحو تهويد القدس، ويتأكد أن حالة العجز العربي تشكل رافعة يستند لها هؤلاء المتطرفين لتمكينهم من تحقيق أهدافهم وغاياتهم بأقل الخسائر، هذا إن وجدت هناك خسائر. فوتيرة الاستيطان متسارعة، ويومياً نشهد ويشهد العالم عمليات إخلاء المزيد من البيوت الفلسطينية لصالح الحركات الصهيونية المتظرفة. هذا إلى جانب عمليات الحفريات التي لا توقف ليل نهار، ليس لإثبات حق لهم في القدس، بل لطمس معالم الحق الإسلامي في هذه المدينة وذلك بهدم الأقصى. وهناك العديد من الإجراءات التي لا تنتهي عند منع المصلين من الوصول للمسجد الأقصى لأداء الصلاة، ولا يشكل جدار الفصل العنصري سوى محطة من محطات التعصب الصهيوني ضد كل ما هو غير يهودي، وضد كل ما هو ليس صهيوني.
على أية حال لن أطيل الحديث في وصف ما يجري، ولن أسرد قائمة بعدد الانتهاكات التي تمس بشكل مباشر كل مقدس في نظر الشريعة الإسلامية، فالمجال هنا لا يتسع لهذه القائمة، والمقام لا يحتمل مثل هذا السرد. وهنا سأتطرق لأمر آخر وهو حالة الانهيار ألقيمي في المجتمعات العربية والإسلامية.
ففي الوقت الذي أصبحت اعتداءات الاحتلال ظاهرة للعيان، وفي الوقت الذي لم تعد فيه هذه الانتهاكات مجرد خطط وبرامج في الأدراج والدهاليز، وفي الوقت الذي بدأت إسرائيل تجاهر فيه بدعمها لمشاريع متعددة لتهويد القدس، اختفت وتلاشت كل أشكال المعارضة العربية والإسلامية لما يجري. ففي الوقت الذي ينتظر فيه الأقصى مواقف العرب والمسلمين لردع الإسرائيليين ووقف اعتداءاتهم، فإن أصوات كثيرة تخرج علينا لتقول أنها جاهزة لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل في حال موافقة الأخيرة للعودة لمفاوضات السلام، أإلى هذا الحد أصبح الحديث مع إسرائيل يمثل غاية يتمناها العرب والمسلمون؟ وفي الوقت الذي ينتظر فيه الأقصى جيوشاً عربية تتحرك نصرة للأقصى، فإن هذه الجيوش تستنفر على الحدود مع دولة الاحتلال لتحافظ على تفاهمات سابقة حيدت بموجبها هذه الجيوش من ساحة المواجهة.
سبق لي وكتبت مقالاً بعنوان متى سيحيي العرب والمسلمون ذكرى هدم الأقصى، ويبدو أننا سنعيش هذه الذكرى، وقد نكون من بين المحتفين بالمناسبة، التي ستضاف لعشرات النكسات التي أحلت بعاملنا الإسلامي. أتمنى أن أكون على خطأ، وأتمنى، وأدعو الله أن يتحرك الوازع الديني فينا، لنقف سداً بوجه هدم ثاني المسجدين، وأولى القبلتين وثالث الحرمين.
* صحفي فلسطيني مقيم في جنين/فلسطين.