”الدولة اليهودية” وفضيحة الاعلام العربي!

تاريخ النشر: 15 يناير 2008 - 12:58 GMT

البوابة-بسام العنتري

كثفت رويترز مؤخرا في تقاريرها استخدام عبارة "الدولة اليهودية" كناية عن اسرائيل وفي انحياز فاضح لها، وتمكنت من تمرير هذه التقارير على اعلامنا الذي واظب على نشرها دون تدقيق او ربما عن جهل بمضمونها الذي ينسف قضية اللاجئين.

وفي تحول عن نهجها التحريري لا يزال يثير الشكوك، بدأت رويترز استخدام عبارة "الدولة اليهودية" منذ اشتراط رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت الاعتراف بإسرائيل "دولة للشعب اليهودي" قبل أي محادثات تتعلق بإقامة دولة فلسطينية.
ووضع اولمرت هذا الشرط قبيل مؤتمر السلام الذي عقد اواخر تشرين الثاني في انابوليس بالولايات المتحدة. لكن الفلسطينيين رفضوا على الفور هذا الشرط الذي من شأنه حرمان ملايين اللاجئين من حق العودة الى ديارهم التي تركوها في ما يعرف الان باسرائيل عقب تشريدهم منها ابان حرب عام 1948.

كما رأوا ان هذا الشرط سيعرض للخطر مصير العرب في اسرائيل والذين يشكلون خمس عدد السكان.

وفي الوقت الذي اعتبر شرط اولمرت مناورة سياسية قبيل مؤتمر انابوليس، الا ان تعهد الرئيس الاميركي جورج بوش خلال زيارته الى اسرائيل الاسبوع الماضي بضمان امنها كدولة لليهود جاء ليؤكد غير ذلك.

فعلى ما يبدو، اتفق الحليفان الاميركي والاسرائيلي على هذه المسألة باعتبارها نقطة ارتكاز استراتيجية للمفاوضات، والتي ستتناول قضايا الوضع النهائي وابرزها حق عودة اللاجئين الذي ترفضه اسرائيل.

ومع تنامي الترويج الاسرائيلي والاميركي لمفهوم "الدولة اليهودية"، دخلت وكالة انباء رويترز البريطانية على الخط لتتبناه في تقاريرها التي تبثها حول العالم.

وكانت بداية رويترز على هذا الصعيد خجولة بعض الشئ، حيث كانت تستخدم عبارة "الدولة اليهودية" في عدد محدود من التقارير التي تبثها على فترات زمنية متباعدة نسبيا.

لكن مؤخرا راحت تكثف من استخدام العبارة في تقاريرها، مؤكدة حقيقة ان المسألة لم تكن سقطات بريئة، بل سياسة قررت انتهاجها في تناقض فاضح مع ميثاقها التحريري الذي تعلن فيه التزامها بالحيادية خلال تغطيتها للنزاعات الدولية.

وزيادة على انحيازها السياسي، فقد وقعت رويترز في مطب اتهامها بالعنصرية لتبنيها المفهوم الذي تسعى اسرائيل لتكريسه لنفسها باعتبارها دولة دينية قومية ضاربة عرض الحائط حقوق مواطنيها غير اليهود.

وليس واضحا بعد ما اذا كان هذا التحول في سياسة رويترز ناجما عن رضوخها للضغوط التي مارستها عليها بعض وسائل الاعلام الاميركية النافذة، ام ان له علاقة بتغير ادارتها.

وكانت رويترز تعرضت لحملة نقد شديد قادتها وسائل الاعلام في الولايات المتحدة والتي اتهمتها بمعاداة اسرائيل بسبب عدم استخدامها مصطلح "ارهابي" عندما يتعلق الامر بالعرب والفلسطينيين.

ومؤخرا آلت رئاسة مجلس ادارة رويترز التي اسسها اليهودي الالماني بول جوليوس رويترز منتصف القرن التاسع عشر، الى مجموعة تومسون الاعلامية المالية الكندية بقيادة ديفيد تومسون، والتي اشترت الحصة الاكبر من اسهمها عبر صفقة اندماج ضخمة تجاوزت قيمتها 14 مليار دولار.

وقد تحولت رويترز إلى شركة مساهمة عام 1984، واشترى حصة كبيرة منها امبراطور الاعلام الاسترالي روبرت ميردوخ المعروف بتعاطفه مع المحافظين الجدد.

ورغم الجدل حول الجذور اليهودية لميردوخ، فإن مواقفه جعلته تاريخياً أكثر يهودية من اليهود، كما يصفه حتى المقربون منه. وقد كتب مراسل لصحيفة التايمز التي يملكها ميردوخ ذات مرة قائلا "عندما حققت سبقاً صحفياً صغيراً بتعقب ومقابلة وتصوير تلك الوحدة في الجيش الإسرائيلي التي قتلت محمد الدرة..طلب مني رؤسائي أن أقدم مادتي عن الوحدة الإسرائيلية بدون ذكر (الولد الميت) كما قالوا".

بِعَجَرِهِ وَبَجَرِه

الى ذلك، فقد اتضح ان الاعلام العربي لم يكن في معظمه واعيا للانقلاب الحاصل في سياسة رويترز ولم يتجاوز دوره تلقي التقارير التي تبثها الوكالة ونشرها "بِعَجَرِهِا وَبَجَرِها" وباستسهال وانعدام تدقيق فاضح.

وخلال الشهرين الماضيين لم تقم سوى نسبة قليلة من وسائل الاعلام العربية سواء مطبوعة ام الكترونية، بالتدخل في صياغات تقارير رويترز بهذا الشأن.

وكانت بعض وسائل الاعلام هذه تستبدل عبارة "الدولة اليهودية" بـ"الدولة العبرية" في حين كانت غيرها تكتفي بوضع العبارة بين اقواس تنصيص معتقدة ان ذلك يخليها من المسؤولية ويلقيها على رويترز!.

اما النسبة الاعظم من وسائل الاعلام فقد اتضح ان استسهال محرريها وربما جهلهم بمدلول العبارة كان السبب وراء مرورها عليهم وايجادها طريقها الى النشر.

وفي ما يكشفه احد رؤساء التحرير فان الصحفيين العاملين خصوصا في اقسام الشؤون العربية والدولية في وسائل الاعلام العربية وتحديدا المطبوعة، تكاد تنعدم عند معظمهم مستويات التأهيل المطلوبة لعملهم.

يقول رئيس التحرير الذي فضل عدم نشر اسمه "معظم من عرفتهم في تلك الاقسام لا يتجاوز عملهم ما نسميه

تنظيف الواير- بمعنى جمع التقارير التي تبثها الوكالات وتغيير عبارة اليوم- لتصبح امس- باعتبار ان الصحيفة ستصدر في اليوم التالي، ومن ثم ارسال التقرير الى المطبعة".

ويضيف "يقومون بذلك بكل بساطة ان لم اقل بكل استسهال وعدم اكتراث وجهل".

لكن المسألة تاخذ طابعا ينم عن تناقض صارخ في صحف كانت تنشر مقالات لرؤساء تحريرها ولكتاب يهاجمون فيها مفهوم "الدولة اليهودية"، في حين ان صفحات نفس العدد تحفل بتقارير رويترز التي تروج لهذا المفهوم.

فهذه مثلا صحيفة "العرب اليوم" الاردنية تنشر في عددها يوم 14 كانون الثاني/يناير الجاري مقالة للكاتب جواد البشيتي يهاجم فيها تصريحات الرئيس الاميركي التي تنادي بالاعتراف باسرائيل كدولة لليهود.

وفي مقاله يعتبر الكاتب "أنَّ هذا يعني أن ليس من حقِّ أي لاجئ فلسطيني أن يعود إلى حيث تقوم "دولة الشعب اليهودي"; وقد يعني مَنْح الحق لإسرائيل في "مزيدٍ من النقاء اليهودي" من خلال إزالة "الشوائب غير اليهودية".

وفي نفس العدد الذي تضمن هذه المقالة نشرت "العرب اليوم" تقريرا لرويترز حول موافقة واشنطن على تزويد اسرائيل بقنابل ذكية اقوى من تلك التي تعتزم بيعها للسعودية.

وجاء في الخبر ان الخطة الاميركية لبيع مثل هذه القنابل للسعودية كانت "اغضبت ..مساندي اسرائيل في واشنطن الذين يقولون ان نظم "جي.دي.ايه.ام" التي تستخدم الاقمار الصناعية في توجيه القنابل قد تستخدم يوما ما ضد الدولة اليهودية".

وحتى في احد موضوعات موسوعتها التي تنشرها على موقعها، فان الصحيفة تشير الى اسرائيل بوصفها الدولة اليهودية بكتابة مفتوحة في حين تؤطر بعلامات تنصيص عبارة "الدولة العربية" الواردة في سياق نفس موضوع الموسوعة.

وهناك ايضا صحيفة "القدس العربي" التي هاجم رئيس تحريرها عبد الباري عطوان الرئيس الاميركي في مقال نشر يوم 11 الجاري تحت عنوان "مغالطات الرئيس بوش".

واعتبر عطوان في مقاله ان دعوة بوش تكشف عن رؤية "تقوم علي التسليم باسرائيل دولة يهودية خالصة، وبالتالي اسقاط حق العودة/ والقبول بعلم رمزي علي المسجد الاقصي، وكل المستوطنات المحيطة به".
وفي اليوم التالي، كانت الصحيفة تنشر تقريرا لرويترز يتضمن ترويجها لاسرائيل بوصفها دولة يهودية.

ومن وسائل الاعلام العديدة التي وقعت في مثل هذا المطب، والتي لا يتسع المجال لايراد امثلة عن سقطاتها، نذكر صحيفة الشرق الاوسط والشعب المصرية والرأي والدستور الاردنيتين ومواقع اتحاد الاذاعة والتلفزيون المصري والإسلام اليوم ومحيط وباب والقناة والنبأ وايلاف وميدل ايست اونلاين.