أسباب انهيار أسعار النفط

منشور 19 كانون الثّاني / يناير 2016 - 05:57
اسباب عديدة وراء هبوط الاسعار
اسباب عديدة وراء هبوط الاسعار

محمد عايش*

يعتقد البعضُ مخطئاً أن الموقف السعودي المتمسك بمستويات الإنتاج هو السبب وراء انهيار أسعار النفط، أو أن سياسة منظمة «أوبك» التي تتحكم بثلث سوق النفط العالمي هي السبب وراء الانهيار، وحقيقة الأمر أن جملة من الأسباب تضافرت خلال مدة زمنية قصيرة لتنتهي بهذا الانهيار في السوق والهبوط الحاد في الأسعار، وهو هبوط من المتوقع أن يستمر على حاله طوال العام الجاري، فضلاً عن أن الأهم من ذلك أنه سيطالُ بكل تأكيد قطاعات أخرى.

ورغم أن السعودية ليست السبب في انهيار الأسعار كما يظنُ البعض، فإنها في الوقت ذاته الدولة الأقدر على الصمود في ظل المستويات المتدنية للأسعار، وهي صاحبة الاقتصاد الأفضل حالاً على الإطلاق مقارنة بغيرها من الدول النفطية في العالم، خاصة روسيا وإيران اللتين ستعانيان وضعاً اقتصادياً بائساً، بسبب تدهور الأسعار، كما أن المستويات الراهنة لأسعار النفط سوف تفسد على الإيرانيين بعض المكاسب التي كان من الممكن جنيها عند رفع العقوبات، حيث أن أسعار النفط في السوق العالمية اليوم أقل من أسعار النفط المهرب الذي كان يبيعه الايرانيون في السوق السوداء منذ عام 2007 وحتى الآن.

ثمة أربعة أسباب رئيسية تضافرت جميعاً لتدفع إلى انهيار أسعار النفط بالصورة التي نراها اليوم، وهي الأسباب التي نتوقع، إن استمرت، أن تواصل الأسعار الهبوط، وأن تقود معها مزيدا من السلع والأسهم والأسواق إلى أزمة كارثية:

أولاً: السبب الرئيس والأهم وراء هبوط النفط كان في قرار الفيدرالي الأمريكي في أكتوبر 2014 بالخفض التدريجي في برنامج «التيسير الكمي»، حيث كانت الولايات المتحدة طيلة أربع سنوات مضت تضخ في الأسواق، بموجب ذلك البرنامج نحو 85 مليار دولار شهرياً في الأسواق، ومن ثم قررت وقفاً تدريجياً لهذا البرنامج، ما أدى الى ارتفاع تدريجي في سعر صرف الدولار الأمريكي، وهبوط تدريجي أيضاً في أسعار النفط والذهب والفضة والعديد من السلع والمعادن النفيسة المقومة بالدولار الأمريكي. وهذا بطبيعة الحال يُفسر لماذا هبط الذهب بنسبة 10٪ خلال عام 2015، وانخفضت الفضة بنسبة 19.5٪ خلال العام ذاته، بينما هوى البلاتين بنسبة 12٪.

ثانياً: تمثل طفرة النفط الصخري التي شهدتها الولايات المتحدة وكندا، إضافة الى التحولات الاستراتيجية في السياسة النفطية الأمريكية، أسباباً موجبة لانخفاض أسعار البترول، حيث أن الولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، وهو الاقتصاد الذي يمثل ثلث الاقتصاد العالمي، هي في الوقت ذاته أكبر مستهلك للنفط في الكون، وأكبر مستورد له في العالم، وكانت حتى الأمس القريب تستورد من السعودية وحدها 1.6 مليون برميل يومياً، لكن هذا الحال بدأ يتغير تدريجياً إلى أن تفوقت الصين في ديسمبر 2014 على أمريكا في واردات النفط، في حالة غير مسبوقة من قبل في التاريخ.. وهو ما يعني أن السوق النفطية العالمية تشهد تحولات كبيرة وجذرية، بما فيها أن النفط الخليجي يتجه شرقاً نحو آسيا، وليس غرباً نحو أمريكا وأوروبا. وهذا ما يُفسر أيضاً لماذا تراجعت حركة مرور السفن في قناة السويس المصرية، ولماذا يتوقع أن تواصل الحركة تراجعها خلال الفترة المقبلة.

ثالثاً: الاقتصاد الصيني الذي يمثل ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأحد أكبر مستهلكي ومستوردي النفط، ألقى على العالم بأخبار سلبية خلال الفترة القليلة الماضية، وهو ما دفع إلى حالة من الرعب من أن يكون العالم أمام فقاعة ستنفجر، كفقاعة العقارات في أمريكا التي انفقأت عام 2007 وأدت إلى أزمة الرهون العقارية التي أدت في العام التالي الى اندلاع الأزمة المالية العالمية.

رابعاً: رفع العقوبات الغربية عن إيران يعني أن أسواق النفط بانتظار زيادة في المعروض بنحو مليون برميل يومياً، وربما أكثر من ذلك، إذ يسود الاعتقاد أن ما كانت إيران تنجح في تهريبه وبيعه في السوق السوداء أقل بكثير من طاقتها الانتاجية، وهو ما يعني أن السوق أمام مليون برميل أو أكثر من النفط الايراني، الأمر الذي شجع السوق على المضي في الاتجاه الهابط منذ إبرام الاتفاق النووي بين القوى الغربية وإيران في الثاني من أبريل 2015 وحتى نهاية العام.

خامساً: جاء قرار منظمة «أوبك» في نهاية عام 2014 ونهاية 2015 ليفاقم من مأساة النفط ويزيد من تدهور الأسعار، حيث تمسكت المنظمة بمستويات الانتاج الراهنة من أجل الحفاظ على الحصة السوقية، أمام تعنت الدول خارج المنظمة وعدم تعاونهم في هذا المجال، خاصة روسيا، فهوت الأسعار أكثر فأكثر. ورغم أن تراجع الأسعار يعني هبوط إيرادات المنتجين، وبالتالي خسارة اقتصاداتهم، فالاعتقاد السائد هو أن سياسة «أوبك» في محلها، وتمسك السعودية بمستويات الإنتاج في مكانها، لأن السعودية وجيرانها من دول الخليج أكثر قدرة على الصمود في ظل مستويات الأسعار المتدنية، إذ أن المملكة تنام على أكبر احتياطي نقدي في العالم، كما أن كلاً من أبوظبي وقطر والكويت تلعب بأكبر صناديق الاستثمارات السيادية في العالم، وهي صناديق تدر عليها من الأرباح ما يعوض تراجع إيرادات النفط.

بالتدقيق في العوامل التي أدت إلى انهيار أسواق النفط، فإن الاستنتاج الأهم هو أن الهبوط لن يتوقف على البترول وحده، وإنما هي عوامل أدت وتؤدي إلى تراجع جماعي في أسواق السلع، يتوقع أن يليه هبوط وربما أزمة أو انهيار في بورصات الأسهم والسندات، وقد يصل التدهور إلى القطاع العقاري وغيره من الأصول في العالم أيضاً. وتتحمل الولايات المتحدة المسؤولية الأكبر عن هذه الانهيارات الاقتصادية بسبب العملة الخضراء التي أغرقت بها العالم خلال الفترة من عام 2010 وحتى 2014، لتخرج من أزمتها الاقتصادية الخانقة في ذلك الحين.

عن "القدس العربي"

٭ كاتب فلسطيني

مواضيع ممكن أن تعجبك