لا انتحاري بلا وعي انتحاري

منشور 28 آذار / مارس 2016 - 05:31
ارشيف
ارشيف

وسام سعادة*

في أعقاب كل تفجير انتحاري تتكرّر المماحكة الثرثارة إيّاها. فهذا يبحث عن أصل الفعل في متون النص وحواشيه، أو في غياهب الموروث، وذاك يرصده في مستجدات الأمن والسياسة.

وهذا يبسط تفسيره الثقافوي الجاهز في كل مرة، والمنتهي إلى استعصاء التدبير، الا بالتقنية الأمنية، معطوفة على معزوفة «اصلاح المناهج». وذاك يرد عليه، بالنقد النمطي المعتاد للثقافوية، معطياً الحيز الأكبر، بل الحصري، للتعليلات السياسوية، التي تتحول، بانتزاعها عن كل إحالة ثقافية، إلى نقيض نفسها، فلا يعود هناك ما يُصنع عملياً في مواجهة الحالة، من خارج دائرة المعالجة التقنية الأمنية لها… و«اصلاح المناهج»!

نقطة القوة عند صاحب التعليل السياسوي هي أنّ ما من منظومة دينية أو أيديولوجية الا وبالمستطاع التذرّع بها لشنّ أعمال عنيفة، ونقطة ضعف صاحب هذا التعليل أنّ العنف أنماط، والذرائع أنواع، والتفاوت على مستوى العنف المتذرّع بالعقائد حاصل في الزمان والمكان، وإبطال التمييز هنا هو إبطال لأصل السياسة.

ونقطة القوة عند صاحب الردّ الثقافوي للعمل الانتحاريّ أنّ الأفكار حول الحياة والموت والحياة الأبدية، وعن الموت الطبيعي والموت اللاطبيعي، لا يمكن تعيّنها في السياسة والأمن وحدهما، بمعزل عن الموروث وأشكال النبش في الموروث واحيائه.

أما نقطة الضعف فهي أن افقاد التفسير الثقافوي للإحساس السياسيّ باللحظة والظرف والسياق، يجعله تفسيرا يختزل «السوسيولوجي» في «الأنثروبولوجي»، ثم «الأنثروبولوجي» في «الثيولوجي»، فيصل إلى عزو المشكلة إلى فكر «غيبي»، ومن ثم إلى «الغيب» نفسه: مفارقة التشكي من سطوة الفكر الغيبي على العقول «المهروسة»، لتكون النتيجة صراعاً مع الغيب لا يدخله بهذا الشكل الا المتيقنين بـ»وجوده» العيني، والشاهدين له.

واذا كانت مشكلة الردّ الثقافوي للعمل الانتحاري مطواعيته للسياسات اليمينية المتشددة تجاه المهاجرين، وسهولة انزلاقه إلى «رُهاب الإسلام»، فإنّ التعليل السياسوي يمكن أن يُسخّر في خطابات أكثر تبايناً فيما بينها، بعضها فقط يمكن أن يتّهم بـ«محاباة المهاجمين»، لكن ذلك ليس بتفصيل.

والمحاباة أكثرها بالمواربة، والمواربة اعتبار ان المهاجم إذا ولد في البلد الغربي الذي هاجمه، فهذا شأن داخلي فرنسي أو بلجيكي، ولا صلة لأبناء الجلدة في المجتمعات جنوب المتوسط، حتى إذا ارتفعت أصوات اليمين المتطرف ضد المهاجرين، أو ضد المسلمين، آذاك عاد أهل التعليق نفسه، وأعتبروا أن ما يحصل في فرنسا أو بلجيكا، مؤامرة على الدين، وهي بالتالي شأن داخلي للمجتمعات الإسلامية.

ما تقوله التنظيمات الجهادية عن نفسها وعن دوافع ما تقوم به، قلما يأخذه أهل التفسير السياسوي بالحسبان، لا بل أنهم قلما يكترثون حتى لعروض الهدنة التي تظهر، كما في أعقاب التفجير الإرهابي الأخير، في بيان التبني. هذا مع أن شرط السياسة في هذا المجال التعامل مع هذه الشبكات والتنظيمات ككيانات سياسية أيضاً، لكنها كيانات سياسية اسكاتولوجية (أخروية) بامتياز، و»أخرويتها» هنا ليست مادة حماسية فقط.

قد تكون الحجة في المقابل أننا إذا أخذنا ما تقوله التنظيمات الجهادية عن نفسها بعين الاعتبار نكون قد أنزلقنا سلفاً اما إلى مبتغاها، واما إلى «رهاب الإسلام». لكن حينها ستكون المشكلة في من ليس بمستطاعه أخذ الخطاب التعليلي العقائدي والسياسي لأي قوة بعين الاعتبار الا بالتماهي معها، أو لمن ليس بمستطاعه منطقياً وذهنياً افراز مقولة مغايرة لكل من «لا علاقة لداعش بالإسلام من قريب أو من بعيد» و«داعش موجودة اذاً المشكلة في الإسلام». مقولتان فاسدتان! المهاجم الذاهبُ بنفسه والابرياء غيلة، إلى الغيب، يقيم مع هذا الغيب، بواسطة ترسيمة أفكار ما، وبواسطة تجهيز تنظيمي وتمويلي وسياسي لهذه الترسيمة، علاقة لا يمكن نفيها بحجة أنها علاقة لا تعجبنا، أو نفترض واحدة أنسب. العمل الانتحاري هو أقرب إلى «الاحتراف» من «الهواتية»، وهذا الاحتراف لا يمكنه ان يختزل في «أداتية» محض. لا انتحاري بلا وعي انتحاري. «غسيل المخ» أكذوبة. هذا الوعي الانتحاري هو وعي سياسي بامتياز، لكنه وعي سياسي يتحرك في مخيال ثقافي بامتياز، مخيال ثقافي لم يُرتجل فقط «آخر ساعة».

٭ كاتب لبناني

عن "القدس العربي"

مواضيع ممكن أن تعجبك