في ظل التعليم في دولنا العربية، وفي العالم أجمع، ليس هناك الآن من يهتم بتدريس اللغة العربية كلغة البلد الأم، واتجه العالم العربي كله إلى الاهتمام بتدريس اللغات الأجنبية، حيث إنها المتداولة عالمياً وهي لغة المقابلات للتعيينات الوظيفية في جميع المحافل ولكن هذا الاتجاه أوقعنا في الخطأ الذي نعاني منه حالياً بين أبنائنا في مدارسنا والتي فقدت معظمها الاهتمام بتدريس اللغة العربية.
البداية تأتي من الصغر وقبل الدخول إلى المدرسة كانت هنالك زوايا القرآن الكريم وما زالت تتواجد حتى يومنا هذا في بعض الدول العربية والإسلامية والتي تهتم بالدين الإسلامي وباللغة العربية وهي حريصة كل الحرص لتعليم أبنائها اللغة العربية والقرآن الكريم ولم تتوقف حتى يومنا هذا وهذا ما دفع ورفع هذه الدول في التقدم والرقي وهناك بعض الدول والتي لم تهتم بهذه النقطة وقصرت في تعليم أجيالها فعصفت بها الريح إلى الاتجاه الغربي وحزت معظم الدول العربية هذا الاتجاه الغربي والذي أودى بها إلى غيابات الجب.
من التوجيهات القرآنية التي يمكن استثمارها في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى ما ورد بين كلمات الآية 22 من سورة الروم، حيث قال تبارك وتعالى :«وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ». وهو تأكيد واضح الصياغة بأن اختلاف الألسنة أو اللغات بين الناس آية من آيات الله تعالى لا تقل في عظمتها عن خلق السماوات واختلاف الألوان بين أبناء الأرض.
وعلى ضوء الاختلاف اللغوي نجد أن الأصوات العربية تختلف كثيراً عن أصوات لغات متعلميها الأجانب، فعلى سبيل المثال لا الحصر تختلف الأصوات العربية مثل الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والثاء، والعين، والغين، والقاف، عن أصوات عموم اللغات اختلافاً كبيراً ليس فقط من حيث المخارج ولكن أيضاً من حيث الصفات. كما نجد أن التراكيب العربية تختلف اختلافاً كبيراً عن تراكيب اللغات الأخرى. ومن ذلك أن عموم الجمل العربية تتكون على التركيب الفعلي وهو أن تبدأ الجملة بالفعل بدلاً من الاسم كما عمّ في معظم اللغات. ومنه أيضاً أن الجمل العربية تتكون من الأفعال والأسماء التي تربط بينها علاقة التذكير والتأنيث، كما يتضح من هاتين الجملتين: «الطالب النشيط يراجع دروسه» و»الطالبة النشيطة تراجع دروسها».
وردت في القرآن الكريم توجيهات تعليمية لغوية يمكن أن نتخذها أساساً نسير عليه ومبدأ نستند إليه في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، منها ما جاء في الآية 13 من سورة الحجرات، حيث قال تعالى :«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».
هذه الآية تخاطبنا مخاطبة عامة لا تخص المسلمين منا دون غيرهم ولا العرب ولا العجم ولا أمماً معينة ولا أهل قارة معينة، فهي تؤكد أن الله تعالى خلقنا مختلفين ليس فقط من ناحية الجنس ولكن أيضاً من ناحية الجنسية، حيث جعلنا شعوباً وقبائل مختلفة، كما تؤكد أن الهدف من خلقنا مختلفين هو التعارف فيما بيننا وليس لأجل تفضيل بعضنا على بعض لأن معيار الفضل الوحيد عندالله هو التقوى.
يجب على الجهات المعنية الاهتمام المُضاعف بتعليم لغتنا العربية في جميع الصفوف وفتح زوايا تعليم القرآن، لتعليم الطفل منذ نعومة أظفاره الدين واللغة العربية فعندما يبدأ الطفل تعليمه في المصحف الكريم وينظر إلى كتابة المصحف فيتعلم التنوين والرفع والسكون كما نزل بالإضافة إلى تلاوة القرآن الكريم كما ينبغي، وبذلك يكون بنيانه قد تأسس على القواعد الأساسية والهامة وبذلك يتوجه في الاتجاه الصحيح وليس التعليم في الكبر ففي الكبر لا تتعلم كل القواعد أو كل المفاهيم الهامة في اللغة العربية والتعليم في الصغر كالنحت على الحجر فترسخ ما تقوم بتعليمه على أطفالك وبالقرآن تهتدي الأمم وبالقرآن نبني جيلاً ذا خلق وذا طموح متفهم لحياته ومطالب الدنيا.
