مدريد: تعد ترجمة الرواية الإسبانية "حياة لاثاريو دى تورميس: حظوظه ومحنه" إلى اللغة العربية من طرف إدريس الجبورى ومحمد المساري، وتقديم الدكتور جميل الحمداوى بدعم من وزارة الثقافة الإسبانية إنجازا مهما فى إطار التواصل الثقافى والحضارى بين الأدبين العربى والإسباني، وتقريبا للقارئ العربى من عمل فنى يصنف ضمن روائع الأدب الإسباني.
وبالرغم من قدم الرواية التي يعود إلى القرن السادس عشر الميلادي، فإنه ما زال يحتفظ ببريقه ولمعانه، ويستهوى الباحثين المهتمين بالدراسات المقارنة فى مجال الأدب.
تمثل هذه الرواية - وفق صحيفة "العرب اللندنية" - حجر الزاوية فى الأدب الإسبانى لأنها ظهرت إلى الوجود عام 1554م، لمؤلف مجهول، وأسست بذلك لميلاد جنس روائى جديد يسمى الرواية البيكاريسكية التي غالبا ما يكون بطلها صعلوك وشحاذ وغشاش ومخادع يجنح إلى المكر والحيلة والدهاء فى سلوكاته وتصرفاته التى تؤذى الآخرين.
ورواية "اثاريو دى تورميس" هي سيرة ذاتية لبطل يحمل اسم الرواية كان أبوه يعمل طحانا، واتهم باختلاس وسرقة زبائن الطاحونة، فتم القبض عليه ونفى من بلدته بسبب هذه الواقعة، وفى ذلك الوقت كانوا يجهزون جيشا لمحاربة المسلمين فانضم إليه، وقضى نحبه فى الحرب.
أما الأم الأرملة فقد لجأت إلى العمل لتوفير قوت يومها، وشاءت الأقدار أن تتعرف على رجل أسمر اسمه زيد بدأ يتردد على بيتها، وانتهى الأمر بها أن أنجبت لـ"لاثريو" أخا أسودا، لكن التحريات ستكشف أن العبد كان يسرق وينفق بذلك على أمه وأخيه الصغير، فحكمت عليه العدالة بالجلد والكى بلحم الخنزير، أما الأم فحكموا عليها بمائة جلدة.
وفى هذه الفترة شعر "لاثريو" أنه طفل يافع قادر عن الاستغناء على الأم، فبدأ رحلة المغامرة مع رجل أعمى تولى خدمته وقيادته، يقول عن هذا الأعمى: "ولنعود إلى صاحبنا الأعمى وشئونه أقول لك يا سيدي، أنه منذ خلق الله العالم، فإنه لم يخلق مثله مكرا ودهاء"، فقد كان يتصنع السمت، ويظهر التقوى والتواضع، ويحفظ أدعية لكل المناسبات خاصة ما يتعلق بالنساء كالعواقر والنفساء وغير الموفقات فى الزواج، وفى الطب كان يدعى معرفة ضعف ما يعرفه "جالينوس"، وكان يكسب من كل هذا أموالا ومكاسب كثيرة".
لكنه فى الوقت نفسه كان بخيلا شحيحا مقترا قتل "لاثريو" جوعا، ومارس فى حقه شتى صنوف التعذيب من ضرب وشتم، وألوانا من السخرية والاستهزاء.. لذلك قرر الانتقام منه بحيل شيطانية؛ من ذلك أن الأموال التى كان يمدها الناس للأعمى لا يصل منها إليه إلا النصف والباقى يأخذه "لاثريو" مستغلا عماه. كما كان يقوده فى أسوء الطرق عمدا ورغبة فى إيذائه، فوق الأحجار وبين الأوحال.
وانتهت علاقته بهذا الأعمى بهذه المكيدة التى ستنهى حياته، إذ قاده حيث يوجد عمود من الحجر منصوب فيه نتوءات حادة خلفه جدول ماء، ولما صار فى مواجهة هذا العمود أمره بالقفز فاصطدم رأسه بالعمود فتشقق بقوة الارتطام، وسقط صريعا على الأرض، بينما "لاثريو" ركض هاربا وغادر المدينة.
بعد ذلك سيحل بقرية تدعى "مكيدا"، وهنا سيوقده حظه العاثر للالتقاء بقسيس عرض عليه خدمته فرضي، إلا أن هذا الراهب كان أشد بخلا وقساوة من سابقه الأعمى، وكاد أن يسوقه إلى حافة القبر، يقول "لاثريو" محاولا المقارنة بينهما: "لقد هربت من الرعد لأسقط فى البرق، لأن سيدى الأعمى وإن كان هو البخل بعينه كما رويت من قبل، فإنه بالنسبة إلى هذا القسيس يعد الإسكندر الأكبر لا أقول أكثر من هذا، اللهم إلا أن كل شح العالم كان حبيسا فى هذا الرجل ولست أدرى أكان ذلك منه عن طبع، أم اكتسبه مع ثياب الكهنوت".
ومن الفرص التى كانت تتاح لـ"لاثريو" أن يأكل حتى الامتلاء، حضور الجنائز برفقة القسيس للمشاركة فى الصلوات، وكم كان يتمنى ويطلب الله أن يقبض كل يوم روح إنسان، بل حتى المرضى كان يتمنى أن يزيلهم الله من الدنيا ليشبع فى أيام مراسم الدفن، وكان يشيعهم بالأفراح والتبريكات، لأنه كان يظن أن الله يقتلهم ليهب له الحياة، وعندما لا يموت أحد فإنه يعود إلى الجوع من جديد بعد وفرة الطعام.
وكعادته مع الذين يظلمونه، عزم مرة أخرى على الانتقام من القسيس، إذ كان يقرض الخبز الذى وضعه سيده فى الصندوق ويوهمه أن الفئران هى التى فعلت ذلك، إلا أن هذه الحيلة لم تنجح هذه المرة، إذ كانت مفاجأته عظيمة عندما اكتشف أن "لاثريو" يخبئ مفتاح الصندوق فى فمه أثناء النوم طوال هذه الفترة الطويلة، فكانت الضربة التى تلقاها منه على فمه كافية أن تدخله فى غيبوبة مدة ثلاثة أيام، بعدها أمسكه بيده وألقى به إلى الشارع.
كانت وجهته بعد ذلك طليطلة حيث التقى رجلا ـ"سائس"ـ تظهر عليه آثار النعمة والثراء كالنبلاء، ويشارك فى القداس الدينى بخشوع شديد، فتوسم فيه الخير والصلاح.
إلا أنه وجد نفسه يعيش مع شخص لا يملك شيئا فى هذه الدنيا إلا المظهر الذى كان يعتنى به لمغازلة النساء والفتيات، ويمشى فى الشوارع موزونا يستنشق الهواء، بينما "لاثريو" أصبح مرغما على تعاطى مهنة التسول التى تعلمها من سيده الأول "الأعمى"، وإعالة صاحبه البائس الذى يتصنع التكبر والعجرفة، واستمر أمرهما على هذا الحال إلى أن افترقا بسبب الدين الذى اقترضه سيده واضطره لمغادرة المدينة والتوارى عن الأنظار.
أما الشخصية الرابعة التى التقى بها لاثريو فهو راهب يظهر التدين والاستقامة وفى الوقت نفسه له تجارب ومغامرات جنسية عديدة مع النساء.
وفى وقت لاحق سيقوم بخدمة مُرَوِّج صكوك الغفران الذى يعتمد الحيل والمكائد لابتزاز الناس باسم الدين، وكذلك خدمة راعى هيكل وشرطي.
وفى النهاية سيتحسن حاله ويتزوج إحدى خادمات رئيس القساوسة التى كانت تحوم الشكوك حولها بسبب ترددها على سيدها بعد زواجها بلاثريو.