راضي علوش يكتب "جبران والحداثة"

منشور 12 كانون الثّاني / يناير 2012 - 05:58
جبران
جبران

"جبران والحداثة" عنوان كتاب جديد للأديب اللبناني راضي سالم علّوش، صدر عن دار المحجّة البيضاء، بيروت 2012 في مئتين وأربع وعشرين صفحة من القطع الصغير. قُسِّمت وفق هيكليّة البحث قسمين: الفصل الأول بعنوان “مدخل إلى الحداثة عند جبران”، ويتضمّن هذا القسم بابين:

 

الأول يحمل عنوان “القديم والمحدث في النقد العربي القديم”، والثاني جاء تحت عنوان “القديم والحديث في عصر النهضة حتى جبران”. أما القسم فاشتمل على بابين: الأول وسمه المؤلف بـ “حداثة الموقف”، وناقش فيه عدداً من الموضوعات حملت العناوين التالية: المرأة، الدين، الثورة، الجنون، الفنّ، النّبوّة. فيما حمل الباب الثاني عنوان “حداثة التعبير” وهو يحتوي على عنوانين فرعيين ناقش خلالهما الباحث موضوعتي: اللغة، والأسلوب الجبراني من حيث الإيقاع والرمز والصورة.

 

الجذور التاريخية للحداثة

في القسم الأول يرى المؤلّف أنّ الصّراع بين القديم والمحدث عُرف في الأدب العربي منذ حوالي منتصف القرن الثاني الهجري، انسجاماً مع ما تفرضه الحياة من تطوّرات وتغيّرات اجتماعية وثقافية وفكرية ومعيشية وسياسية. ومن أوائل الشعراء الذين تنبّهوا لضرورة التعبير عن الحياة الجديدة كان بشّار بن برد الذي ظهرت معاناته، ومعاينته لهذه الحياة في شعره، وهو الذي فتح باب الصراع بين القديم والجديد. ولا يمكن إغفال دور أبي نواس الذي حاول التوفيق بين الشعر والحياة المدنية اليومية، فثار غلى عمود الشعر العربي، إلاّ أنّه ظلّ أسير هذه العمودية يرسف في أغلالها طيلة حياته الشعرية.

 

ويُورد المؤلّف الشاعر أبا تمّام في عداد من تنكّبوا لجدليّة الصّراع بين القديم والجديد، متوقّفاً على الحداثة التي نادى بها، وفق تجلّيات انتهجها في شعره، أبرزها:

 

اختراع المعاني وتوليدها.

 

الغموض.

 

إيجاد لغة شعرية جديدة قائمة على المجاز.

 

استعمال البديع تأثّراً بالقرآن الكريم، ومعارفه الفلسفية.

 

وفي الباب الثاني من الفصل الأول يعرج المؤلّف على الحداثة المعاصرة زمن جبران، بخاصة في القرن العشرين، انطلاقاً من إرهاصات القرن التاسع عشر مع البارودي وحافظ إبراهيم وشوقي، فضلاً عن معروف الرصافي وجميل صدقي الزّهاوي...

 

لكنّ بداية التحوّل في الشعر العربي الحديث كانت نتيجة الاتّصال بالشعر الغربي، وخليل مطران هو أوّل من خطا خطوة التغيير الأولى في هذا الاتّجاه: فهو اتّخذ لنفسه مساراً مختلفاً عن مسار مجايليه من الشعراء، فكانت مظاهر التجديد كالتالي:

 

معالجته بعض الموضوعات الجديدة كالوجدانيات.

 

تشخيص الطبيعة وكشف علاقاته الذاتية بها، كقوله واصفاً الغروب في “قصيدة المساء”:

 

أَوَليسَ نزْعاً للنَّهارِ وصرعةً

 

للشّمسِ بينَ مآتمِ الأضواءِ

 

القصص الشعريُّ، إذ كان شاعرنا فاتحة عهدٍ بالنسبة إلى هذا النوع من التعبير.

 

التنويع في القافية كما في قصائد: الوردتان، شهيد المروءة، شهيد الغرام، الاقتران، فنجان قهوة، عتاب، شعر منثور.

 

ورغم مظاهر التجديد في شعر مطران، فإنّه لم يستطعْ الخروج تماماً على القلب الشعريّ القديم.

 

كما يشير راضي علّوش إلى الدور المحدود الذي أدّته جماعة الديوان (عبد الرحمن شكري، إبراهيم المازني، عباس محمود العقاد) في التجديد الشعريّ، ثمّ جماعة أبوللو التي كان لها أثر مهمّ في التجديد، لأنّها حاولت الخروج على المألوف الشعري العربي، وإدخال عناصر جديدة على الصيغ الشعرية التقليدية. أمّا الشعر المهجريّ فأثار حركة نقديّة شبيهة إلى حدٍّ بعيد بالحركة النقديّة التي أثارها شعر أبي تمّام، وقد جاء انقلاباً على المقاييس الأدبية الموروثة، وشكّل مدرسة فنّيّةً جديدة على رأسها جبران خليل جبران.

 

الحداثة الجبرانية

ما بين الرّؤيا الجبرانية وحداثة اللغة وخصائص الأسلوب يستطلع المؤلّف المواقف الجبرانية الحديثة، بوصفها علامة تغيير كبرى في مجتمعٍ كادت الشرائع والتقاليد تقضي على روح الخلق والإبداع فيه، فكانت الحداثة الجبرانية تتبدّى في أدبه وحياته بنظرة رؤيويّةٍ قادرةٍ على اختراق المعطيات الحسّيّة للعالم، وما فيها من تناقضاتٍ وشوائب. وقد تجسّدت في الملامح الآتية:

 

دعوة جبران إلى الهدم ثمّ البناء على أسسٍ راسخةٍ متينة تصمد في وجه العاتي. ظهر الهدم في معظم مؤلّفاته العربية، بينما البناء في المؤلفات الأجنبية.

وإذا كانت الرّؤيا الجبرانية الطامحة إلى تغيير العالم تتّسم بالجدّة والفرادة، فإنّ لغة التعبير والخلق لابدّ من أن تكون هي الأخرى جديدة، وهكذا عبّر جبران عن أشيائه الجديدة بلغة جديدة.

إنّ الثّورة التي أحدثها في الفنّ لم تقم بمعزلٍ عن الثورة التي أحدثها في المفاهيم الاجتماعية والدينية والسياسية.

عالميّة جبران التي تنشأ من كونه جمع في فنّه صوت الشاعر والثائر. إنّها الرّؤيا الجبرانية التي تتجاوز في أبعادها ما هو محليّ إلى ما هو عالميّ وكونيّ.

يعدُّ جبران - كما يقول المؤلّف- أوّل مؤسّسٍ لمفهوم الحداثة في العصر العربي الحديث. ولقد كان جبران في حدّ ذاته تراثاً، إذ كلّ بداية تراث، أو كلّ تراثٍ إنّما هو امتداد ونموّ وحركةٌ وتفجّرُ، والمبدع يجد غذاءه الحيّ والنامي داخل هذا التراث لا خارجه. وهو امتداد طبيعيّ للمبدعين في تراثنا: إنّ خيطاً رفيعاً وخفيّاً يصله بأبي نوّاس وأبي تمّام والمعتزلة والصوفيّين وغيرهم من أصحاب الفكر المبدع. وعلاقته بهؤلاء المبدعين لا تتمّ على أسس التقليد أو المحاكاة أو المضاهاة، بل هي علاقة تجاوزٍ وتخطٍّ. وهذا يعني أنّه امتدادٌ لهم، وتخطٍّ في آنٍ معاً.

وفي النهاية، يجمل الكتاب أطروحته حول جبران بالقول: “إبداعيٌّ، تراثيٌّ، تجاوزيٌّ، تلك هي الصفات الثلاث في مفهومه للحداثة موقفاً وتعبيراً”.

وهي شهادةٌ يستحقّها جبران الأديب والفنّان والمصلح، والذي ما زال الشغل الشاغل لأهل الثقافة والأدب، لكنّ تناول مصطلح الحداثة مجدّدا قد يحيلنا إلى جدلٍ نظريّ عقيم، حُشدت له العقول والمصنّفات في القرن الماضي وأسفر عن منازلات حامية آلت إلى غير غالب ومغلوب، بينما كانت القضايا العربية الجوهرية تحتاج إلى حشد جهود المثقفين المخلصين لنصرة الوجود العربي المهدّد بالتفتيت والتلاشي. وفي مثل هذه الأوضاع لابأس من الاتفاق على ضرورة التحديث في اللغة الأدبية وفي كلّ مظاهر الحياة. هذا ما حدث فعلاً منذ قرون خلتْ، ولْنحاذر في الوقت عينه من إغفال المتغيّرات الثقافية والسياسية والاجتماعية التي طرأت علينا وعلى العالم الذي دخل عصر ما بعد الحداثة، فباتت صيحات الحداثة من الماضي القريب. ولنكن حذرين من التثاقف مع الفكر الغربي الذي يعالج قضايا مجتمعاته المختلفة عنّا في ظروفها التاريخية، على أساس القاعدة التي ابتدعها الزعيم الهنديّ غاندي بأن نفتح نوافذنا للريح دون أن نسمح لها باقتلاعنا.

 

مواضيع ممكن أن تعجبك