قراءة في رواية "الكونت دي مونت كريستو" للكاتب العالمي إسكندر دوماس

تاريخ النشر: 25 سبتمبر 2017 - 08:42 GMT
رواية "الكونت دي مونت كريستو"
رواية "الكونت دي مونت كريستو"

دينا نذير:

رواية الكونت دي مونت كريستو للكاتب الشهير إسكندر دوماس، هي رواية عالمية ترجمت إلى عدة لغات، وبيعت منها ملايين النسخ وعُدَّت من الكتب الخمسين الأكثر مبيعاً في العالم، كما ظهرت على المسرح وفي الأفلام وحتى الرسوم المتحركة.

ويعزي الكثير من النقاد قوة الرواية إلى كونها لربما أُخذت جزئياً من قصة حقيقية، تحاكي الواقع، على الرغم من أن أحداثها قُدمت في بداية حكم الملك لويس الثامن عشر لفرنسا وإزاحة نابليون عن الحكم سنة ١٨١٥، وأنها تصلح لكل زمان، وتُقدّم صورة عن الانتقام المشروع.

اختصرها النُّقاد بأنها رواية تعرض مأساة أدمون دانتيس البحّار الذي خانه أصدقاؤه ولفّقوا له تهمة خيانة الدولة، وكيف سيق إلى السجن في منتصف حفل زفافه وبقي هناك سنوات طويلة بدّلت شكله وفكره، حتى خرج واكتشف أن خطيبته تزوجت من عدوِّه، وأن المتآمرين عليه باتوا الآن من نبلاء الطبقات الرفيعة، فينتقم منهم واحداً تلو الآخر؛ كرواية من النمط التقليدي تتصاعد فيها الأحداث إلى ذروتها ثم تنفرج بقوة، بلُغةٍ حيوية تناسب فئات المجتمع المختلفة.


ولكن ما نجده في هذه الرواية يفوق ما تم عرضه في السطور السابقة، ذلك أن هذه الأحداث لم تأخذ من الرواية سوى زاوية بسيطة وسريعة، وكان التركيز الحقيقي فيها على طريقة تفكير الإنسان ونوازع الشر فيه، وتؤكِّد أن لا مظلوم حقيقيًا في الدنيا، وتطرح تساؤلاً مهماً عدة مرات هو: هل الشر ناتج عن المعاناة أم أنه طابع أساسي في الإنسان؟

فسوء القلوب والأخلاق لم يشمل أعداء أدمون الثلاثة فحسب، بل كان يتجلى في كل شخصية من شخصيات الرواية يقلّ عند بعضهم ويكثر عند الآخر، كمحاولة لتقديم طبيعة الإنسان وكشفها.

 

انتقام الكونت دي مونت كريستو

فقدان دانتيس لمخطوبته وحياته ثم تحقيق انتقامه، نقاط مهمة في عقدة الرواية ونهايتها، و المتأمل في الرواية يتفاجأ بأن لقاء دانتيس لمخطوبته من جديد والتي باتت زوجة لعدوه الآن ولديها ابن شاب منه، لا يؤثر في الأحداث أو في مجراها كثيراً، بل إن انتقام دانتيس أو الكونت دي مونت كريستو كان معداً ومخططاً له بعناية، وقد تجاوز الشخوص والوقائع إلى هدف نفسي يستطيع البطل من خلاله إيجاد ما يفعله في حياته، أي إيجاد شيء يجعل لها طعمًا وقيمة، يضع فيها بطل القصة نفسه موضع الإله، فلا يكتفي بمعاقبة من أساء إليه ومن أخطأ بل كذلك يجزي الأخيار ويقدم لهم الجوائز على عملهم، وكأنه صاحب سلطة حسابهم وعقابهم، غريزة التحكم والقوة كانت فيه منذ البداية ولكن ما حدث معه أشعلها فقط، فطوفان غضبه طال الجميع ممن له علاقة مباشرة بمأساته ومن لا علاقة له، واللافت أن تجربته المريرة لم تجرده من المشاعر وتحوله إلى آلة كما ظن بعض القرّاء، بل ظهر في مواضع عدة إنساناً حساساً يحمل الحب، فمن أين نبع التوحش الانتقامي؟

 

الحوار أساس في الأحداث والأفكار والشخصيات وما وراءها

تُظهر الرواية النفسَ البشرية ومحركها الأساسي هو الشر، أما الخير فهو شاذ فيها وغريب. إن العواطف كالمحبة والشوق والرغبة ليست دليلاً على صفاء القلب أو نقائه بل هي دوافع للشر أكثر من غيرها أحياناً، فحتى أعتى الفاسدين قد يشعرون بالحب والشوق.

التركيز على سوء الإنسان نفسه ولو من غير عوامل خارجية هو فكرة أساسية في هذه الرواية، والغبار الذي يعلو هذه الفكرة نفضه عنها كافٍ لتظهر بوضوح، قدّمها الكاتب بالحوار الذي طغى في الرواية على غيره، يزداد وينقص اعتماداً على الأفكار المطروحة، ثم يليه السرد الذي ركز على مفاصل هيكل الرواية وتفاصيلها، ويتوضح ذلك بقراءة الرواية والوقوف على أهم نقاطها.

تفتتح قصة الكونت دي مونت كريستو بعرضٍ سردي يقدم سفينة فرعون التي يعمل عليها البطل دانتيس، ويُقدَّم شاب وسيم قوي أسود الشعر والعينين كرمز لكل ما سنلحظه لاحقاً، تحيط به الأحقاد والغيرة، ثم نندمج في الأحداث فنصبح من أعضاء السفينة نستمع إلى حوار صاحب السفينة ودانتيس والعامل المكروه دانجر أحد الشخصيات الأساسية لمأساة البطل.

يتحكم الحوار في القصة ويحرك القارئ باتجاهاتها المتعددة كما يقدم الأفكار مرتبة حيناً ومختلطة حيناً آخر، ويعرض الشخصيات فيوضح أفكارها وميولاتها ومستوياتها الاجتماعية والمادية بما تتبادله من جمل، ففيه يظهر كادروس الذي يبدو نادماً حزيناً على ما فعله بصديقه يطلب المغفرة، ولكنه يعود إلى أساسه السيئ مرة أخرى عندما يحاول قتل الكونت دي مونت فيُقتَل هو، وقد نبه والد دانتيس في بداية الحكاية عليه فقال: "خشيت أن يصيبك الرجل بأذى فدفعت دَينه".

 

عندما يكشف الكلام سوداوية النفس

هل تخيلت يوماً أن تظهر أفكار الإنسان التي تحدّثه بها نفسه إلى العلن على الرغم من سوئها؟ فيتحدث الأصدقاء عن أحقادهم فيما بينهم من غير خجل، هذا ما حدث في قصة أدمون بالتحديد، فما يختلج القلب من مشاعر ظهر على اللسان، وكان ذلك ليكون ضعفاً في موضع آخر غير أن المهم هنا لم يكن إظهار المشاعر أو إخفاؤها، فلا حاجة إلى إخفاء ما في صدر الشخصيات ووضعها على لسان السارد لأن حقيقتها هي أهم ما تقدمه الحكاية، أحقاد بشرية لا تحتاج إلى مسوّغ كما حدث مع أدمون، بل قد تكون فطرية تسري مع الدم.                     

 

الشر طبع في البشر

قُدّمَت الأحقاد في المجتمع ضمن الفقراء والأغنياء على حد سواء، الفقير الذي يجد صعوبات في الحياة فيعيش الغيرة والحقد، والغني يعيش برفاهية تزيد حقده وتعظم رغبته في تدمير من حوله، والمتوسط بينهما يخاف الهبوط ويريد الصعود على أكتاف غيره مضحياً بهم، الزوجة تقتل ابنة زوجها ووالده وخادمه لأهداف في قلبها، وعند مواجهتها تتوسل وترجو زوجها أن لا يصدق الظواهر، فهل جرائمها كانت مجرد ظواهر يجب تجاهلها وما يهم هو الهدف؟

هذا ما حدث مع مدام فيلفور التي لا علاقة مباشرة تربطها بمأساة الكونت ديمونت ولكنها قصة من ضمن قصص شخصيات كثيرة، من لم يقم بعمل إجرامي منهم أقلها كان خبيثاً يدّعي البراءة، فهل كانت مخطوبته مرسيدس في غفلة عندما لم تتحرَّ سبب سجن خطيبها الغالي؟ هل أعميت عيناها عن ابن عمها الذي لازمها وكان يريد أخذ مكان دانتيس دائما؟ لقد صبرت بعد حبس محبوبها سبعة أشهر شغلت نفسها فيها بالعناية بوالد دانتيس المريض ثم تزوجت العدو الأول لحبيبها، كما شرح كاديروس للبابا المزيف الذي هو أدمون نفسها وبعد سنوات تعود وتتوسل الكونت ديمونت كرستو "دانتيس" أن لا يؤذي ابنها، ولم تبدِ اهتماماً حقيقياً لحياته هو، هي كانت شريكة في الجريمة وإنْ أنكرت ذلك، والكاتب لم يظهر ردة فعلها في أحداث الرواية بعد أن أُخِذ خطيبها من منتصف زفافهما إلى السجن، بل إن المشاهد التي ظهرت فيها هذه الشخصية معدودة، لم تؤثر كثيرا على الحكاية، وإن اعترض قارئ على ذلك، ويدلل بأن الكونت قد عفا عن ابنها ولم يقتله لحبه لها، قلنا أن قتل ابنها ألبرت لم يكن جزءاً مهما في خُطته ولم يؤثر عليه، بل عاد وأكملها بشراسة وقوة.

يجدر بالذكر أن أدمون كثيرا ما استخدم في تنكره زي الراهب أو القسيس ففي زمن الحقد والكراهية كان زي رجل الدين مريحاً للقلوب أقرب للتصديق بين الناس أملا منهم بوجود الخير وهو شعور باق ببقاء سوء البشرية. 

 

دلالات الحكاية

    سنوات سجن أدمون دانتيس ومأساته لم تحمل معنى المأساة بشكلها الكامل، لقد عرف حقد أصدقائه وعدم إخلاص مرسيدس مع أنها عَدّت نفسها رمزاً للوفاء لأنها تُعذَّب بالأحلام المزعجة حول خطيبها! لقد اكتسب صداقة جديدة في السجن قدمت له العلم والثروة والحريّة وحتى دواء الانتقام السام الأحمر الذي ساعده على الانتقام منهم عن طريق تدمير بعضهم بعضا بأنفسهم. إنّ لحظات احتضار صديقه الراهب كانت دليل صفحات انتقامه القادم.

لقد جُمِع علم أدمون بجملة قيلت في حوارهما تكمن أهميتها في الأحداث القادمة في القصة، عندما أخبره بقدرته على تعليمه العلوم المتعددة وأربعة لغات مع التاريخ في سنتين فقط.

إن النفق الذي حفره السجينان لم يكن نفق حرية من السجن وحسب، بل كانا يحفران داخل هذه الحياة لشق طريق فيها، لفتح مخرج داخل سواد البشرية المظلمة، وإن أردت الحياة الحقيقية عليك التحول إلى جثة ورمي نفسك في الهلاك ثم تستيقظ وتبدأ بتوحيش نفسك كما فعل أدمون.

وبعد الانتقام اختار أدمون تقديم الجوائز لابن الشخص الوحيد الذي لم يشترك في التآمر عليه ولم يتمكن من مساعدته كذلك، السيد موريل، اختار أدمون سلطة الثواب والعقاب كما ذكرت سابقاً واضعاً نهاية سعيدة للانتقام الذي خطط له، يقال دائماً إن الانتقام نهايته وخيمة وفِي طريق الانتقام عليك حفر قبر لنفسك أيضاً، لكن ذلك لم يحدث هنا، الانتقام نجح، واستطاع الشر في هذه الحكاية النجاح كقاعدة "الغاية تبرر الوسيلة" الخاصة بنابليون المرتبط بأحداث وزمن الحكاية.

ونجد جزيرة مونتي كرستو التي كانت بداية رحلة حياة أدمون دانتيس الجديدة، اختار اسمها لتكون هويته وأساس خطته، وحملت الرواية هذا الاسم الذي كان أساس كل شيء بعده.

وفي لحظات كثيرة وأهمها لحظات تحقيق الانتقام، ركز الكاتب على شعر بطله الأساسي الأسود الطويل المنسدل، يشعرك بسوداوية الكونت كما هي حال شخوص القصة كلها، بِظَلام طويل وجميل كانتقامه، يحوي رؤية البطل والحكاية معاً.

هذه الحكاية امتلأت باللون الأسود المظلم، من سجن أدمون في القاع يحده البحر الذي يذكره بالموت في كل ليلة،ثم حفرة حريته التي عمل عليها دائما في الظلام، وخطة الهرب كانت بلف نفسه داخل كيس الموتى المخصص لصديقه الميت داخل الظلام.              

 

عودة إلى الحوار

يسود عنصر السرد في مواطن من الرواية ويختفي في بعضها وتعود قوة الحوار وسيطرته، لماذا؟

المواضع الحوارية في الرواية استخدمت بكثرة عند قصد إظهار نفسيات الأفراد وأفكارهم السيئة منها على وجه الخصوص، وفِي حوار كاديروس مع القس أدمون المتنكر عاد السرد إلى الواجهة لأن الحوار المذكور على لسان السارد بين الطرفين المتحاورين حمل طيبة ومحاولة لتقديم المساعدة وإن كانت مزيفة ولكنها ظهرت حقيقة في ذلك المشهد وضمّنت داخل السرد، أما الشر فكان من اختصاص الحوار.

 

ظهور الكونت دي مونت كريستو

في أحداث الرواية ننتقل فجأة إلى شخصية جديدة قوية وحكيمة، تحرص على مظاهر البذخ الشديد، تبهر من حولها بالثقافة والعلم والطب والجغرافيا وحب الحفلات والمناسبات، شخصية تمثل الصورة المعاكسة تماماً للمسكين الذي زُج في السجن وأهين، فمن يطّلع على الرواية للمرة الأولى لا يظهر له أن الكونت دي مونت كريستو الباهر هو نفسه أدمون دانتيس المقهور إلا بعد حوارات طويلة بين الشخصيات، وأحداث يقوم فيها الكونت بإخبار المدام دي فلور عن دواءٍ  كان يعتبر سماً، ولكنه في الحقيقة علاج قوي فعال فيسترجع القارئ قصة الراهب صديق أدمون في السجن، ويعرف أن الكونت وأدمون شخصية واحدة بشكل يفاجئ شخوص القصة والقارئ.

اللافت أن الحقد والانتقام صيّر أدمون إنساناً ناجحاً يثير الإعجاب أينما ذهب، ويقضي على من أراد في لحظة ويتحكم في كل شيء، فهل كان الشر هو منبع هذه القوة؟ هل ازدياد سوداوية القلب يزيد القوة بأنواعها العلمية والثقافية والمجتمعية وحتى الجمالية؟ أم أن السبب هو الثروة التي حصل عليها أدمون بعد سجنه؟

النقود سهّلت للكونت مهمته كثيراً وسمحت له بالدخول بين أعدائه كسرطان ينهشها ببطئ، ولكنه بدأ جمع علمه وثقافته وهو ما زال فقيراً بين جدران السجن يزيد من قوته تدريجياً، وعند خروجه لم يركض نحو الانتقام، بل أمضى سنوات يجمع ويتحرى ويراقب من بعيد ثم يشيّد خطة عنكبوتية الشباك طبّقها بحذافيرها، يسعد بكل لحظة فيها، والغريب أن سعادته كانت تظهر في القصة أثناء تطبيق الانتقام وليس بعده.

وكاختلاف كبير، كان فيما مضى رجلاً غبياً يسهل خداعه من أصدقائه الأذكياء، لكن الشر الذي ملكه الآن جعله ذكياً يتحكم بأعدائه وكأنهم دمى محدودة التفكير.

وصل البطل في مرحلة ما إلى إنكار نفسه القديمة العاجزة حتى أمام الشخص الذي يهمه اسمه الأول أكثر من الجميع وهو مرسيدس، إعلاناً عن رفضه لغباوة شخصيته القديمة، أنكر أمامها هويته مع أنه استلذّ بذكر الاسم أمام أعدائه في لحظات تنفيذ انتقامه.

رسالة الكونت إلى ألبرت ابن مرسيدس وابن عدوه الأساسي، ظهر فيها العطف والحنان بشكل مفاجئ بعد أن كان الكونت نفسه يخطط لقتل هذا الابن، في هذه الرسالة ظهر الحرص والحب ولكن وقت إرسالها مهم جداً، لقد جاءت قبل أن يقتل ألبرت والده وينفذ انتقام الكونت، يبدو أن عاطفة الرسالة ما كانت إلا شعلة لقنبلة الانتقام التالية على حساب الأبرياء، والشاب ألبرت كان ينادى باسمه أحياناً، وبكنيته عندما يشابه سوء أبيه.

 

 في النهاية

وبعد فوز الانتقام، وهب الكونت دي مونت كريستو نقوده كلها وترك كل ما دمره خلف ظهره واختفى، كأنه وجد الفراغ واللامعنى في الحياة بعد انتهاء انتقامه، فيبحث عن شيء جديد، ولكنه أوصى ألبرت بكلمتين "انتظر، وتذرع بالأمل" أمل الانتقام الذي حمله معه طويلاً، وابتلع به الجميع.