عرض وتلخيص كتاب "تحقيق النصوص ونشرها" لعبدالسلام هارون

منشور 02 تشرين الأوّل / أكتوبر 2017 - 08:47
كتاب "تحقيق النصوص ونشرها" لعبد السلام هارون
كتاب "تحقيق النصوص ونشرها" لعبد السلام هارون

 

عرض وتلخيص كتاب عبد السلام هارون
"تحقيق النصوص ونشرها"

 بدأت فكرة تأليف كتاب "تحقيق النصوص ونشرها" لدى الأستاذ عبد السلام هارون منذ عام 1950م، بعد أن حصل على الجائزة الأولى لمجمع اللغة العربية في التحقيق والنشر، وظلَّ يعاود الكتابة فيه إلى أن اقتُرح عليه إلقاء محاضرات في التحقيق على طلبة الماجستير بكلية دار العلوم؛ فكان هذا الكتاب من تلك المحاضرات.

طبع الكتاب طبعته الأولى عام 1374هـ/1954م، ثم طبعته الثانية في 1385هـ/1965م، ثم الثالثة مصورة عن الثانية، ثم الرابعة في عام 1396هـ/1976م، وبها زيادات وتنقيحات ظهرت له في أثناء عمله الجامعي وأعماله الخاصة في التحقيق وغيره، ثم لم يُطبع الكتاب إلا بعد وفاته، رحمه الله تعالى.

وقد بدأ الأستاذ هارون نشاطه العلمي -وبخاصة في مجال تحقيق النصوص التراثية- في سن السادسة عشرة من عمره في عام 1925م، وقد تواصل نشاطه وإنتاجه الغزير حتى ألّف هذا الكتاب عام 1954م؛ أي: أنه ألّفه بعد مضي نحو ثلاثين سنة على أول تجربة له في التحقيق، لذلك يقول في مقدمة كتابه: «أما بعد، فهذه ثمرة كفاح طويل، وجهاد صادق، وتجارب طال عليها المدى، ساعفتها عين طلعة ناظرة إلى ما يصنع صاحبها وما يصنع الناس، فكان له من ذلك ذخر أمكنه أن يفتشه ويبحث في جنباته، ليرى وجه الحق فيما يرى، وأن يؤلف من ذلك كتابًا يعتز به ويغتبط اغتباطًا؛ إذ هو "أول كتاب عربي" يظهر في عالم الطباعة معالجًا هذا الفن العزيز: فن تحقيق النصوص ونشرها».

الطبعة الأولى

بدأ الأستاذ هارون كتابه في طبعته الأولى بمقدمة موجزة- في ثلاث صفحات- تحدث فيها عما تعانيه الأمة الإسلامية والعربية من دعاة الغزو الفكري ومحاولاتهم لنبذ التراث وإلغاء الإعراب من اللغة العربية، وأن هذه الدعوات لم تلقَ رواجا إلا عند من سماهم «أرقاء التفكير»، مؤكدا أن كل فكرة علمية غير مغرضة جديرة بالاحترام، مشيرا إلى وجوب النهوض بعبء نشر التراث وتجليته.

الطبعة الثانية

وفي مقدمة الطبعة الثانية ذكر المؤلّف الأستاذ عبد السلام هارون أثَرَ كتابِه في البلاد العربية وعند المستشرقين، وكان أكثر هذه المقدمة في ذكر ما وقع بينه وبين الدكتور صلاح الدين المنجد الذي لم يصرح الأستاذ هارون باسمه.

الطبعة الثالثة والرابعة

وفي مقدمة الطبعة الرابعة ذكرَ المؤلف أن الطبعة الثالثة كانت صورة من الثانية، وأنه أضاف في الرابعة بعض حقائق وقضايا وتنقيحات ظهرت له في أثناء عمله الجامعي ودراسته الخاصة، مثنيا على الناشر محمد أمين الخانجي وولده محمد نجيب وجهودهما في نشر كتب التراث.

 

فصول الكتاب

وبعد ذلك تأتي مادة الكتاب تحت عناوين متتابعة؛ بدأها بثلاثة عناوين رئيسة هي كالتمهيد لموضوع الكتاب؛ وهذه العناوين التمهيدية هي:

1- كيف وصلت إلينا الثقافة؟

تحت هذا العنوان عنوانان فرعيان:

-       أول نَص مكتوب،

-       وأوائل التصنيف.

وتحت العنوان الرئيس وفرعيه، تحدث المؤلف عن طرق انتقال الثقافة عند العرب، وأن أولها كان الرواية الشفهية، ثم بدأت تنتشر الكتابة بظهور الإسلام، وأن أول كتاب مكتوب بالعربية وصل إلينا هو القرآن الكريم، ثم لما اتسعت رقعة الإسلام واختلط العرب بالعجم، وفسد اللسان العربي؛ ظهرت الحاجة إلى وضع النحو والتأليف فيه لإقامة ما اعوج من اللسان العربي، ثم دون الحديث الشريف بإذن الخليفة عمر بن عبد العزيز بعد استخارته الله تعالى، حتى إذا جاء العصر العباسي توسع الناس في تصنيف الحديث وغيره من العلوم الإسلامية.

2- الورق والوراقون.

وتحته عنوان فرعي هو: الوراقون. وتكلم تحت هذا العنوان وفرعه عن المواد التي كان يكتب عليها في القديم وعن تطورها حتى وصلت إلى الورق (الكاغد)، ثم تحدث عن الوراقين وكثرتهم ودورهم في نشر الثقافة وأنهم كانوا يقومون بما تقوم به دور النشر الآن.

3- الخطوط.

تحدث تحت هذا العنوان باختصار شديد عن تطور الخط العربي منذ القرون الثلاثة الأولى، وأن أوله الخط الكوفي، وأوضح الفرق بين الخط المشرقي والخط الأندلسي- الذي تطور إلى الخط المغربي- في الشكل والاصطلاحات.

 

بعد ذلك تحدّث فيما يخص تحقيق المخطوطات وهو صلب موضوع الكتاب، وقد رتّبه في العناوين الآتية:

1- أصول النصوص:

إنّ أعلى النُّسَخ هي التي وصلتنا كاملة وتحمل عنوان الكتاب واسم المؤلف، ويكون قد كتبها بنفسه أو أملاها أو أجازها، وتسمى النسخة الأم، تليها النسخة المأخوذة منها، ثم فرعها، ثم فرع فرعها، وإذا عدم الأصل الأول فإن أوثق النسخ الأخرى يرتقي إلى مرتبته. وذكر أن من الأصول ما يكون مضمنا في ثنايا كتب أخرى، عندما ينقل أحد المؤلفين في كتابه كتبا صغيرة أو فصولا من كتب كبيرة لمؤلفين آخرين، والأصول المطبوعة التي فقدت أصولها أو تعذر الوصول إليها تعد أصولا ثانوية بشرط الاطمئنان إلى محققها أو ناشرها. كما ذكر أن المصورات من الأصول تكون بمنزلة أصولها. ثم تحدث عن المسودات والمبيضات وكيف يميز المحقق المسودة من المبيضة، وأنه إن تأكد للمحقق أن المؤلف لم يخرج غير المسودة، كانت هي الأصل الأول. وإذا وجدت المبيضة مع المسودة كانت المسودة أصلا ثانويا استئناسيا. وأكد على أن المؤلف قد يصدر كتابه أكثر من مرة. ثم تحدث عما يجب عمله عند تجمع مجموعة من النسخ ليس شيء منها للمؤلف أو منقولا عن نسخة المؤلف، أو فرعها، أو نحو ذلك، ذاكرا أن المبدأ العام: أن تقدم النسخة الأقدم تاريخا، ثم التي عليها خطوط العلماء، إلا أن تكون الأقدم سيئة ومحرفة، فتقدم حينئذ الأحدث إذا كانت متقنة. وكذلك قد توجد نسخة عليها خطوط علماء وأخرى خالية منها لكنها أصح متنا وأكمل مادة، ويظهر كل ذلك من دراسة النسخ، ويعتمد على حذق المحقق. مؤكدا أن على دارس النسخة التنبه عند دراسة التاريخ لما قد يحدث فيه من تلبيس النساخ عمدا أو جهلا.

- كيف تجمع الأصول؟ لا يمكن القطع بإمكانية الحصول على كل نسخ الكتاب الواحد إلا على وجه التقريب؛ لأنه ليس أمام الباحث إلا أن يجتهد طاقته ويرجع إلى فهارس المكتبات والكتب المصنفة في هذا الشأن على ما بها من قصور وتقصير، إلى أن يغلب على ظنه أنه حصل قدرا صالحا من النسخ.

- فحص النسخ: على دارس النسخة الأصلية من المخطوط أن يدرس الورق لتحقيق عمرها، ولا ينخدع بالتواريخ التي قد تكون مزيفة، ولا بآثار العث والأرضة؛ لأنها ليست دلالة قاطعة على القدم، وكذلك عليه أن يدرس خطها جيدا واطراده في النسخة كلها، ويدرس المداد التي كتبت به، ويدرس أيضا عنوان المخطوط وما على المخطوط من إجازات وسماعات وتملكات وقراءات وتعليقات وغيرها، وأن ينظر في أبواب الكتاب وفصوله وأجزائه حتى يستوثق من كمال النسخة وصحة ترتيبها، منتبها إلى ما قد يثبت في أواخر الصفحات اليمنى من التعقيبات، وينظر في خاتمة الكتاب لعله كتب فيها اسم الناسخ وتاريخ النسخ وتسلسل النسخة.

2- التحقيق:

«الكتاب المحقق: هو الذي صح عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبة الكتاب إليه، وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه»؛ هكذا عرف الأستاذ هارون التحقيق والكتاب المحقَّق.

- تحقيق العنوان: قد تخلو النسخة من العنوان؛ لفقد الورقة الأولى، أو لانطماس أصاب العنوان أو تغيير بسبب جهل أو تزييف متعمد. ولتحقيق العنوان يرجع إلى كتب المصنفات كـ«فهرست النديم» أو كتب التراجم، أو بالعثور على نصوص الكتاب منسوبة إليه في كتاب آخر، أو يكون المحقق ذا معرفة بأسلوب المؤلف وأسماء ما ألف من الكتب.

- تحقيق اسم المؤلف: يمكن الاهتداء إلى اسم المؤلف إذا تحققنا من عنوان الكتاب، بمراجعة فهارس المكتبات وكتب المصنفات وكتب التراجم، على أن يحذر تشابه عناوين الكتب، ويساعد في تحقيق اسم المؤلف أيضا العثور على بعض نصوص كتابه منسوبا إليه في كتاب آخر، ولا يكتفى بمرجع واحد في تحقيق اسم المؤلف خشية اتفاق بعض الكتب على تحريف بعينه.

- تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه: تعد الاعتبارات التاريخية من أقوى المقاييس التي يكتشف بها صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه، فالكتاب الذي فيه أخبار تاريخية تالية لعصر المؤلف تنفي صحة نسبة ذلك الكتاب إليه.

- تحقيق متن الكتاب: «ومعناه أن يؤدى الكتاب أداء صادقا كما وضعه مؤلفه كما وكيفا بقدر الإمكان» لا أن نغير أسلوب المؤلف عاليا كان أو نازلا، أو نصحح الخطأ العلمي الذي يقع فيه المؤلف، أو نبسط عبارة مختصرة أو العكس؛ فتحقيق المتن أمانة؛ لأن الكتاب حكم على المؤلف وعصره، والذي ينبغي: التنبيه على الأخطاء في الحاشية، إلا من سمح بتصرف القراء في مؤلفه وهو منهج نادر. أما الشواهد القرآنية فلا بد أن توضع في نصابها، وينبغي أن يستشعر المحقق الحذر في تحقيق الآيات، وإبقاء النص القرآني محرفا كما هو فيه مزلة للأقدام، وخطر القرآن أعظم من أن يجامل فيه مخطئ، وهي مسألة قديمة، وقد سمى ابن الصلاح ترك التحريف في القرآن غلوا في اتباع اللفظ. ولتحقيق الآيات لا يكتفى بالمصحف المتداول، بل لا بد من الرجوع إلى كتب القراءات المتواترة والشاذة وكتب التفسير خاصة ما يعنى منها بذكر القراءات، ويجوز ترك الواو أو الفاء من أول الآية أو من أول موضع الاستشهاد اكتفاء به. أما نصوص الحديث النبوي فتختبر بعرضها على كتب الحديث وتخريجه، ولتعدد رويات الحديث يتحمل المؤلف أمانة روايته فنبقيها كما هي، ثم نبين في الحاشية ضعف روايته أو قوتها. وكذلك تخرج بقية النصوص المضمنة في الكتاب؛ كالأشعار والأمثال ونحوها، من مراجعها، وتلتزم رواية المؤلف خاصة إذا بنى عليها حكما.

- خطر تحقيق المتن وبيان مقدمات تحقيقه: التحقيق أمر جليل يحتاج جهدا وعناية أكثر من التأليف:

أ- التمرس بقراءة النسخة لمعرفة اصطلاحات الناسخ في الرسم والضبط والإهمال والإعجام والكشط والمحو والحذف واللحق والإضافة والتضبيب وغيرها، وطريقته في كتابة الأعداد والاختصارات، ثم ذكر الأستاذ طائفة صالحة من الرموز التي يكثر استعمالها.

ب- التمرس بأسلوب المؤلف، وما له من اصطلاحات ورموز واختصارات ولوازم كتابية.

ج- الإلمام بموضوع الكتاب.

د- المراجع العلمية: والتي تتكون من: 1- كتب المؤلف نفسه. 2- ما له علاقة بالكتاب من المؤلفات: كالشروح والمختصرات وغيرها. 3- الكتب التي اعتمدت في تأليفها على الكتاب. 4- الكتب التي استقى منها المؤلف. 5- الكتب المعاصرة للمؤلف وتعالج موضوعه. 6- المراجع اللغوية: معاجم الألفاظ، ومعاجم المعاني، ومعاجم الأسلوب، وكتب المعربات، ومعاجم اللغات الأخرى التي لها صلة بالعربية. 7- المراجع النحوية. 8- المراجع العلمية الخاصة بفن كل كتاب محقق.

3- التصحيف والتحريف:

لا يكاد كتاب يسلم منهما، وبعض المتقدمين يفرقون بين مدلولي الكلمتين، وبعضهم لا يفرق، ووجه الفرق عند من فرق: أن التصحيف: تغيير في نقط الحروف مع بقاء صورة الخط؛ كالخلط بين الحروف المتشابهة في الرسم؛ كالباء والتاء والثاء، والتحريف: تغيير الحرف إلى حرف مقارب في الصورة؛ كالدال واللام والراء، والنون والزاي. وكما ينشأ التصحيف والتحريف عن خطأ في القراءة، فمنه ما ينشأ عن خطأ في السماع، وقد يجتمعان في كلمة أو جملة، ومنه ما يكون خطأ في الفهم.

- كتب التصحيف والتحريف: من أقدم ما ألف فيه كتاب لأبي أحمد العسكري (293-382هـ)، وكتاب للدارقطني (ت385هـ)، وكتاب التنبيهات على أغاليط الرواة لعلي بن حمزة البصري (ت375هـ)، وكتاب التنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن حسن الأصفهاني.

- تاريخ التصحيف والتحريف: هما قديمان جدا، وقع فيهما جماعة من الفضلاء في القرآن والحديث والشعر والأعلام وغيرها، حتى هجوا من يأخذ العلم عن الصحف.

- كتب المؤتلف والمختلف: ألف المتقدمون طائفة من الكتب تعنى بضبط ما يشتبه بغيره من: أسماء الرواة، والشعراء، والقبائل، مقاومة منهم لآفتي التصحيف والتحريف؛ وقد ألف في ذلك: الدارقطني والبغدادي وابن ماكولا والذهبي، والآمدي، ومحمد بن حبيب.

4- معالجة النصوص:

- ترجيح الروايات: العبارات الأصيلة التي تزيدها بعض النسخ ويؤيدها الفحص جديرة بالإثبات، وليتنبه المحقق إلى الزيادة التي تكون من جهل الناسخ الذي قد يدرج حاشية ما في صلب النص. ترجح العبارة السالمة من العيوب النحوية واللغوية والمعنوية على غيرها من عبارات النسخ الأخرى المصابة بشيء من ذلك. وهذا كله في النسخ الثانوية، أما النسخ العالية (نسخة المؤلف نفسه، أو المقابلة عليها...) فيثبت ما فيها على علاته، وينبه في الحواشي على الخطأ.

- تصحيح الأخطاء: يشير المحقق إلى اختلاف الروايات بين النسخ، وقد يقتضي الأمر التلفيق بين نسختين تحمل كل منهما نصف الصواب، وعندما يجد أن كل النسخ محرفة في أحد المواضع فعليه أن يتقيد بمقاربة الصور الحرفية التي تقلبت فيها العبارة في النسخ ولا يخرج عن مجموعها قدر الإمكان، مستعينا بالمراجع سابقة الذكر.

- نموذج لتصحيح بعض التحريفات، ودراسة تعليلية لنشوئها: قدم الأستاذ نموذجا مكونا من اثنين وأربعين تحريفا عرضت له في كتب شتى، ثم أخذ في تحليل نصف هذا العدد لتبيين كيف حدث التحريف؛ فمثلا كلمة «اجترار» تحرفت إلى «احتراز»، وتحليله: أنه سقطت نقطة الجيم، ثم زاد الناسخ نقطة على الراء الأخيرة لتصير كلمة مألوفة له.

- الزيادة والحذف: هما أخطر ما تتعرض له النصوص، والنسخة العالية تؤدى كما هي، إلا أن من المتقدمين من أجاز إلحاق النقص المتعين لإقامة النص وكان معلوما، كلفظة «بن» الساقطة من قوله: «عبد الله مسعود»، فنحو هذه إن نقصت زيدت. والنسخ الثانوية أيضا لا يزاد فيها إلا الضروري المعلوم.

- التغيير والتبديل: في النسخة العالية، مما يخرج بالمحقق عن سبيل الأمانة العلمية. ومن مذاهب أداء النصوص: عدم التغيير أو التبديل إلا ما دعت الضرورة الملحة إليه، والمراجع العلمية تفيد في تقويم نصوص النسخ الثانوية.

- الضبط: إذا كان في النسخة ضبط فله حرمته، خاصة إذا كان في النسخة الأم، وعلى المحقق أن يعبر عن طرق الضبط القديمة -الرموز- بطرق الضبط الحديثة -الحركات-، وما كان له في النسخة ضبطان ضبط كذلك إلا إن تعذر فليشر المحقق إليه في الحاشية، والكتب التي يضبط المؤلف بعضها ويدع بعضها ينبغي في ضبط ما تركه مراعاة أسلوبه ومنهجه واختياراته في الضبط. ويجدر به أن يتوخى الحذر في الضبط؛ فلا يضبط شيئا على غير المعنى الذي أراده المؤلف، ولا ينساق خلف المألوف، وعليه الرجوع إلى المراجع المناسبة في ضبطه خاصة في أسماء الرواة والقبائل والبلدان ونحوها.

- التعليق: الكتب القديمة بما تضمنته من معارف تحتاج إلى توضيح ما بها من غموض، فينبغي إثبات التعليق الضروري، بلا إسراف، ليطمئن القارئ إلى عمل المحقق. ومما يقتضي التعليق ربط أجزاء الكتاب بعضه ببعض، والتعريف بالأعلام والبلدان الغامضة والمشتبهة، والإشارات التاريخية أو الأدبية أو الدينية، وتخريج الآيات والقراءات القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار والأرجاز وأقوال العرب، وتوثيق نقول المؤلف عن غيره.

5- المكملات الحديثة:

«كان للمستشرقين فضل عظيم في تأسيس المدرسة (الطباعية) الأولى للتحقيق والنشر»، وكان أكبر وسيط نقل هذا الفن الطباعي هو العلامة أحمد زكي باشا الذي أشاع مع ذلك استعمال علامات الترقيم الحديثة وضروبا أخرى من المكملات الحديثة للنشر العلمي؛ أهمها:

- تقديم النص: يشتمل على: التعريف بالمؤلف وعصره وما يتصل به من تاريخ، ودراسة عن الكتاب وموضوعه وعلاقته بغيره من الكتب التي في موضوعه، ودراسة فاحصة لمخطوطات الكتاب ووصفها وصفا دقيقا وبيان ما اعتمد عليه منها، وإرفاق نماذج منها، ويصنع كل ذلك بعد الفراغ من طبع النسخة الأخيرة من الكتاب لتتميم الدراسة في ضوئها، ولتسهيل الإشارة إلى النص.

- العناية بالإخراج الطباعي: وذلك من حيث:

* إعداد الكتاب للطبع: تكتب النسخة بعد التحقيق والمراجعة بخط واضح لا لبس فيه، مستوفية علامات الترقيم، منظمة الفقار والحواشي، مزودة بالأرقام التي يحتاج إليها الباحث، مع تجنب التعقيدات الطباعية.

* علامات الترقيم: وهي العلامات الطباعية الحديثة التي تفصل بين الجمل والعبارات وتدل على معاني الاستفهام والتعجب ونحوه، وهي مقتبسة من نظام الطباعة الأوروبي، ولها أصل في الكتابة العربية؛ إذ كانوا يستعملون نقطة كبيرة مجوفة (O) للفصل بين الأحاديث ونحوها، وعندما يقابل الكتاب توضع بداخلها نقطة مصمتة (0). ومن علامات الترقيم: الفاصلة (،) وعلامة التنصيص («»)، والأقواس ( )، وعلامة التكملة الحديثة: [ ]. والأولى بالناشر أن يلتزم العرف الغالب.

* تنظيم الفقار والحواشي: كان بعض المتقدمين يميز بداية الفقرة بأن يضع خطا فوق أول كلمة فيها، أو بكتابة بدايتها بمداد مخالف أو بخط كبير، أما الحواشي فكانوا يكتبونها في جوانب الصفحة أو بين الأسطر. وعند المحدثين تبدأ الفقرة في سطر جديد مع بعض الفراغ في أوله، وفي الحواشي مذاهب: فمنهم من يضع حواشي كل صفحة في أسفلها، ومنهم من يضع فروق النسخ أسفل الصفحات وسائر الحواشي في نهاية الكتاب، ومنهم من يضع الجميع في نهاية الكتاب، ويفضل الأستاذ الطريقة الأولى، وأن تبدأ كل حاشية بسطر مستقل.

* الأرقام: توضع بعض الأرقام المهمة في أحد جانبي الصفحة؛ منها: أرقام صفحات الأصل المعتمد في أحد جانبي الصفحة مع تعيين بدايتها في المتن بخط مائل ( /)، أو رأسي( )، أو نجمة ( * )، ومنها: أرقام النشرات السابقة التي عول عليها الباحثون قبل نشرة المحقق، ومنها أرقام الأسطر بالنظام الخماسي (5، 10، 15،...).

* التعقيدات الطباعية: كل ما مضى يرجع إلى ذوق الناشر وحذقه وترفقه بالقارئ، وليبعد عن استعمال التعقيدات التعبيرية والعددية التي تكد ذهن القارئ وتخرج به عن فهم النص إلى حل الرموز وفك الألغاز.

* معالجة تجارب الطبع: يجب على المحقق مباشرة معظم الخطوات الطباعية بنفسه، لتفادي مزلات التصحيح التي من أهمها: قراءة التجربة بالإلف كما يقرأ الصحف؛ إذ لا بد أن يقرأ بعينه وفكره معا حرفا حرفا. ومنها: انتقال النظر عند جامع الحروف، ومنها: تكرار النظر، ومنها: الثقة بحروف الطباعة فلا يفطن للحروف الخفيفة الملتبسة بغيرها؛ وعلاج ذلك باستعمال الشك في كل موجب للريبة وتداركه قبل استفحاله.

- صنع الفهارس الحديثة: حيث إن للفهارس المقام الأول بين المكملات الحديثة؛ لأنها تيسّر الاهتداء إلى خفيات النصوص، وللفهارس سابقة عند المتقدمين في كتب التراجم والرجال واللغة والبلدان، و«للمستشرقين فضل التوسع والتنويع فيها»، ولكل كتاب منهج خاص في فهرسته.

* طُرق صنع الفهارس:

الطريقة الأولى: طريقة الجذاذات، يكتب فيها المفهرس ثم ترتب هجائيا ويكون لها صندوق خاص، به بيوت صغيرة بعدد حروف الهجاء، لفرز الجذاذات، ويعيبها احتمال فقد إحداها، وأنها أشبه بالعمل الآلي.

الطريقة الثانية: طريقة الدفتر المفهرس، تخصص فيه كل مجموعة من الأوراق لحرف من الحروف، وهي أضبط من السابقة، ولكنها لا تستغني عنها؛ إذ قد يحتاج مستعملها إلى عمل جذاذات للترتيب فحسب، خاصة في الفهارس الكبيرة.

* استخراج الفهارس: يضع المفهرس علامة على ما يريد فهرسته، وبعضهم يميز الفهارس بالألوان أو بالرموز: ح= للحديث، ع= للعلم، ق= للقبائل، وهكذا...

* ترتيب الفهارس: لترتيب كل فهرس في نفسه، تصنع مجموعات مرتبة على الثواني ثم الثوالث وهكذا، وينضبط ذلك بصنع صندوق جذاذات. أما الآيات القرآنية فالكثير يرتبها على السور حسب ورودها في المصحف، وبعضهم حسب ترتيب الهجاء، واهتدى الأستاذ إلى طريقة أخرى وهي ترتيبها على المواد اللغوية اعتمادا على بروز بعض الكلمات، ومثل ذلك يقال في الأحاديث النبوية. وأما الأعلام والبلدان والقبائل فليست عسيرة، لكن يتنبه المحقق إلى الإحالات فيحيل أرقام كل من الألقاب والكنى إلى الاسم، إلا إذا لم يرد للكنى والألقاب اسم فتوضع في مكانها، وبعض المفهرسين يعتد بـ«ابن» و«أبو» و«ذو»، وبعضهم لا يعتد بها. والشعر يرتب حسب القافية من الهمزة إلى الياء، ثم تقسم كل قافية إلى: الساكنة فالمفتوحة فالمضمومة فالمكسورة، وربما أضيف إلى ذلك ترتيب البحور الستة عشر، واهتدى الأستاذ إلى طريقة أخرى داخل كل قافية؛ وهي: فعل، مفعل، فعل، فواعل، فعال وأفعال، فعول وفعيل. أما ترتيب الفهرس مع غيره من الفهارس فينبغي تقديم أشد الفهارس مساسا بموضوع الكتاب.

- الاستدراك والتذييل: إن الخطأ في معالجة النصوص أمر مشترك، لا إثم فيه، ولكن الإثم في تركه وكتمانه، فعلى المحقق أن يلحق بالكتاب مستدركا يضم ما فاته من التحقيقات أو التوضيحات أو التصويبات.

6- صعوبات التحقيق والطريقة المثلى لمعالجتها:

أ- رداءة المخطوط من حيث نوع الخط.

ب- رداءته من حيث كثرة التصحيف والتحريف والأسقاط.

ج- أو لتعرضه لعوامل البلى والتآكل، أو الانطماس أو الاندثار بسبب جهل المجلدين.

د- غرابة موضوع الكتاب.

هـ- غرابة الكتاب في لغته؛ كأن يلتزم المؤلف أسلوبا خاصا أو ألفاظا خاصة.

أما معالجة هذه الصعوبات فتكون بما يلي:

أ- جمع أكبر عدد ممكن من نسخ الكتاب ومقابلتها بدقة.

ب- تكرار قراءة المخطوط حتى يألف الخط.

ج- اللجوء للمراجع التي يظن أن المؤلف استقى منها أو استقت منه، ومقابلة هذا على ذاك.

د- التأني في فهم النص، وتغليب الشك على اليقين.

هـ- أن يكون له دربة خاصة بأسلوب المؤلف، ومعرفة بعصر تأليفه الكتاب.

و- أن يكون ذا خبرة بما يتعرض له الكلام من التصحيف والتحريف.

ز- أن يحتال ويحسن الحيلة في تقدير ما انطمس وحزر ما بتر.

ح- استشعار الأمانة والحد من الجرأة على النص.

ط- أن يتنبه إلى أن التحقيق هو تأدية نص الكتاب كما صنعه المؤلف لا كما يستحسنه المحقق.

7- نماذج مصحفة محرفة يتلوها تصويبها:

عرَضَ المؤلّف تحت هذا العنوان نماذج من الشعر، حتى استغرق ثماني صفحات.

8- معجم لبعض التصحيفات الواردة في «كتاب الحيوان» للجاحظ:

عرض معجما لبعض التصحيفات التي وردت في «كتاب الحيوان» للجاحظ، المطبوع بتحقيق المؤلف نفسه الأستاذ هارون، ويشتمل المعجم على الكلمة المصحفة أو المحرفة، يتلوها العبارة التي وردت فيها الكلمة، ثم تصويبها، واستغرق معجمه خمس عشرة صفحة.

9- خاتمة:

أنهى الأستاذ كتابه بخاتمة قصيرة جدا من خمسة أسطر، جاء فيها: «أما بعد، فهذا ما أدته إلي الدراسة الباحثة، وهدتني إليه تجارب الأعوام الطوال، ولعل في هذا ما يمنحني العذر في أن أسوق الحديث أحيانا عن عملي وتجربتي في زمان أربى على [الخمسين] عاما...».

10- ملحق/ نماذج لبعض المخطوطات:

قدم فيها الأستاذ سبعة نماذج لصور مخطوطات مختلفة التواريخ والخطوط والفنون، مع شروحها والتعليق عليها.

وأخيرًا:

صنعَ المؤلّف الأستاذ عبد السلام هارون فهارسَ للكتاب؛ حيث ذيّلَ كتابه بستّ فهارس فنية هي:

1- فهرس منهج الكتاب.

2- فهرس المصطلحات والمسائل الفنية.

3- فهرس الأعلام.

4- فهرس القبائل والطوائف.

5- فهرس البلدان والمواضع ونحوها.

6- فهرس الكتب التي كانت موضع دراسة فنية.

ثم أعْقبَ ذلك بثبَتٍ لمراجع البحْث، وبهذا ينتهي الكتاب.

 


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك