مبدعون يناقشون صورة الأمومة في عيد الأم

منشور 21 آذار / مارس 2019 - 01:56
لا أروع من الأم مع أولادها. (تصوير:  Benjamin Manley).
لا أروع من الأم مع أولادها. (تصوير: Benjamin Manley).
 

لم تكن يوماً طللاً يقف المبدعون على أعتاب ذكرياته، فهي المقيمة أينما ارتحلوا أو حلّوا، وهي الواقع الأجمل للولوج إلى (النص الكوني) الذي لن يصل المبدعون إلى قمة اشتباكه مع الحياة إلا بنورانيتها، وهي الدفيئة في الوجدان والحشا، ليس لأنها الحامل لكينونتهم التي تبقى معلقةً بمشيمة الإمداد مهما تبدّلت الأحوال، وعصفت بهم الحياة وأثقالها، بل لأنها حدوس الأمل والألم معاً، أمل أن يكبروا وتسطع أسماؤهم في حقول السنين، تراقبهم وهم يدرجون على الأرض صغارا، فتخشى عليهم خشونة الحصى، تراقبهم وهم يصطادون الفراشات ليزيّنوا بها قصائدهم، فتخشى عليهم الانزلاق أمام صخرة مرمية جانب الطريق، تراقبهم وهم يضارعون الواقع ويشتبكون مع فصوله، فتخشى عليهم الالتفات إلى «الأنا»، فيرجمون سوسنة المجتمع السوداء، تراقبهم وهم ينهضون مع فكرة الأبوّة، فتمدّهم بحبل الوصول إلى السكينة، تراقبهم وهم على سرير المرض، فينتشر الألم في روحها، هي لم تكن إذن طللاً يقفون على أعتابه، إنما كانت صورتهم التي ينظرون إليها في مرآة الوجود.

تقول الكاتبة مايا الحاج في مقالة لها بعنوان: «الأمّ قديسة في الشعر، إنسيّة في الرواية": «قد يكون الشعر، مثله مثل الأم والربيع، مرادفاً للولادة والجمال والنمو والحركة، فالعلاقة بين هذه المدلولات الثلاثة تداخلية في صميمها إلى حدّ أن الاحتفال بها يصادف في اليوم ذاته، يوم يُبشّر بالحب والخصوبة والجِدة والإبداع، ففي 21 آذار تتلاقى مناسبة عيد الأمهات وبداية فصل الربيع واليوم العالمي للشعر ليكون هذا التاريخ احتفالية بالحياة نفسها، أو لنقل بالبدايات، يوم يُصرّف فيه الاحتقان داخل هذا العالم الخانق عبر فعل «الولادة»، ولادة الطبيعة «الربيع»، الإنسان «الأم»، الحرية» الشعر، فيغدو اليوم كأنه مناداة للعودة إلى الفطرة، البراءة، بل المثالية في زمن غارق في أزماته وجهله وظلاميته».

تأطير هذا البحر الدافق في سويعات نهار واحد، ظهر في مطلع القرن العشرين كما تقول موسوعة «ويكيبيديا»، رغبة من المفكرين الغربيين والأوروبيين بعد أن وجدوا الأبناء في مجتمعاتهم يهملون أمهاتهم ولا يؤدون الرعاية الكاملة لهن، فأرادوا أن يجعلوا يوماً في السنة ليذكّروا الأبناء بأمهاتهم.

بالمقابل هل بدأت الحكاية في العالم العربي عندما وصلت رسالة إلى مؤسسي دار أخبار اليوم «مصطفى وعلي أمين»، من أمّ تشكو سوء معاملة أولادها لها، وعدم الاهتمام بها، ليطرحا فكرة تخصيص يوم لها في عمودهما، لتقديرها وردِّ جزءاً من جميلها، وهل بدأت الحكاية يوم أن تمّ اختيار الواحد والعشرين من آذار كونه أول أيام فصل الربيع، كرمز للجمال والنقاء والصفاء، أمْ أن حكاية العيد في مرآة المبدعين غير ذلك، تتأنسن الأشياء كما يرون حين تلامس أنفاسها، وتنمو سنبلات القمح حين تطأ على تربتها، وتزهر القصائد حين تكون إيقاع مفرداتها ومتونها، فكيف يتعامل المبدعون مع هذا العيد، كيف يحددون ملامحه، ويُقبلون على رسم تفاصيله في إبداعاتهم.

وردت الأم وصورتها في نصوص الشعر العربي ونثره على صيغ مختلفة، حتى خلّدها الشعراء في قوافيهم في ذاكرة الناس، إذ ورد ذلك عند شعراء ما قبل الإسلام، وفي العصور اللاحقة، وإذ نقف في بدايات تحقيقنا هذا عند هؤلاء، إنما نحاول أن نرصد هذا الحضور الطاغي للأم التي شغلت الأنفس حتى كادت، أو هي كذلك، أن تكون دما يسري في عروق المبدعين، فهي تشكّل في هذه المتون الأمّ الحانية، والفؤاد الحاني، كما تكشف المتون عن دورها في الحياة الأسرية، ودورها في بناء المجتمع من خلال تربية أبنائها على القيم والمثل الأصيلة النابعة من التراث والدين الإسلامي الحنيف، فهذا جرير شاعر النقائض في العصر الأموي يقول: «فما الأم التي ولدت أباكم، بمقرنة النجار ولا عقيم»، أما الخليفة العباسي الأمين بن هارون الرشيد، فينشد في الأم: «يعزّ عليّ ما لاقيت فيه، وأنت الأمّ خير الأمهات»، وهذا أبو العلاء المعري يقول: «العيش ماضٍ فأكرم والديك به، والأمّ أولى بإكرام وإحسان، وحسبها الحملُ والإرضاع تدمنه، أمران بالفضل نالا كلّ إنسان»، وهذا حافظ إبراهيم يقول: «الأمّ مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعباً طيب الأعراق»، وهذا محمود درويش يقول: «أحنّ إلى خبز أمي، وقهوة أمي، ولمسة أمي، وتكبر فيّ الطفولة يوماً على صدر يوم، وأعشق عمري، لأني إذا متُّ أخجل من دمع أمي».

مشّه: نبع الإبداع ومصدره

يؤكد القاص محمد مشّه أن أمّه كانت كبقية النساء الرائعات، لا تأكل الطعام إلا حين يجتمعوا جميعاً على مائدة واحدة، وحين صار رجلاً ظلّت أمّه سيدة البيت بعد وفاة أبيهم صغارا، ولهذا ينوّه أن الأم ليست مجرد يوم يجتمع فيه الأولاد والبنات مرّة واحدة، فالأم كما يرى هي كلّ الأعياد وكل لحظات الفرح.

ويشير إلى أن إبداع الشخص وتميزه في إبداعه تقف وراءه الأم، فهي الركن الأساسي الذي يستند عليه لتعلّم حسن الذائقة وحسن الاختيار، وهي التي تشجعه على المثابرة سواء الأم المتعلمة، أو تلك الأم التي لم تدخل مدرسة، فهما مدرسة تخرج المبدع ليحمل نصره وفرحه.

ويقول لكل أم تحمل وردة، ولكل أم تربي جيلا، ولكل أم شهيد فقدت ابنها ظلما فصبرت واحتسبت، لكل الأمهات على مساحة الوطن الصغير والوطن العربي الكبير، لكل الأمهات في العالم الإنساني، كل عام وأنتن بخير.

ويوضح القاص مشّه بأنه منذ مجموعته القصصية الأولى التي صدرت عام 1984م، وأهداها لأمّه، ولغاية المجموعة القصصية «عصافير المساء تأتي سرّا»، وعلى مدار أكثر من ثلاثين عاماً، كانت الأم تمثّل الوطن غالباً، وتمثل الأم الحقيقية، وتمثل الحرية، وتمثل رايات النصر، ويخلص إلى أن الأم لم تغب عنده في كافة صنوف الإبداع، لأنها تبقى نبعه ومصدره.

جداية: للأم معجزة كما الأنبياء

ومن جهته يوضح الشاعر عبد الرحيم جداية بأن العيد معنى جميل في خضم الحياة الصعبة حين تتشابك خيوط الحياة وتنقطع السبل، لا كما يقول البعض بأن عيد الأم يستمر على مدار العام، فهذا غير منطقي، لأن الأم تصحو بطيفها رغم البعد بكامل حضورها وبهجتها.

ويؤكد أن المبدع ينظر لحظة العيد كغيره في استحضار البهاء على وجهها، ولكنه يملك أدواته في التعبير من شعر ونثر ولون، وبهذا تعيش الأم في لحظة العيد والذكرى الجميلة، ويضيف بأن الأم تظهر في القصيدة، في مشهد منها، أو في كلية القصيدة، ليرتب الشاعر أوجاعه على إيقاع بسمتها ونظرتها الحاضرتين في لحظة العيد بعد عبث الحياة وعدميتها، باحثا عن وجوده في بريق عينيها، ويضيف بأن العيد يصحو في قلب الشاعر وروحه، لتحمله قدماه إلى حيث هي، عند قبرها في قرية «أيدون»، حيث يجلس والشوق يمزقه، ليقرأ بعض الآيات والسور، ويقبل التراب على قبرها، والشوق يملك عليه جوانحه.

وبعد زيارته تلك عاد بعد أن هدأت نفسه قليلاً كما يقول، وهو يردد جلال أمه بقوله: «لأمي ألف معجزة كما الأنبياء»، المقطع الذي جاء في ديوانه الأخير «ولادة متأخرة»، مؤكداً أنه في كل مرّة يقرأ القصيدة يتجدد عيد الأم التي احتضنته صغيراً وشاعرا ومشاغباً، يتجدد العيد كلما استعار القصيدة أحدهم ليتذكر أمّه من خلال قصائده، فهل للأمهات معجزات كأمّه يقول.

وفي عيد الأم لا ينسى الشاعر جداية أباه الذي اختار قبره جوار قبرها، قريبا منها، واحتضنها «وهو يستقبل نافذة من بوح الله يصلّي»، وبقيَ يشمّ عبيرها حيّا وميتاً.

الخضور: الإبداع لا يستطيع ترجمة معنى الأم

يقول الناقد د. سلطان الخضور عند الكتابة عن الأم لا يمكنه أن يكون تقليدياً، فيعدد مناقبها كما يعددها المحتفلون، أو يدوّن بضع أبيات من الشعر، ويتهمَ نفسه بأنه قد أوفى الأم حقها، مؤكداً بهذا السياق أن المعلقات التي اختلف على عددها العرب، لا توفي معنى كلمة » أم» حقها.

ويضيف بأن أي قصيدة أو معلقة، وأي مطبوعة أو مخطوطة، لا تستطيع أن تعبر عن الشعور الحقيقي للأم ومعاناتها، ولا تستطيع هذه المفردات الإبداعية أن تترجم شعور الأم حين تفرح أو تترح، فهي لا تدمع إلا مجبرة ولا تحبس ابتسامتها إلا مكرهة.

وفي نص نثري له ذات تأمل، واسترجاع لحنين الأم، يقول د. الخضور بأن أمه لم تكن مريم ولا عائشة ولا فاطمة، ولم تكن ملاكاً ولا حورية، ولم تكن ملكة ولا أميرة، لكنها كانت كل ما ذكر، كانت أمّاً، معتبراً أن كلمة «أمّ» فيها من العطاء ما يعجز عنه الوفاء، وفيها من الحنان ما يعجز عنه البيان، وفيها من الرقة ما تعجز عنه الدقة، وفيها من الشعور ما يعجز عنه الشعر.

المعاني: هلال الحبّ الحقيقي

ويعتبر القاص سامر المعاني أن عيد الأم بمثابة رؤية هلال الحب الحقيقي في حياتهم، حيث يؤثثون أرواحهم بالوفاء والطاعة والابتسامة لقلب تمتدّ حدائق العطاء فيه، منوهاً أن قلب الأم لا ينضب مهما تلوّنتْ الأيام، ومهما مضت وتبدّلتْ، فهو الحارس العتيد للحبْ.

ويؤكد أن كلّ حين، وكل يوم هو للأم برقية شكر وثناء، غير أن هذا اليوم يأتي ليمسح غبار قلوبهم المتعبة من كدر الحياة وضيق الحال، ويسرد لهم قصصاً ما زالت تبدأ، وتنتهي في ميدان الحب، ينتظرونه ليرسموا ولادة نبض في قلب كبير لا يشيخ رغم تداول الأيام.

ويقول بأنه كتب لها نصاً في عيدها ذات صفاء، ليعيد معه النبض والتعاضد الأسري في البيت العامر بالألفة، ويشرق معه إلى كينونة الحضور المكتمل بالأبناء والأحفاد، مشيراً إلى أنه كان يمسك ريشته التي زيّنت الحروف على الجدران، وهو يراها فرحة بذلك، دامعة عند كل حرف خطّه الطفل، وكل لون أسقطه على الجدران والورق وفناء البيت، وحينما كانت ترى ارتعاش الحرف في شفتيه تقاسمه البحث في السؤال عن اليقين.

وحين اشتدّ عوده، كانت تزجّ في أحداقها كما يقول ما يثري ذاكرتها ويروي شغف قلبها، لحظتها والعنفوان يلتهم قراره تأكد بأنه يملك زمام أمره، فكان الحلم، وكلما حاول أن يمرّرهُ على شريط الذكريات كان يشتمّ ياسمين حوران الذي يملأ المدن المسافرة، وشذى ابتسامتها، فتناديه بأحبّ أسمائه وأجملها.

ويلفت القاص المعاني النظر إلى أن اليقين كان مطلقاً، بأنه مهما تغيّرت الحياة وتبدّلت، فأمه الساكنة معارج الرضا والمحبة، ستظل هي ظلّ الكون، ففي حضرة حضورها تبقى شوائب الدنيا صغيرة، وفي غيابها ينتابه شعور المكسور مثل شمس النهار التي تتعبها غيمة صغيرة.


© Copyright Al Rai. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك