نجيب محفوظ ..كاتب العربية الأول

تاريخ النشر: 24 سبتمبر 2006 - 05:17 GMT

الأديب العالمي.. صاحب نوبل.. رائد الرواية العربية.. ألقاب عديدة وكثيرة أطلقت على الروائي نجيب محفوظ، فقد كان الراحل باعثاً للرواية من مرقدها في ثقافة العرب لتلحق في هذا الصدد بالثقافة الفرنسية والأميركية السباقة في هذا المجال، عن أثاره وسماته وأهميته ككاتب اللغة العربية الأول جاء كتاب الأديب فؤاد قنديل ليتناول حياة هذا المبدع الروائي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1988م.

من العناصر التي ساهمت في عبقرية نجيب محفوظ ذلك الحب الغامر، الذي غلب على فكره لمصر حتى لم يعد يفكر في شيء إلا من خلال هذا العشق، ولا يرسم عالماً إلا بوحيه، ولا يخلق شخصية إلا وكان لها دور مع الشخصية الكبرى «مصر».

ومن ثم أصبح محفوظ وأعماله جزءاً من تاريخ مصر الوطني في القرن العشرين ومرايا له، وأصبح طبيعياً أن نبحث عن أنفسنا فيه، ومن هنا تألق نجمه كفنان صادق يمتلك رؤية سياسية واضحة ونفاذة، يضاف إلى ما سبق من عناصر جاء عشقه للأدب ليكون مكملاً لهذه السمات، كان حريصاً منذ نعومة أظافره على التعمق في قراءة الأدب ودراسته.. حرص على أن يثبت في قلبه أن لا مصير إلا الكتابة أن لا أمل له ولبلاده إلا بالكتابة وأن الأدب رسالة مقدسة.

وعليه أن يحملها بكل حب وحرص وإخلاص غير منحرف عن الطريق الذي رسمه لنفسه مهما واجه من عقبات، ولا يهتز بالإغراءات ولا يتأثر بالعدوات والاحباطات التي وصل إلى في بعض الأحيان إلى محاولة اغتياله من قبل الجماعات الدينية المتطرفة، فكان صابراً جلداً، معروف عنه النفس الطويل في الكتابة والسعي لإدراك الهدف الذي ينشده.

ويشير فؤاد قنديل من خلال صفحات الكتاب إلى أنه إذا كان النقاد الغربيون يرون أن إنتاج الروائي نجيب محفوظ يضعه في مكانة إميل زولا وديكنز وبلزاك، فإن مجمل إنتاجه في الواقع إذا وضعناه في كفة يحتاج لتتوازن الكفتان إلى عدد من مثل ما ذكروا من الكتاب مجتمعين، فإذا افترضنا أن اميل زولا رائد الطبيعة في فرنسا.

وديكنز رائد الواقعية النقدية، فإن مرحلة الواقعية الاجتماعية عند نجيب محفوظ تساوي جل ما أبدع الكاتبان العظيمان، فمن الذين نضع إنتاجهم من إعلام أدب العرب أمام الأعمال الباقية مثل «أولاد حارتنا» و«ميرامار» و«الحرافيش» و«ليالي ألف ليلة»، وإذا تأملنا أعمال نجيب محفوظ وعصره وتأثيره على معاصريه والأجيال الروائية من بعده ودوره في حركة الأدب العربي خاصة والحركة الثقافية عامة.

سنحلظ أنه كان بمثابة رائد للرواية العربية، فحينما برز في كتابة الرواية كانت الشوارع التي يسير فيها شبه خالية، ولم تكن مكتبة الرواية العربية تحوي أعمالاً ذات قيمة إلا قليلاً، ثم جاء محفوظ ليقتحم المجال بموهبة خلاقة وجهد متواصل وصبر لا ينفد، وكان حريصاً في ذلك على أن يؤسس الفن الروائي وتوصيله في الأرض العربية، فالرواية عنده كانت نصا أدبياً حيا يحتشد بالفعل من خلال بناء روائي محكم ومتجدد دائما، حريصا على إجراء حوار خلاق مع كل موقف وحدث يعيشه وينفعل به، حتى أصبحت الرواية على يديه ديوان العرب.

ويرى المؤلف أن الروائي نجيب محفوظ استطاع أن يمزج خلال كتابته ببراعة وحرفية بين الفن والفلسفة وكان سباقاً في ذلك، فلم يفرغ من تناول فكرة الله والإنسان في رواياته وصراع الإنسان مع القدر، والإنسان والزمان والخير والشر، والمصير الإنساني بين قوى الكون العديدة.

وضياع الإنسان في العالم المعاصر وحاجة الإنسان في رحلة بحثه عن الحقيقة إلى العالم والدين وحيرته بينهما حيرة تمتد من الميلاد حتى الموت، فهو بحق، كما يقول الفلاسفة قد أنزل الفلسفة عن السماء إلى الأرض، بمعني أنه جعلها أكثر قرباً من الإنسان من خلال الفن الذي يخاطب جميع المستويات.

كذلك استطاع الروائي نجيب محفوظ، أن يخلق في كتاباته نوعاً غير محسوس للمزج بين الفن والسياسة فأفضي الحب العميق، الذي يكنه لمصر إلى أن تغلغل في كيانه ثم في كل رواياته، متناولاً فيها أخطر الأحداث التي تعرضت لها البلاد منذ ما قبل ثورة 1919 وحتى الآن، كما استطاع أن يعبر ببراعة عن إنسان الحارة وساكن الزقاق والأحياء الشعبية.

وقد صور القاهرة وغاص بين دروبها، فجاءت كتاباته خير معبر عن معاناة وأحلام الإنسان المصري في كل مكان، وكان في سبيله إلى ذلك بارعاً في خلق الشخصيات بما لديه من قدرة غريبة على إنتاج النماذج البشرية بكم وكيف هائلين، ولكل شخصية حضور وفاعلية في بيئة مفعمة بالحركة، وزاخرة بالأحداث.

ويؤكد الكاتب أن نجيب محفوظ حرص خلال مشواره المديد على التمسك بلغة الضاد بوصفها ميراثاً اجتماعياً وثقافياً، وكان متقناً لها بشكل ينبئ عن دراسة وحب وقدرة على التطور اللغوي لخدمة الهدف العام للعمل الأدبي، فجاءت اللغة في أدبه وكأنها نهر يتدفق يصعد إلى الجبل حينا ويهبط إلى الوديان أحياناً، ويمضي بين الصخور والجبال تارة ومن خلال الشجر والزهر تارة أخرى.

ويضيف قنديل في كتابه «نجيب محفوظ كاتب العربية الأول»:كان محفوظ ـ رحمه الله ـ على الرغم ما طرأ على الحياة في شتى مناحيها من التطور واجتياح النموذج الغربي لكل أفكارنا وسلوكنا ووسائل حياتنا، فقد ظل حريصا على عروبته وعلى مصريته وعلى تراثه.

ومهما لاقى من معاناة لم يثر ولم يشد، ورغم مشكلات أمته فقد كان مؤمنا بها وبتاريخها بل وبمستقبلها أيضا، فقد ظل وفياً للحارة وللأحياء الشعبية ولبلاده فلم يغترب عنها لأي سبب، وفيا لأهله ولأصدقائه حتى الذين رحلوا قبل رحيله، وللشوارع والمقاهي وللأشياء الكثيرة التي قابلته في حياته، بل وفيا للزمن وللظروف ممتداً فيها وبجذوره كشجرة عملاقة، لا كشجرة متسلقة بأي عود يطوحها الهواء.

وكان محفوظ إلى جانب هذا كله، رجلاً بسيطاً متواضعاً هادئاً ووديعاً يبتسم دائماً ويشجع.. يتميز بسلوك إسلامي دقيق البساطة وعدم الإسراف في أي شيء، يجيد الأنصات للآخرين ويتعامل مع الجميع وخاصة مع من هم دونه بحنان وأبوه .

ثم يخصص المؤلف جزءاً من كتابه لمحاولة الوقوف على أهم الأعمال الروائية والقصصية التي تركها الأديب نجيب محفوظ مشيراً في هذا الصدد إلى أن مجموع أعمال نجيب محفوظ تفوق في عددها الخمسين عملاً بين الرواية والقصة القصيرة والحوار السياسي التاريخي والترجمة، لينتقل من هذا الجزء إلى الذي يليه ليتحدث عن التطور الفني لنجيب محفوظ، الذي يتضح من خلال أعماله وآثاره موضحاً أنه اختار الرواية لتكون محرابه الأول، رغم أنه برز بالقصة القصيرة التي بزغت في مجموعته القصصية الأولى التي صدرت تحت عنوان «دنيا الله» التي صدرت عام 1963، بعد أن كتب 14 رواية آخرها «السمان والخريف» التي صدرت عام 1962. ويتناول المؤلف خلال هذا الجزء التطور الفني الروائي الذي مر به نجيب محفوظ.

حيث بدأت علاقته بالرواية بكتابة الرواية التاريخية، حيث بدأ فعلاً وبحماس في كتابة ثلاثة أعمال عن تاريخ مصر الفرعوني وهي «عبث الأقدار» و«رادوبيس» ثم «كفاح طيبة» التي تطور كفاح المصريين للتخلص من الهكسوس، ثم ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة كتابة الرواية الواقعية نتيجة إقباله على قراءة روائع الأدب العالمي فكتب «القاهرة الجديدة» و«خان الخليلي» .

وغير ذلك الكثير من الأعمال الروائية الواقعية، ليتحول بعد ذلك إلى مرحلة أكثر نضجاً في كتابة الرواية الواقعية الرمزية لتكون أعماله معبرة بشكل دقيق عن المزيج الفلسفي الواقعي ليكتب رائعته «أولاد حارتنا» التي نشرت في الأهرام عام 1959 على حد وصف المؤلف، وتعددت بعد ذلك تجارب محفوظ الإبداعية التي ملأت الأفق الأدبي العربي.

وفي متناول حديث المؤلف عن علاقة نجيب محفوظ بالسينما يؤكد أن نجيب أحب السينما منذ صغره، وكانت السينما مصدراً مهما من مصادر وعيه المبكر بعناصر الفن والدراما، إلا أن العلاقة المباشرة بين محفوظ والسينما كانت على يد المخرج صلاح أبوسيف وكان فيلم المنتقم الذي عرض عام 1947 وتتابعت الأعمال بعد ذلك مع أبوسيف لتتعدى 14 فيلما سينمائياً، وكذلك تعاون مع المخرج نيازي مصطفى، فقدم له قصة وسيناريو فيلم «فتوات الحسينية» وأخرج له حسن رمزي «الهاربة»: وأخرج له توفيق صالح «درب المهابيل».

وكذلك ظل نجيب محفوظ حريصاً على الحوار الدائر بينه في السر وبين المسرح كفن، مفضلاً الابتعاد عن عالم المسرح لأنه كان يرى أن كاتب المسرح لابد وأن يكون مرتبطا مع باقي فناني المسرح كالمخرج ومهندس الديكور والاضاءة والصوت ومدير المسرح والكواليس، ولابد أن ينشأ معهم، وأفضل كتاب المسرح من عاش مع الفريق.

ولكن إبداعه في كتابة المسرحيات أغرى المخرج المسرحي أحمد عبدالحليم إلى اختيار ـ ثلاث من مسرحياته وإخراجها لمسرح الجيب عام 1969 ثم اخرجت بعد ذلك على يد المخرج المسرحي مصطفى بهجت مصطفى بعد تحويل حوارها إلى اللغة العامية، ولذلك على الرغم من أن محفوظ لم يكتب للمسرح إلا أنه أسعد جمهوره بالمسرحيات التي قدمت مأخوذة عن أعماله وهي عديدة. _(صحيفة البيان)