قالها (جبران) ومضى فأصبحت كلماته مِلكُ الناس من بعده، يتوارثها القراء جيلاً إثر جيل يتمعنون ويتمتعون بهذا الإرث المعرفي.. ومنه يستفيدون، ذلك: إذا تعلموا وعرفوا وفهموا ـ وإلا فإنها تظل ثروة من غير استثمار.. نستعيرها عند الحاجة، ثم نعيدها إلى الصندوق، من غير أن نضيف إليها شيئاً جديداً.
آ بعضهم استفاد من الغناء فأبدع النشيد وكان طابعه وإيقاعه أكثر جدية ورسمية، وقد تم تتويجه مليكاً عندما عززته الحضارة وفكرة الاستقلال للدول والقوميات، وأضحى الأيقونة الثقافية التي تنحني لها الشعوب والهامات مرافقة لتحية أعلام البلاد.
آ القصيدة: شكلت مزيجاً من الغناء والنشيد، فجمعت ما بين الذكرى والعاطفة الجياشة وانصاعت (رسمياً) للعروض والتقطيع والأوزان حتى جاء (يوسف الخال) ولفيف من أهل الحداثة فبذلوا جهوداً حثيثة لتحرير القصيدة ودمقرطتها، حيث أصبح كل مُحب بإمكانه أن يكتب القصائد للمحبوب، وبهذا لاح أفق التعددية ومبدأ الكثرة، فكانت النتيجة: الردّة والتعلق بالشعراء القدماء الذين يتمتعون بالفرادة والتميز بحيث لم يستطيع شاعر «حداثة» أن يجاريهم في ماهية الحب واصطفائه الذي ترسخ في الوجدان العربي، وأصبح من مورثاته الأدبية المأسوف عليها، أما من سار على نهجهم فقد اعتبر مقلداً لأنه إذ حضر الماء بطل التيمم.
آ هكذا ترسخ تمنعُ المحبوب عن وصال الحبيب ـ وصولاً إلى درجة (الشهادة ـ الموت) ونفي مظاهر الحياة الطبيعية والعيش بسلام، فمن لم يقضي من شعراء الحب العذري، مسه الجنون وهام على حالة في القفار والبراري، وراح ينشد الأشعار ليتناقلها الغادون والبادون، ويذيعها الرواة، ويخطها المؤرخون، ويدونها أهل القلم وما يسطرون.. عن قصص الحب الخالدة، حيث المرأة هي الكائن النوراني والفلك الذي يدور فيه الحبيب شاعراً كسير الفؤاد وحلقة مغلقة لا فكاك من أسرها وفي هذا يقول قيس الملوّح:
كأن فؤادي في مخالب طائر إذاً ذكرت ليلى يشد بها قبضا
كأن فجاج الأرض حلقة خاتم عليّ، فما تزداد طولاً ولا عرضاً
ومع غياب هؤلاء الشعراء وتغير أزمانهم، غاب الرواة، وانشغلت لا قطة الذاكرة للإنسان، وكثرت مشاغله فضاق الوقت المخصص للحب في المرحلة الزراعية اللاحقة والرعوية التالية وصولاً إلى المدينة التي ازدهرت بأدوات الطباعة ووسائل الاتصال والمواصلات، وتقريب المسافات فهانت المكابدات ومشقات السفر، وهجير الشمس، ورياح العواصف، والبحث عن الكلأ والماء، فأضحت العواطف والمشاعر أكثر يسراً وبساطة وسرعة في الوصول، ولم يعد المحبوب بحاجة إلى انتظار نظم القصيدة والأشعار ـ بظهور ـ الرسائل القصيرة التي خففت الوجد والشوق والذوبان المطلق مع الحبيب، ليشكل كل منهما شخصية مستقلة لها حق الحرية والاختيار إلى درجة: أن النصف الآخر إذ لم يكن متجاوباً أو قريباً من الصورة المرغوبة.
أصبح ممكناً البحث عن بديل، وأصبح ممكناً أيضاً الاستقراء بالعودة إلى قصص الحب العامرة والغابرة بأن «قلة المعرفة» والإمكانات المحدودة لها تسببت بكل هذه الآلام والفراق للعاشقين ـ بعيداً عن العادات والتقاليد ـ التي كانت ترى في ذكر اسم المحبوبة على لسان المحب «قبح الأحدوثة والخوف من العار» وفي هذا يقول والد «ليلى» وقد حضر معزياً حيّ قيس بوفاته وكان أشد القوم جزعاً وبكاء عليه:
«ما علمنا الأمر يبلغ كل هذا، ولكني كنت امرأً عربياً أخاف من العار ما يخافه مثلي، ولو علمت أن أمره يجري على هذا ما أخرجتها عن يده، ولا احتملت ما كان عليّ في ذلك» غير أن أحداً من الباحثين في أيامه لم يُعر قوله اهتماماً، فكان أن أسدل الستار على الحقيقة، وظلت التقاليد سارية المفعول.. بحيث نجد أن الوساطة والوسيط المؤرخ هو الذي غيب وحجب حقائق كثيرة ومثلهم الرواة وتدخلهم فيما لا يعنيهم، أو إضافة ما يرونه مناسباً أو حذفه.. من خلال تناقل السير وتداولها فكان بمثابة الرقيب الصارم، الذي يعمل تحت شعارات صارمة مثل حلقة الخاتم التي حدثنا بها (قيس ليلى).
آ من جهة أخرى: تطالعنا قصة حب «روميو وجوليت» من البلاد الأخرى، فهي وإن كانت تتشابه مع القصص العربية في النهايات الحزينة، فإنها تختلف في الوسيلة، وأكثرنا قرأ روميو وهو يجلس تحت نافذة (جوليت) يدندن بألحانه، ويسمعها أشعاره ـ من غير وسيط ـ الأمر الذي مهد للحب والسعي لتحقيقه من قبل الطرفين وإن كانت النتيجة موتهما إثر حسابات خاطئة قياساً للزمن.
آ في حين نقرأ في قصص الحب العربي: سعي الرجل وحيداً لتحقيق المراد عندما ذهب قيس بن ذريح ليحضر الإبل ثم يعود ويعلم إن لبنى قد تزوجت، ولم تكن خاتمة المجنون وقضائه حزناً على ليلى أفضل حالاً وكذا جميل بثينة وكثير عزة وغيرهما.
آ ومع كل الإقرار بأهمية الحب العذري والتخاطب مع المرأة العربية، على أنها كائن نوراني، وأثر ذلك الحب لازمة حياتيه وشعرية في حياتنا الثقافية، لا بد لنا من إعادة قراءتها في ضوء المعارف والمستجدات، لمعرفة الحقائق التي رافقت تلك القصص، لعّلنا نقطف ثمار الحب على الطريقة العربية، في حياتنا المعاصرة، بعيداً عن اليأس والموت والجنون لتكون لنا قصصنا التي تقوم على خصائص شخصيتنا ومعرفتنا: سواء في الغناء أو النشيد أو القصيدة، وحيث يشكل الحب جذوة الحياة وإكسيرها، وليس اليأس والحزن أو الجنون. (صحيفة تشرين)