ملخص كتاب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" لميشيل فوكو

منشور 28 أيلول / سبتمبر 2017 - 09:22
كتاب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" لميشيل فوكو
كتاب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" لميشيل فوكو

 عمر السنوي:

صدر كتاب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" عام 1961م، للكاتب والباحث الفرنسي ميشيل فوكو.

ويعد أول عمل نظري متكامل للمؤلف، ويمكن اعتباره البداية لمشروع نظري متكامل امتدّ إلى قرابة ربع قرن، ومادتة الأساسية (الخبرة الإنسانية) في لحظات إبداعها لأشكال التعسف المتنوعة للحدّ من اندفاع الجسد والروح، ولتخطّيها حدود (المعقول)، (العقلاني)، (الرزين) و(المستقيم)، للانتشاء بالذات داخل عوالم اللاعقل التي لا تعترف بأي حدود إضافية غير تلك التي تأتي من أشياء طبيعية، ومن طبيعة الأشياء.

وهذا الكتاب يبحث في الأفكار والممارسات والمنظمات والفنون والآداب المتعلقة بالجنون في تاريخ الغرب.

إن كتاب فوكو يهتم بأهواء النفس في حالاتها المتنوعة، من خلال معرفة علمية تختص بحالات الجنون العقلي واللاعقل والاختلال النفسي وكل السلوكيات الغريبة والشاذة.

لقد تناول الكتاب: الطب العقلي، السايكولوجيا، التحليل النفسي.

ويبقى الكتاب ذا طابع تاريخي، فهو يسرد حالة المجتمعات في القرون الوسطى والعصر الحديث، وتقبّلها للجنون ومراحله، حتى يتم إدراجه في الأعمال والإرث الإنساني، مستصحبًا النشوء التاريخي للاعقل، والأعراض التي أصابت بنْية المجتمع وإنسانيتة، ما اضطرها إلى العزل والإقصاء، وتشكيل تلك الأحداث لمحاور أعمال فنية خالدة وأثرها عند المفكرين والفنانين فى تلك المرحلة.

فيبدأ الكتاب بالبحث في التاريخ رجوعًا إلى العصور الوسطى، فيشير إلى العزل الفيزيائي والاجتماعي الذي أحاط بالمجذومين. يقول فوكو بأنه ومع الانحسار التدريجي للمجذومين في المجتمع، تم ملء الشاغر من خلال المجانين، فالعزل ظَل موجوداً لكن موضوع العزل تغير.

القرن الخامس عشر

فصّل فوكو كتابه إلى فصول؛ فاختار لأولها اسم: سفينة الحمقى. فمثّل بسفينة المجانين التي ظهرت في القرن الخامس عشر، للتدليل على أنها تعبير حرفي عن هذا الاستبعاد، إذ تم إرسال المجانين بعيداً على متن سفن تجوب الأنهار الأوربية من دون قبطان.

و(سفينة الحمقى) اسم كتاب لمؤلفه المحامي الألماني، سباستيان برانت، الأديب الساخر. يدور كتابه حول مدى حماقة البشر، ويحكي العمل عن رحلة بحرية خيالية لـمجموعه من الحمقى، كل منهم يمثل نوعاً محدداً من التصرفات البشرية الخرقاء، وهم متجهون إلى الأرض الموعودة "ناراغونيا" أو "فردوس الحمقى". يقود مجموعة الحمقى هذه، القارئ الأحمق: مقتنعاً بسعة علمه، ينخرط في ملاحقة الذباب الذي يطِن محيطاً بمكتبه المكدّس بالكتب، هذه الكتب التي لا يبذل جهداً لمطالعتها واكتساب المعرفة منها. لا ينتقد برانت الحماقة في ذاتها، بل ينتقد استمرار البعض في الحماقة لعدم وعيهم بعيوبهم ونواقصهم.

ولا تمثل سفينة الحمقى حالة أوربية فريدة بل إنها مثال لكل مجتمع يتحول فيه الإقصاء والنبذ والطاعة العمياء إلى قاعدة وليس استثناء، فسفينة الحمقى نموذج لتلك المصلحة الفردية الطاحنة التي تجعل مجتمعًا بأكمله يضحّي بمن فيه أو جزء منهم لصالح الباقين، ومن أجل مصلحتهم فهي تلك السفينة التي شُيدت ورفعت أشرعتها على جثث الآخرين، وغالبًا ما تبحر سفينة الحمقى في أفكارنا، ولا سيما في محاولات البعض تسويغ ما يحدث في مجتمعٍ ما تحت مسميات عدة تبدأ من تبجيل شخصٍ ما مرورًا بالخوف الذي يجعل الكثيرين يسوّغون التضحيات ويَقبلون الأمر الواقع خوفًا من القادم أو المستقبل.

العوامل والعوالم الرمزية التي اخترعتها المخيلة البشرية لخلْق حدود عالَمٍ غريب هو عالَم المجنون المليء بالأوهام والاستفهام  والمليء بأشكال النبذ والإقصاء أيضًا. وهي المقابلة بين الحقيقة الموضوعية للجنون (الخلل البيولوجي) وبين العوالم الثقافية التي تستثيرها شخصية المجنون، والتي تسللت إلى عوالم الإنسانية كافة من حيث التقديس والتدنيس.

لقد جمعت العصور الوسطى بين عوالم اللاعقل وعوالم الجنون، وعوامل الممنوعات الجنسية والدينية، وخلطت بينها وبين حرية الفكر والقلب، وهنا نلج إلى عوالم اللاعقل التي تهدد كيان المجتمع بأسره والقائمين على أخلاق الأمة.

فالغريب أن نكتشف أن البليد والمعتوة والأحمق والغبي جميعًا مجانين في قانون حسب هذه النظرة الفلسفية، أي أن الأغلبية قد فقدت عقلها منذ زمن بعيد!

القرن السابع عشر

ثم حدث ظهور سمة أدبية جديدة في القرن السابع عشر تُدعى (مستشفى المجانين)، ليكون جوبيتر إله الجنون المسعور والمخرف، وليكون الحجز في هذه المستشفيات بمثابة الإبحار! وليعود ظهوره فى المسرح والأدب بثوبٍ جديد على نحو ما قال فرانسوا كوبيه:

"لمحت في هذا الشارع

بريئًا يتعقبه الأطفال

تأمّل أيضًا ماذا سيفعل

بكل هذا العدد من الأسمال

رأيت مَن يتغنى بتلك المخلوقات الفظة".

ويشير فوكو إلى هذه الحركة التي وقعت خلال القرن السابع عشر في أوروبا، واصفًا إياها بأنها الإرهاص العظيم، فالأشخاص غير العاقلين من الناس كانوا يُحتجزون بعيداً من خلال تلك المؤسسات.

القرن الثامن عشر

وفي القرن الثامن عشر بدأ اعتبار الجنون نظيراً للعقل.

وهذا ما نعثر عليه فى الآداب العالمية أيضًا، فقد كان الجنون من صلب العقل والحقيقة، فالجنون يأخذ الكل في زورق بلا عقل ويعدهم بأوديسا مشتركة.

يُعرف الجنون بأنه ما لا يرى الصورة الشكلية الماثلة للأشياء، بل يعطيها بعدًا آخر أكثر عجائبية وأكثر انسجامًا، ليبين مضمونًا كان كامنًا فيها كالسر، لا الوجه الظاهر للعيان.

معرفة الحمقى تنبئ بالسعادة النهائية والعقاب القاسي، إنها القوة العظمى على الأرض والسقوط الجهنمي.

القرن التاسع عشر

وأخيراً في القرن التاسع عشر بدأ مصطلح "المرض العقلي" يأخذ مكانه في الساحة العلمية.

ويجادل فوكو بأن الجنون فقَدَ قدرته على الدلالة على أهمية حدود النظام الاجتماعي، وبالتالي فإنه فقدَ توضيح الحقيقة وتم إسكاته من خلال العقل.

يتفحص فوكو ظهور المعالجات العلمية والإنسانية للمختلين، الّتي ظهرت على يد فيليب بينيل وصموئيل توك؛ ويزعم فوكو بأن هذه المعالجات لم تكن في واقع الأمر أقل "سلطوية" من تلك السابقة لها، فقد اعتمد توك في سعيه لعلاج المجنون على معاقبته حتى يتعلم السلوك "العاقل"، كذلك الأمر بالنسبة لبينيل الذي اعتمد معالجات منها الحمّام البارد، مما يؤدي إلى تصاعد هذا العلاج حتى يستدخل المريض هذا النمط من العقوبة -كما يرى فوكو-.

 

انظر أيضًا:
إسهامات صمويل جونسون في الأدب الإنجليزي
نبذة عن كتاب "الفصول والغايات" لأبي العلاء المعري
مَن هو أبو العلاء المعري؟.. السيرة الكاملة


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك