أسعار النفط تسير في الاتجاه المعاكس للتوقعات

منشور 04 آذار / مارس 2012 - 03:27
تأتي القفزات المتلاحقة لأسعار النفط كجرس إنذار للاقتصاد العالمي
تأتي القفزات المتلاحقة لأسعار النفط كجرس إنذار للاقتصاد العالمي

واصلت أسعار النفط العالمية ارتفاعها مدفوعة بتوترات إيران والغرب ونقص الإمدادات الإفريقية لتعاكس توقعات «وكالة الطاقة الدولية» التي حذرت من أن تزايد احتمالات الركود العالمي يحد من الطلب خلال العام الجاري.

ويعاني كثير من الاقتصادات الهشاشة، كما أن الانتعاش العالمي لايزال ضعيفاً، وتأتي القفزات المتلاحقة لأسعار النفط كجرس إنذار للاقتصاد العالمي، خصوصاً الدول التي تعاني مشاكل هيكلية مثل أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو. وخفضت الوكالة في يناير الماضي توقعها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2012 بواقع 220 ألف برميل يومياً عما ذكرته في تقريرها الشهري السابق إلى 1.1 مليون برميل يومياً. وقالت «إن المراجعات المتوقعة بالخفض لتوقعات الناتج المحلي الإجمالي العالمي ستثير تخفيضات في تقديرات استهلاك النفط». وأضافت «إن خفضاً بنسبة الثلث في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي سيسفر عن استقرار استهلاك النفط خلال العام الجاري عند مستوياته نفسها في 2011». لكن أسواق النفط واصلت الارتفاع، حيث قفز سعر خام مزيج برنت، ليرتفع نحو 12 دولاراً خلال فبراير، ليتجاوز 123 دولاراً للبرميل، مسجلا أكبر زيادة سعر يومية منذ الصيف الماضي.

خلل في العرض والطلب

وصرحت كيت دوريان، المحللة المختصة في مجال النفط والطاقة، لـ«الرؤية الاقتصادية» بأن ارتفاع الأسعار يرجع إلى عوامل عدة أهمها، العقوبات على إيران والتهديد بإغلاق مضيق هرمز، ونقص الإمدادات من إفريقيا خصوصاً في السودان ونيجيريا بسبب النزاعات النفطية، إضافة إلى الاضطرابات في سوريا واليمن. وتوقعت دوريان أن يكون هناك خلل في العرض والطلب على النفط في المستقبل القريب. وقالت «إن النقص في الإمدادات من شأنه أن يشكل عبئاً على منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، خصوصاً السعودية التي تحتاج إلى 90 يوماً لتعويض أي نقص في الإمدادات». وتعقيباً على توقعات محمد علي خطيبي، مندوب إيران لدى «أوبك» بتوجه أسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع، استبعدت دوريان أن تستفيد إيران من الزيادة في الأسعار، خصوصاً في حال تطبيق العقوبات بشكل كامل. وأوضحت أن إيران تواجه مشاكل تضغط على عائداتها النفطية كخروج الشركات النفطية من البلاد، إضافة إلى مشكلات التأمين المتعلقة بالناقلات، مشيرة إلى أن شركات التأمين تعود إلى ملكيات أوروبية، وذلك من شأنه أن يعرقل صادرات الخام حتى إلى دول آسيوية. ونوهت دوريان بتأثير تقلب العملات على الريال الإيراني، إضافة إلى الانتخابات، وقالت «إن كل تلك العوامل مجتمعة تشكل ضغوطاً على ثاني أكبر مصدر للنفط في (أوبك)».

الاقتصاد العالمي

وتعليقاً على تأثير ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد العالمي، قالت دوريان «إن ارتفاع أسعار النفط يغذي التضخم، خصوصاً أسعار الغازولين في أمريكا، وأوروبا التي ستفقد 600 ألف برميل يومياً، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى تراجع الاقتصاد». وحذر ديفيد ليبتون، النائب الأول للمدير التنفيذي لـ«صندوق النقد الدولي» نقلاً عن «فاينانشيال تايمز» من أن صعود أسعار النفط يمثل خطراً جديداً على الاقتصاد العالمي وأنه ينبغي مراقبة الوضع في إيران عن كثب. وقال ليبتون «هناك خطر جديد في الأفق، أو ربما أنه ليس في الأفق بل ربما أمامنا مباشرة، وهو أسعار النفط المرتفعة. الوضع في إيران يمثل خطراً يتعين علينا أن نضعه في أذهاننا».

وقال روبرت دادلي، رئيس شركة «بي بي» البريطانية نقلاً عن «فاينانشيال تايمز»، «إن الأسعار حالياً على حافة الهاوية، وقد يؤثر ارتفاع طفيف في الأسعار على الاقتصاد العالمي عموماً والأمريكي خصوصاً». وأضاف «نرى أن الطلب في آسيا على حاله، وبالتالي نتوقع لهذه السنة (2012) سعراً يراوح بين 90 و100 دولار. يبدو أنه مستوى ثابت». وقال عبداللـه البدري، الأمين العام لـ«أوبك» نقلاً عن «رويترز» «إن الأسعار الحالية مرضية للمنتجين والمستهلكين على السواء والإفراط في المضاربة يضر بالاثنين».

من جهتها قالت ماريا فان دير هوفن، الأمينة العامة لـ«وكالة الطاقة الدولية» نقلاً عن نقلاً عن «فاينانشيال تايمز» «إن أسعار النفط تبقى مرتفعة لأن سعر البرميل يقرب من الـ100 دولار ، وهذا مصدر قلق».

وقالت الوكالة «إنه على الرغم من أن المخاوف من تعطل الصادرات الإيرانية قد تكون دعمت الأسعار، فقد تراجع الاستهلاك في الربع الأخير من 2011 على أساس سنوي بسبب اعتدال الطقس في نصف الكرة الأرضية الشمالي هذا الشتاء واستمرار المخاوف من ركود وشيك في منطقة اليورو». وأسهم اعتدال الطقس والمخاوف الأوروبية وارتفاع أسعار النفط كذلك في خفض الطلب في الربع الأخير من 2011 بمقدار 300 ألف برميل يومياً إلى 89.5 مليون برميل يومياً ودفع الطلب مرة أخرى في اتجاه هابط بوضوح على أساس سنوي للمرة الأولى منذ أزمة الائتمان العالمية».

وأبقت التوترات مع إيران بشأن برنامجها النووي إلى جانب المخاوف المتعلقة بالإمدادات من نيجيريا والعراق الأسعار فوق مستوى 100 دولار للبرميل. وتوقع محمد علي خطيبي، مندوب إيران الدائم لدى «أوبك» أن تحقق أسعار النفط العالمية مزيداً من الصعود بسبب العقوبات الغربية المفروضة على صادرات البلاد. وقال خطيبي نقلا عن «رويترز» «في ظل الظروف الحالية سترتفع أسعار النفط نتيجة برودة الطقس وأيضاً الأثر النفسي للعقوبات الغربية المفروض على صادرات النفط الإيرانية».

وفرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة مشددة على إيران يبدأ سريانها في وقت لاحق من العام الجاري، وتهدف فعلياً إلى وقف صادرات إيران النفطية. وتستهدف عقوبات الاتحاد الأوروبي على إيران بشكل مباشر قدرة ثاني أكبر مصدر للنفط في «أوبك» على بيع الخام. ورداً على ذلك، حذرت إيران من قطع صادرات النفط إلى أوروبا قبل الأول من يوليو المقبل موعد بدء العمل بالعقوبات الأوروبية، وهددت طهران كذلك بإغلاق مضيق هرمز الحيوي لشحنات النفط في خطوة قالت واشنطن «إنها لن تقبلها».

واشترى الاتحاد الأوروبي 25 بالمئة من مبيعات النفط الإيراني في الربع الثالث من 2011، لكن المحللين يقولون «إن سوق النفط العالمية لن تتأثر بدرجة كبيرة إذا قطعت إيران الإمدادات عن أوروبا». وتتهم الولايات المتحدة وحلفاؤها إيران بالعمل على إنتاج سلاح نووي تحت غطاء برنامجها النووي، وتنفي إيران ذلك وتقول «إنها تحتاج إلى التكنولوجيا النووية لإنتاج الكهرباء».

وقال خطيبي «إن ارتفاع أسعار النفط يظهر أن السوق لا يسودها التفاؤل بشأن الحديث عن تعويض النفط الإيراني». وقالت السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم الشهر الماضي، «إن بإمكانها ضخ المزيد من النفط فوراً بعد أن حذرت إيران منتجي منطقة الخليج من تعويض أي تعطل في إمداداتها».

وتقابل المخاوف المتعلقة بانخفاض المعروض من النفط توقعات محتملة بانخفاض الطلب عليه، إذ قامت كل من «أوبك» ووكالة الطاقة الدولية مؤخراً بخفض توقعاتهما في ما يخص نمو الطلب على النفط خلال العام الجاري استناداً إلى مخاوف من وهن الاقتصاد العالمي، خصوصاً أزمة الديون في منطقة اليورو. وقال سيث كلاينمان، محلل السلع في «سيتي بنك»، «لايوجد في السوق الفعلية ما يشير إلى أن هناك إفراطاً في المعروض من النفط». وأضاف «لا يوجد سوى القليل من بدائل الإنتاج في المنظومة بكاملها، فالمخزونات منخفضة فعلاً وهناك سعة احتياطية منخفضة وهناك أيضاً مخاطر تواجه إمدادات النفط مثلما يحدث في جنوب السودان».

ويرجع الانخفاض في المعروض في المقام الأول إلى مشاكل الإمدادات، فجنوب السودان في نزاع على رسوم نقل النفط مع السودان أوقف الإنتاج ليفقد السوق نحو 300 ألف برميل نفط يومياً، كما أن الاضطرابات في اليمن تشكل قلقاً، حيث إن هناك إضراباً يعطل الإنتاج في مسيلا أكبر حقل في الدولة. ويرجع الانخفاض في المعروض أيضاً إلى العقوبات على صادرات النفط السورية، كما أن صادرات ليبيا من النفط لاتزال أدنى كثيراً من مستوياتها قبل الحرب على الرغم من تعافيها على نحو أكثر من المتوقع.

ويمكن للمشاكل في السودان واليمن وسوريا مجتمعة أن تقلص أكثر من مليون برميل من النفط يومياً ما يتجاوز واحداً بالمئة من الإنتاج العالمي، ويتزامن ذلك حالياً مع الحظر الذي ينتظر أن تفرضه أوروبا على الصادرات الإيرانية، وهو ما سيحرم الاتحاد الأوروبي من نحو 600 ألف برميل نفط يومياً. وستجد إيران مشترين آخرين لبعض تلك الكميات، وليس كلها. ويتوقع معظم المحللين أن تضطر إيران إلى سحب كثير من نفطها من السوق ووضعه في خزانات عائمة في الخليج على نحو يتناقص معه المعروض العالمي من النفط، ويمكن لـ«أوبك» التدخل لتعويض النقص، فالمملكة العربية السعودية لديها الكثير من السعة الاحتياطية، وهو الهامش الطارئ من الإنتاج الإضافي الذي تجنبه احتياطياً ليعوض جزئياً انقطاع الإمدادات العالمية مثلما حدث في ليبيا العام الماضي.

وبالنظر إلى أن السعودية تضخ النفط بأعلى مستوى معدل لـ30 عاماً، فإن سعة «أوبك» الاحتياطية من النفط تقترب من مستويات منخفضة خطيرة، بحسب «غولدمان ساكس»، وهذا يحدث في الوقت الذي يبدأ نمو الاقتصاد العالمي في استعادة عافيته. وقال «غولدمان ساكس» في مذكرة بحثية نشرها مؤخراً «هذا يجعل سوق النفط العالمية عرضة على نحو متزايد إلى ارتفاع حاد لأسعار النفط في العام 2012». ويأتي انقطاع الإمدادات وانخفاض السعة الاحتياطية في وقت بلغت فيه المخزونات من النفط أدنى مستوياتها على الإطلاق.

وكان المحللون قد توقعوا أن إنتاج السعودية القوي واستعادة ليبيا عمليات الضخ من شأنه تعزيز مخزونات النفط العالمية، غير أن العكس هو الصحيح، ففي آخر شهر يناير الماضي بلغت مخزونات النفط الخام ومنتجات مصافيه في «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» أدنى مستوياتها منذ العام 2008. وقالت «وكالة الطاقة» «إنه في شهر ديسمبر بلغت مخزونات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أدنى مستوياتها القياسية لستة أشهر متتالية».

واستمر هذا التوجه في العام الجاري، وقالت «وكالة الطاقة الدولية» «إن أرقاماً تمهيدية لشهر يناير أوضحت زيادة المخزونات النفطية بمقدار 11.4 مليون برميل، ولكن أقل كثيراً من زيادة متوسط 5 سنوات البالغة 43.2 مليون برميل». وتعتبر هذه الأرقام صادمة بالنظر إلى جو الشتاء الدافئ أكثر من المعتاد في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، بحسب «غولدمان ساكس».  كما أن الأسعار يعززها الطلب القوي في الصين ودول الاتحاد السوفييتي السابق.

وتعكف روسيا على كسر أرقام قياسية، حيث زادت إنتاجها من النفط إلى أعلى مستوى له في ما بعد العهد السوفييتي، وفي يناير زاد الإنتاج إلى 10.7 مليون برميل يومياً أكثر بنسبة 1.5 بالمئة من سنة مضت، ولكن على الرغم من ذلك، انخفض إجمالي صادرات روسيا، ما يعزى في المقام الأول إلى زيادة الاستهلاك المحلي للنفط. ويقول محللون «إنه بالنظر إلى هذه الضغوط كافة، ومع ازدياد تأثير العوامل الجيوسياسية والتحسن التدريجي للاقتصاد العالمي يتوقع أن تقوى أساسات سوق النفط وبالتالي لا يتوقع أن تنخفض أسعار النفط في الأجل القريب، خصوصاً خلال العام الجاري».

اتجاه الأسعار

ومن بين العوامل التي تحدد اتجاه أسعار النفط:

* السياسات النقدية التي ستتخذها كل من البنوك المركزية الأوروبية و«الاحتياط الفيدرالي الأمريكي»، حيث لم تعلن البنوك المركزية الأوروبية إلى الآن عن اتخاذها لسياسة التيسير الكمي، في حين احتوت جملة من السياسات التي اتخذتها في الفترة الأخيرة على بعض عناصر سياسة التيسير الكمي، ويبين الواقع أن دور السياسة النقدية لاسيما سياسة التيسير الكمي في دفع تعافي الاقتصاد الأمريكي كان محدوداً جداً، لذا من المبكر الحكم على الحزمة الثالثة من سياسات التيسر الكمي التي ستتخذها الولايات المتحدة في العام الجاري.

* والمخاطر الجيوستراتيجية، حيث تزايدت حدة توتر القضية الإيرانية خلال الفترة الأخيرة، في حين تشير «الوكالة الأمريكية لمعلومات الطاقة» أن 40 بالمئة من إمدادات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، وقد وصلت كمية النفط الخام المنقول عبر هذا المضيق 14 مليون برميل يومياً العام 2010.

منطقة اليورو

أما بالنسبة إلى منطقة اليورو، فإن أزمة الديون تستحوذ على اهتمام العالم، حيث تبين تأثير هذه الأزمة في طلب دول أوروبا الغربية على النفط الذي تراجع بمعدل 0.16 مليون برميل يومياً، ما يدل على تأثير الإجراءات التقشفية التي اتخذتها هذه الدول. وتعتبر الدول الأوروبية المستوردة للنفط ارتفاع أسعاره بمثابة زيادة في معدلات الضرائب وخفض دخول المستهلكين، ومع ذلك فإن الدول الأوروبية الأكثر كفاءة في استخدام النفط وبالتالي فإنها قادرة على مواجهة تلك الصدمات. وإن اتجاه بعض الدول مثل بريطانيا وأيرلندا إلى انتهاج سياسات مالية تقشفية، وبالتالي فإنهما قادرتان علي تحمل مثل تلك الصدمات.

وتعاني أوروبا معدلات تضخم أعلى من المعدلات الأمريكية، وذلك يعتبر مقلقاً بالنسبة إلى البنوك المركزية هناك، حيث وصلت معدلات التضخم في أوروبا إلى 2.4 بالمئة وفي بريطانيا وصلت 4 بالمئة، ومن المتوقع أن يتجه «البنك المركزي» إلى زيادة معدلات الفائدة بداية من الشهر المقبل، ولكن بنك «إنجلترا المركزي» لايزال يواجه معضلة في اتخاذ قرار الرفع. وتعد الدول الأوروبية الأكثر اعتماداً على النفط الإيراني، لذلك، فإن فرض حظر على النفط سيؤدي إلى ارتفاع أسعاره، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى تراجع اقتصاد منطقة اليورو، كما يؤدي أيضاً إلى ارتفاع أسعار السلع المرتبطة بالنفط، وبذلك ستكون له تبعات كبيرة على حالة التضخم في المنطقة.

ويمثل النصف الأول من العام 2012 فترة بالغة الأهمية بالنسبة إلى المنطقة نظراً لما سوف تشهده من عمليات سداد للديون. وتكتسب التطورات التي حدثت في إيطاليا أهمية خاصة، باعتبارها ثالث أكبر الاقتصادات في المنطقة، كما تمثل ديونها نحو ثلث الديون الإجمالية المستحقة في الربع الأول من العام 2011. ومن المرجح أن تؤثر أزمة الديون في منطقة اليورو على أسعار النفط كما كانت الحال في العام 2011 من خلال تأثيرها على سعر صرف اليورو مقابل الدولار، إضافة إلى ذلك ستظل تدابير التقشف التي اتخذتها الاقتصادات الأوروبية للسيطرة على عجز الموازنة تؤثر سلباً على نمو الطلب على النفط في المنطقة على المدى المتوسط نظراً لتباطؤ النمو الاقتصادي، ويتوقع «صندوق النقد الدولي» حالياً أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي لدول منطقة اليورو بنسبة 0.5 بالمئة خلال العام 2012.

وأنهت أسعار النفط العام 2011 عند مستوى قريب من 100 دولار للبرميل، حيث رجحت الاضطرابات التي شهدها العالم العربي على كفة المخاوف بشــأن حالة الاقتصاد العالمي، وارتفع متوسط أسعار النفط بنسبة 19.6 بالمئة خلال العام 2011 لتصل إلى 94.9 دولار للبرميل، في حين نما الطلب العالمي على النفط بنسبة سنوية بلغت 1.04 بالمئة في العام 2011 مدفوعاً بزيادة الطلب في الدول الناشئة، خصوصاً في الصين.

وبقي التهديد بوقف الإمداد النفطي إحدى المخاوف الأساسية خلال العام 2011، خصوصاً بعد نشوب الحرب في ليبيا التي شهدت ارتفاعاً في أسعار نفط غرب تكساس الوسيط إلى مستوى أعلى من 110 دولارات للبرميل في الربع الثاني من العام 2011، إضافة إلى أزمة الديون الأوروبية المستمرة التي تهدد بعرقلة الانتعاش الاقتصادي العالمي. ونظراً إلى المخاطر السائدة حالياً، قام «صندوق النقد الدولي» بخفض مستوى توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي في العام 2012.

وتوقعت «غلوبل» أن يتراوح متوسط سعر نفط غرب تكساس الوسيط ما بين 95 و100 دولار في العام 2012، كما تتماشى هذه التوقعات مع التوقعات التي أجمع عليها محللو «بلومبيرغ» بأن يبلغ متوسط سعر النفط الخام نحو 98.7 دولار للبرميل، وأن يقترب من متوسط السعر المسجل في العام 2011، والبالغ 94.9 دولار للبرميل، إضافة إلى ذلك كانت توقعاتنا لمتوسط أسعار نفط غرب تكساس الوسيط لعام 2011 (التي وردت في تقرير توقعات أسواق النفط لعام 2011) قريبة من الأسعار الحالية، في حين انحرفت توقعاتنا لأسعار نفط خام «أوبك» بنسبة 26 و34 بالمئة، حيث تبين تأثير ثورات «الربيع العربي» بشكل كبير على أسعار النفط الخام في المنطقة العربية.

ورجحت «غلوبل» أن يمتد تقلب أسعار النفط في العام 2011 إلى العام 2012، حيث لاتزال أزمة الديون الأوروبية من دون حل، يضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات البطالة في الولايات المتحدة. وأدت العقوبات الجديدة التي تم فرضها على إيران، وما أعقبها من تدريبات ومناورات عسكرية قامت بها القوات البحرية الإيرانية في مضيق هرمز، إلى تزايد مخاطر المواجهة المحتملة في ما بين الولايات المتحدة وإيران، ما يمكن أن يتسبب في وقف الإمدادات النفطية بشكل كبير.

وأسهم نقل السلطة في كوريا الشمالية في تزايد المخاطر الجيوسياسية نتيجة لغموض الرؤية في ما يتعلق بالاتجاه الذي سيسلكه هذا البلد المنعزل. وكان للاضطرابات السياسية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط تأثير مباشر على إنتاج «أوبك» النفطي، نظراً إلى انزلاق ليبيا إلى حرب أهلية، فقد انخفض متوسط الإنتاج النفطي في ليبيا إلى 47 ألف برميل يومياً، مقارنة بمتوسط إنتاج مقداره 1.55 مليون برميل يومياً في العام 2010، غير أن هذا النقص تم تعويضه سريعاً، خصوصاً عن طريق السعودية التي رفعت إنتاجها النفطي إلى 9.6 مليون برميل في الربع الثالث من العام 2011 مقابل 9.1 مليون برميل يومياً في الربع الثاني من العام 2011.

وبدأ الإنتاج النفطي في ليبيا يمضي في طريق الانتعاش بعد أن تولت الحكومة الليبية الانتقالية مقاليد الحكم في البلاد، حيث ارتفع النفط الخام في ليبيا إلى 0.77 مليون برميل يوميا في ديسمبر 2011. ولاتزال السعودية تستحوذ على الجزء الأكبر من الطاقة الإنتاجية النفطية البالغة 2.71 مليون برميل يومياً على الرغم من زيادة إنتاجها النفطي في العام 2011، ويحمل ذلك دلالة خاصة في وقت تتعرض فيه إيران إلى المزيد من الضغوط بسبب برنامجها النووي.

واستمر الطلب العالمي على النفط في الانتعاش، وإن كان بوتيرة بطيئة. حيث ارتفع الطلب في اليابان بنسبة 0.9 مليون برميل يومياً في العام 2011، بعد أن سجل ارتفاعاً كبيراً بلغ 1.6 مليون برميل يوميا في 2010، وكانت أزمة الديون السيادية الأوروبية، واضطرابات العالم العربي، وزلزال اليابان من أهم العوامل التي وضعت حداً لنمو الطلب العالمي على النفط.

وجاء انتعاش الطلب العالمي على النفط في عامي 2010 و2011 بعد أن شهد انخفاضاً حاداً في العام 2009، بتراجع بلغت نسبته 1.4 مليون برميل يومياً، وانخفاض بنسبة طفيفة في 2008، وكان انخفاض الطلب على النفط في 2008 الأول منذ 1983 ما يدل على تأثير الأزمة المالية العالمية وما نتج عنها من ركود اقتصادي.

الاقتصاد الأمريكي

تمكن الاقتصاد الأمريكي من تحقيق معدلات انتعاش قوية ظهرت في إعلان تحسن معدلات التوظيف ومبيعات التجزئة القوية، وإن تأثر الاقتصاد مرهون بمزيد من ارتفاعات أسعار النفط، كما أن شعبية الرئيس الأمريكي ترتبط بأسعار الغازولين. وقال دافيد سايمنز، المحلل الاقتصادي في بنك الاستثمار العالمي «ستاندرد تشارترد» نقلاً عن «رويترز» «إن ارتفاع أسعار النفط أصبح المحرك الرئيس للأسواق، وذلك قبل أن تتدخل الأقدار وتدفع اليابان إلى دائرة الاهتمام بزلزالها المدمر، وتلاشت سريعاً الأخبار الإيجابية الخاصة بنمو معدلات التوظيف في سوق العمل الأمريكي بعد استمرار الصعود المتواصل لأسعار النفط».

وتكمن الأخبار الإيجابية في التأثير الضعيف على نمو الاقتصاد في حالة استمرار أسعار النفط في الارتفاع، بينما تكمن الأخبار السلبية في تعرض الكثير من الاقتصادات إلى الإنهاك مع معدلات العجز الضخمة في ميزانيات بعض الدول ومعدلات الفائدة المنخفضة إلى الصفر التي تبنتها البنوك المركزية منذ بداية الأزمة واتجاه الحكومات إلى شراء الأصول وبالتالي لا يوجد أمام الدول الكثير من الخيارات للتعامل مع أزمات جديدة.

وبالنسبة إلى الدول المنتجة، فإنها سوف تستفيد من ارتفاع الأسعار، وذلك ينعكس على زيادة قيمة الصادرات مع أعداد البراميل نفسها التي يتم إنتاجها وتأتي المشكلة الاقتصادية في الاستخدامات لتلك السيولة النقدية الزائدة، واتجاه دولة مثل السعودية إلى زيادة الإنفاق المحلي يدفع معدلات التضخم إلى الارتفاع، خصوصاً مع عدم قدرة الاقتصاد على زيادة إنتاجه في بقية القطاعات بالسرعة نفسها لزيادة معدلات الطلب لمنع التضخم.

وتتجه بعض من تلك الزيادة في الإيرادات إلى الاستيراد ولكن معظم تلك الأموال ستستثمر في أصول قصيرة الأجل في الخارج علي سبيل المثال، أذون الخزانة الأمريكية، والذي سيساعد حكومة واشنطن في تمويل ديونها، ولكنه لن يساعد الاستهلاك الخاص أو الاستثمار وبالتالي فإن الزيادة المستمرة في أسعار النفط تعمل على الحد من الطلب العالمي كما أكد ستيفن كينج المحلل الاقتصادي في بنك «إتش إس بي سي».

ويبدو أن اقتصاد الولايات المتحدة قادر على التعامل مع الزيادات المستمرة في أسعار النفط، حيث أكدت تقارير بنك الاستثمار «غولدمان ساكس» أن ارتفاع أسعار البترول 10 دولارات سيعمل على تخفيض معدلات النمو الأمريكية 0.2 بالمئة في العامين المقبلين، كما أن ارتفاع أسعار البترول لن يؤدي إلى رفع معدلات التضخم نتيجة مرونة السوق الأمريكية، ومع ذلك أغفلت تلك النظريات أثر ارتفاع أسعار النفط على الحالة النفسية للمستهلكين، حيث إن زيادة الأسعار ستؤدي إلى ترشيد الاستهلاك في سلع أخرى لمواجهة ارتفاع أسعار البنزين، وعندما يفقد المستهلك ثقته في الاقتصاد سيتجه إلى زيادة الادخار على حساب الاستهلاك.

وتحولت أمريكا في العام الماضي من دولة مستوردة للنفط والغاز إلى دولة مصدرة لهما، واستطاعت أن تقلل من اعتمادها على النفط الشرق أوسطي عبر الرفع من عمليات التنقيب داخل أراضيها، ورفع مستوى الوارد


© I Media LLC 2019

مواضيع ممكن أن تعجبك