الأسس القوية للاقتصاد الأردني ستحد من تأثيرات الأزمة العالمية... لكن التحديات مستمرة

منشور 01 شباط / فبراير 2009 - 09:02
تناول بنك الكويت الوطني في موجزه الاقتصادي الأخير تطورات الاقتصاد الأردني، مستعرضا خصائص قطاعاته المختلفة والميزانية العامة للدولة وأهم السياسات التي تبنتها للارتقاء بأدائه وتعزيز نموه. وألقى الوطني الضوء على ملامح القوة التي يتمتع بها الاقتصاد الأردني وأبرز التحديات التي يواجهها في ظل الأزمة المالية العالمية التي تعصف بالعالم حاليا.
ورأى الوطني أن الاقتصاد الأردني حقق أداء متميزاً في السنوات الأخيرة وبدأ يجني ثمار مسيرة الاصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي تبناها. فخلال السنوات الأربع الماضية، تجاوز معدل النمو السنوي بالأسعار الجارية الـ12%، والدخل الفردي ارتفع بنحو 10%. وبلغ متوسط النمو الحقيقي 7.8% على الرغم من التحديات في البيئة الاقتصادية العالمية التي انعكست على الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة. لكن تبقى آفاق الاقتصاد الأردني واعدة رغم أنها لن تكون معزولة عن التأثيرات السلبية للركود والأزمة المالية العالمية الحالية، حيث يتوقع أن يتباطأ معدل النمو الاقتصادي والصادرات والسياحة في العام الحالي، كما يتوقع أن تنخفض تحويلات العمالة الأردنية في الخارج ولكن بشكل طفيف.
لكن الوطني أشار إلى أنه على الرغم من النجاحات المسجلة، فإن الاقتصاد الأردني بحاجة إلى تبني المزيد من الإجراءات لمعالجة التحديات الرئيسية التي ما زالت قائمة. إذ تبقى معدلات البطالة والفقر، بالإضافة إلى حساسية الاقتصاد للتطورات الخارجية، من التحديات الرئيسية أمامه.
ورأى أن الاستقرار السياسي والأمن يشكلان الدعامة الرئيسية للاقتصاد الأردني، إلى جانب التزام الحكومة بعملية الإصلاح. فالتحول إلى اقتصاد سوق منفتح والمضي في عملية الخصخصة ودخول منظمة التجارة العالمية وتعزيز الشفافية والاستثمار في التعليم، والأهم من ذلك موقف الأردن الداعم للإصلاح، جميعها عوامل ساهمت في تحول الاقتصاد خلال السنوات العشرين الماضية. وقد تعززت الثقة في الاقتصاد الأردني كثيرا، وهو ما يعكسه تزايد عدد المستثمرين المحليين والأجانب في المشروعات الضخمة، وبات ينظر إلى الأردن كمثال يحتذى به في مجال الخصخصة.
وفي المقابل، تأثر الاقتصاد سلبا بارتفاع أسعار النفط بين العام 2002 ومنتصف 2008، وهو ما انعكس في ميزانية الحكومة والحساب الجاري. إذ تسبب ارتفاع فاتورة الواردات النفطية بانخفاض حاد في الحساب الجاري، ما دفعه إلى تسجيل عجز في العام 2007 بواقع 18% كنسبة من الناتج المحلي الإجمالية، مقارنة مع فائض بلغ 5.7% في العام 2002. كما يتوقع أن يرتفع هذا العجز في 2008. لكن من الناحية الإيجابية، ارتفعت إيرادات السياحة وتحويلات العمالة الأردنية في الخارج بشكل ملحوظ، مستفيدة من وفرة السيولة التي تتمتع بها دول المنطقة. أما في ميزانية الحكومة، فارتفع العجز من 3.2% في العام 2002، إلى 5.2% في 2007 في ضوء السياسة المالية التوسعية للحكومة وسياسات الدعم الحكومي للمشتقات النفطية. ويتوقع أن يتجاوز العجز في العام 2008 المستوى المقدر في الميزانية والبالغ 5.6% كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة الارتفاع المضطرد في رواتب موظفي القطاع العام بداية العام الماضي. إلا أن العجز في ميزانية العام 2009 والمقدر بنحو 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي قد يدفع الحكومة إلى خفض المصروفات وتبني سياسة أكثر تحفظا. 
من جهة ثانية، حققت الصادرات أداء متفوقا خلال السنوات الأخيرة نتيجة اتفاقية التجارة الحرة المبرمة مع الولايات المتحدة الأميركية منذ العام 2000، التي أصبحت وجهة رئيسية للصادرات الاردنية منذ عام 2003، مستقطبة نحو 28% من إجمالي الصادرات في العام 2007. وشكلت الملبوسات السلعة الرئيسية ضمن الصادرات، الا انه مع استمرار عملية تحرير التجارة، فقد تواجه صناعة النسيج المحلية صعوبات متزايدة، لاسيما في ضوء اتفاق منظمة التجارة العالمية المتعلق بالمنسوجات والملبوسات والذي قاد عددا متزايدا من الدول لأن تقيم مناطق للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة. وهو ما عكسه انخفاض الصادرات الأردنية إلى الولايات المتحدة خلال النصف الأول من 2008 بواقع 17%.
وذكر الوطني أن الأردن كان من المستفيدين من الطفرة الاقتصادية التي شهدتها دول مجلس التعاون الخليجي، والتي أدت إلى وفرة في السيولة ومستويات غير مسبوقة من التدفقات الرأسمالية الخاصة. كما كانت للطفرة الاقتصادية الخليجية فائدة إضافية بالنسبة للاقتصاد الأردني، تتمثل بارتفاع تحويلات العمالة الأردنية من الخليج لتبلغ 17% كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن نحو 350 ألف أردني يعملون في دول الخليج وفقاً للتقديرات. وكانت السياحة من المستفدين أيضا، لكن المشهد العالمي حاليا لا يبشر خيرا باستمرار نموها المضطرد.
وخلال العامين الماضيين، كانت أسعار النفط ثاني أكبر مساهم في ارتفاع الضغوط التضخمية. وفي 2008، يتوقع أن يسجل التضخم مستوى قياسيا يقارب 12%. وجاء هذا الارتفاع في أسعار المستهلك نتيجة تخلي الحكومة عن سياسية دعم المشتقات النقطية منذ فبراير الماضي، والذي ضاعف بدوره من تأثير ارتفاع أسعار النفط والمواد الغذائية. لكن حاليا، يتوقع أن ينخفض التضخم في ظل الانخفاض الحاد لأسعار النفط والمواد الغذائية والسلع الأخرى. ومن العوامل المساهمة أيضا في ارتفاع التضخم خلال السنوات الأخيرة، الطلب المحلي المتنامي، والسياستان المالية والنقدية التوسعيتان، بالإضافة إلى الانخفاض الحاد في سعر صرف الدينار الأردني مقابل معظم العملات الرئيسية باستثناء الدولار الأميركي.
 ويعتبر الأردن فقيرا بالموارد الطبيعية، ويستند اقتصاده بشكل رئيسي على قطاع الخدمات الذي يتمتع بميزات تنافسية إقليمية، وخاصة في مجالات العمالة الماهرة والمعلوماتية والصحة والتعليم والسياحة. لكن من المرجح أن يؤثر التراجع في النشاط الاقتصاد العالمي سلبا على قطاع الخدمات في الأجل القريب.
أما بالنسبة للسياسة النقدية، فأشار الوطني إلى أن سياسة البنك المركزي الأردني تتحرك بشكل رئيسي بموازاة سياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نتيجة ربط الدينار بالدولار. وكان البنك المركزي الأردني قد خفض سعر الخصم وفائدة الإيداع لأجل ليلة واحدة بواقع 0.75 نقطة مئوية خلال العامين الماضيين وحتى نهاية سبتمبر 2008 لتصل إلى 6.75% و4.50% على التوالي. كما خفض سعر فائدة إعادة الشراء بواقع نقطتين مئويتين إلى 6.50%. وعاد البنك المركزي وخفض أسعار الفائدة مجددا في نوفمبر بواقع 50 نقطة أساس. الا أن التراجع المتوقع في معدل التضخم في الربع الأخير من 2008 وفي 2009 قاد البنك المركزي في نوفمبر إلى خفض معدل الاحتياطي الإلزامي بنقطة مئوية، وتخفيف القيود على نمو الائتمان.
وفي وقت يعتبر القطاع المصرفي في الأردن قويا وخاضعا لرقابة جيدة، تعززت الثقة بالبنوك مؤخرا إثر قيام الحكومة بضمان الودائع بشكل كامل حتى نهاية 2009. ويتوقع أن تبقى ربحية البنوك ضمن معدلات مريحة في العام الحالي، لكنها ستتأثر سلبا بالخسائر الكبيرة التي تكبدتها السوق المالية خلال الأشهر الأخيرة، إذ خسر المؤشر السعري لبورصة عمان 31% من قيمته منذ بداية أكتوبر وحتى 26 ديسمبر الماضيين.
من جهة ثانية، لحظ الوطني أن الاقتصاد الأردني مازال يواجه عددا من التحديات، وعلى رأسها معدل البطالة. فعلى الرغم من النمو الاقتصادي القوي، استقر معدل البطالة عند 13% في 2007 وخلال الأشهر التسعة الأولى من 2008، وهو ما يعكس عدم التوازن في سوق العمالة، إذ أن عدد العمالة الأجنبية يفوق عدد الأردنيين العاطلين عن العمل.
وقد اتخذ الأردن إجراءات عديدة لمعالجة مشكلتي البطالة والفقر، لكن هناك من يقول أن مشكلة البطالة لكانت أسوأ بكثير لو لم تختر شريحة كبيرة من القوى العاملة أن تعمل بالخارج (والتي تقدر بنحو 25% من إجمالي القوى العاملة). قد نجد بعض الصحة في هذه المقولة، لكن هجرة أعداد كبيرة من اليد العاملة الماهرة للعمل في الخارج من دون شك تؤثر سلبا على تطور المملكة في المدى الطويل. فوفقا لتقرير التنافسية العالمي، يعاني الأردن بشدة من "هجرة الأدمغة". ويمكن للأردن الاستفادة من تجربة دول جنوب آسيا التي قدمت حوافز كبيرة لمواطنيها المهاجرين من ذوي الكفاءات المرتفعة والملاءة المالية، لكي يعودوا ويساهموا في نمو بلدهم، ما يخلق بدوره فرص عمل جديدة.
كذلك، وعلى الرغم من تمتعه بدرجة أكبر من المرونة في السنوات الأخيرة، يواجه الاقتصاد الأردني تحد رئيسيا آخر يتمثل بتأثره الكبير بالتطورات السلبية في البيئة الاقتصادية الخارجية. ففي السنوات القليلة الماضية، أصبح الأردن أكثر اعتمادا على تدفقات الاستثمار الخاص من الخارج لتمويل العجز في الحساب الجاري، بعكس السنوات السابقة حين كان يعتمد على المنح الأجنبية والقروض.
وفي مارس 2008، أبرم الأردن اتفاقا لإعادة شراء 2.4 مليار دولار من ديونه لنادي باريس، بسعر خصم يقارب الـ11%. وقد وفر الأردن التمويل لهذا الاتفاق من خلال العائدات التي حققها من عملية الخصخصة وبمساعدة بعض الدول الخليجية. ويتوقع أن يخفض هذا الاتفاق نسبة الدين الخارجي من الناتج المحلي الإجمالي بنحو ربع مستواه السابق إلى 36%. وبالتالي، يتوقع أن تنخفض خدمة الدين الخارجي بنحو 240 مليون دولار سنويا.
التطلعات الاقتصادية
أما بالنسبة للتطلعات الاقتصادية، فتوقع الوطني أن تساهم الإصلاحات في الأردن بتلطيف آثار الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد المحلي، حيث يتوقع أن يحقق الاقتصاد نموا موجبا يتراوح بين 4% و5% في المدى المتوسط، يقوده بشكل رئيسي الطلب المحلي، الذي سيعوض جزئيا عن تراجع الصادرات لاسيما إلى الدول المتقدمة نتيجة الركود العالمي. لكن هناك محاذير تحيط بهذه التطلعات، اذ قد يكون الركود العالمي أشد وطأة مما هو مقدر، لاسيما في الولايات المتحدة التي تشكل الوجهة الرئيسية للصادرات الأردنية. ومن شأن هذا السيناريو، بالإضافة إلى تباطؤ نمو الاقتصاد، أن يبدد أي تقدم محقق في خفض معدل البطالة، وأن يبقيه عند مستواه الحالي البالغ 13%، هذا إن لم يفاقمه.
كما توقع أن يتراجع عجز الحساب الجاري من نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2008 إلى 12% في العام الحالي. إذ يفترض أن يساهم التراجع الحاد في أسعار النفط والمواد الغذائية الذي بدأ في الربع الثالث من العام الماضي، في خفض فاتورة الواردات في 2009 بنسبة تتعدى تراجع الصادرات. ومن شأن ذلك أن يساهم أيضا في تخفيف الضغوط التضخمية من نحو 12% في 2008 إلى نحو 6% في العام الحالي.
لكن في المقابل، توقع الوطني أن يتأثر سلبا عدد من المؤشرات الرئيسية ضمن الحساب الجاري، لاسيما السياحة وتحويلات العمالة في الخارج والنقل. وقد تشهد التدفقات الرأسمالية الخاصة، وخاصة تلك القادمة من الدول الخليجية، تراجعا في حال بدأ المستثمرون بسحب أموالهم لمواجهة التشدد في السوق الائتمانية في بلادهم، ما يعزز الضغوط على تمويل العجز في الحساب الجاري، وكذلك على احتياطيات الأردن من الموجودات الأجنبية.
كما توقع أن يتراجع عجز الميزانية في 2009 وفي المدى المتوسط، مستفيدا من انخفاض خدمة الدين الخارجي جراء تسديد جزء من الدين في وقت سابق من 2008، ورفع الدعم عن أسعار النفط في السوق المحلية، وخفضه على المواد الغذائية، بالإضافة إلى عدد من الإجراءات الأخرى المتخذة والتي من شأنها أن تعزز الإيرادات. وتوقع الوطني أن ينخفض العجز إلى 4.6% كما هو مقدر في ميزانية الحكومة للعام الحالي.

© 2009 تقرير مينا(www.menareport.com)


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك