الأسواق الناشئة في غضب... والمخاطر في انتظارها!

منشور 12 حزيران / يونيو 2018 - 08:06
الأسواق الناشئة
الأسواق الناشئة

إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي تجري أمام أعيننا بثلاثة طرق مختلفة على الأقل. هناك تطورات ذات أهمية عميقة. ولكن كيف يتم ربطها وما تأثيرها في الأسواق؟

التحول الأول هو أن الولايات المتحدة عازمة على تغيير النظام الاقتصادي العالمي ونظامها التجاري، في حين أن البلدان الأخرى التي هيمنت على الاقتصاد العالمي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تعترض بشدة.

إذا فرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية على كندا ومنطقة اليورو من أجل "الأمن القومي"، فستكون هناك تغييرات عميقة في الافتراضات الليبرالية المؤيدة للأسواق.

ثانيا، نحن نرى محاولة من قبل أكبر البنوك المركزية للخروج من السياسات النقدية اليائسة التي وقفت في وجه الأزمة المالية قبل عقد من الزمان.

وأثارت تعليقات من مسؤولي البنك المركزي الأوروبي الأسبوع الماضي توقعات بأن اجتماعه هذا الأسبوع سيعطي خريطة طريق لتقليص برنامج مشتريات الأصول الذي تم تصميمه لمحاربة الانكماش.

في الولايات المتحدة، من المؤكد أن الاحتياطي الفيدرالي سيرفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع المقبل، ويمتص السيولة في النظام العالمي من خلال بيع حافظة السندات الهائلة لديه، ومن الناحية العملية تشديد عرض النقود. العائدات الحقيقية، التي تدل على تكلفة المال، آخذة في الارتفاع، حتى وإن بقيت منخفضة بالمعايير التاريخية.

ثالثًا، نرى عددا كبيرا من الأسواق الناشئة تعاني متاعب خطيرة. لدى الأرجنتين الآن مساعدة من صندوق النقد الدولي لدعم البيزو. ولا تزال الليرة التركية ضعيفة حتى بعد أن رفع البنك المركزي أسعار الفائدة. وانهارت الثقة في الريال البرازيلي، بينما يقترب البيزو المكسيكي من أعلى مستوياته على الإطلاق.

عملات الأسواق الناشئة ككل انخفضت الآن ـ كما تم قياسها من قبل بنك جيه بي مورجان ـ إلى أدنى مستوى لها منذ تولي الرئيس ترمب السلطة، وهي قريبة من أدنى مستوياتها على الإطلاق.

ما الدروس التي يحملها التاريخ؟ يمكنني رسم صورة مروعة بسهولة كافية. رفع الرسوم الجمركية الأمريكية، ومعاملة الحلفاء على أنهم أعداء، يستدعيان إلى الذاكرة ما حدث في ثلاثينيات القرن العشرين، الكساد العظيم، الرسوم الجمركية من سموت-هاولي أثارت حربا تجارية سببت الأذى لمن أطلق شرارتها.

كي تكون حقا مروعة، يمكنك القول إن هذه السياسة الاقتصادية الرهيبة أسهمت في صعود هتلر، وفي الكارثة العالمية التي كانت هي الحرب العالمية الثانية. أما بالنسبة للبنوك المركزية التي تحاول تشديد السياسة النقدية، فإن الهدف دائما هو "إزالة طبق الحلوى" قبل أن تصبح الحفلة الاقتصادية صاخبة: من المفترض لذلك أن يسبب الأذى، وإذا كانت البنوك ستسيء الحكم عليه، فمن الممكن أن يؤذي فوق الحد.

في السنوات الأخيرة ارتكب البنك المركزي الأوروبي ـ التضخم الجامح الذي عانته جمهورية فايمار لا يزال يحفز فلسفته ـ أخطاء يبدو أنها مؤلمة بوضوح حين نراها الآن من المنظور الزمني، مثل رفع أسعار الفائدة قبل شهرين من إفلاس ليمان براذرز، ورفعها مرتين في عام 2011، وسط ظروف الأزمة التي جعلت وجود اليورو نفسه موضع شك. ويخشى المستثمرون من أن البنك المركزي الأوروبي سيكون مرة أخرى متشددا أكثر من اللازم.

والأكثر أهمية هو "نوبة الغضب" عام 2013. إشارة بن برنانكي، الذي كان يرأس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في ذلك الوقت، إلى إمكانية أن "يقلل بشكل تدريجي" من مشترياته من الأصول ضمن برنامجه للتسهيل الكمي، جعلت العوائد ترتفع بشكل حاد. كانت العوائد الأمريكية الحقيقية سلبية. وهي إيجابية منذ ذلك الحين.

أوجدت تلك النوبة ظروفا شبه عصيبة للأسواق الناشئة التي تعاني عجزا كبيرا في الحساب الجاري، حيث تعرضت عملاتها للهجوم.
وهذا يقودنا إلى التاريخ البائس لأزمات الأسواق الناشئة. النمط هو: ترتفع أسعار الفائدة في العالم المتقدم؛ تتراجع عملات الأسواق الناشئة مقابل الدولار؛ لا يمكنهم دفع التزامات سنداتهم المقومة بالدولار. والنتيجة هي "العدوى"، بحيث يواجه بلد بعد آخر انخفاض قيمة العملة والعجز عن السداد. في التسعينيات ذهبت أزمة التيكيلا في المكسيك لتحل محلها "العدوى الآسيوية".

هذه هي المخاوف العقلانية التي يقدمها التاريخ لنا. كيف تقارن التجربة الحالية بذلك التاريخ؟

بالنسبة للتجارة، على الرغم من كثير من المخاوف، من المستحيل تتبع أي أثر مهم للحرب التجارية الكلامية على أسعار الأصول. من المؤكد

أن مخاوف التجارة والرسوم الجمركية تساعد على تفسير السبب وراء ضعف أداء الأسواق الناشئة دون الأسواق المتقدمة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، لكن التأثير ليس قاسيا.

داخل الأسهم الأمريكية، تتفوق شركات التصدير على الشركات التي تركز محليا، ما يشير إلى أن السوق تراهن على حرب تجارية تعمل على تحسين شروط التجارة للمصدرين. الأسهم العالمية الآن أدنى من الرقم القياسي المسجل في كانون الثاني (يناير) لكنها كانت قوية في الآونة الأخيرة. ولا يوجد اندفاع متهور من الأسهم إلى ملاذات مثل الذهب.

أما بالنسبة للبنوك المركزية، أوجه التشابه مع نوبة الغضب غامرة. يمكن لسوء فهم طفيف أن يدفع السوق إلى تشديد الشروط أكثر بكثير مما ينوي المسؤولون الرسميون. لكن هذا لم يحدث بعد.

وبالنسبة للأسواق الناشئة، هذا لا يشبه عدوى التسعينيات. صححت معظم البلدان نقاط الضعف الحرجة من تلك الحقبة، ولم يعد لديها ربط عملات ثابت أو وزن ثقيل من السندات المقومة بالدولار.

لكنه يشبه إلى حد كبير نوبة غضب عام 2013 عندما ضغطت العوائد الأعلى على البلدان التي تعاني أعظم عجز في الحساب الجاري. كما أن تركيا والأرجنتين، أولى البلدان التي أوذيت بسبب هذه المشاكل، هما أيضا السوقان الناشئتان اللتان تعانيان عجزا يزيد على 3 في المائة.

البرازيل في ورطة لأن مستثمريها فقدوا الثقة في سياستها الفوضوية بشكل خطير مع انتخابات رئاسية مقبلة في الخريف، في حين أن عجزها في المالية العامة لا يزال مرتفعا بشكل مزعج. الوضع ليس مروعا كما يمكن أن يُصوَّر. لكن هناك سؤالا ضخما لا يزال قائما.

تبددت الصعوبات في الأسواق الناشئة بعد نوبة الغضب لأن البنوك المركزية سارت على مهل في تقليص برامج التحفيز. بعض منها حتى يضيف تحفيزا جديدا. يبدو أنها عازمة هذه المرة على المضي قدما، حتى إذا أخذنا في الحسبان آفاق النمو المتدهورة والتضخم المنخفض في منطقة اليورو.

إذا فعلوا ذلك، فإن الأزمات الحقيقية لبعض الأسواق الناشئة الأكبر تبقى إمكانية حقيقية.

اقرأ أيضًا: 
الأسواق الناشئة .. لا توجد أزمة لكن الضغط على تركيا مستمر

كم تحتاج الأسواق الناشئة لتحقيق التنمية المستدامة؟!

الأسواق الناشئة تجتذب استثمارات خارجية بـ 1.1 ترليون دولار في 2017



Copyright © Saudi Research and Publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك