جهاز قطر للاستثمار يكبد الدوحة خسائر بمليارات الدولارات... ما السبب؟

منشور 01 حزيران / يونيو 2017 - 09:13
الريال القطري
الريال القطري

يعد تنويع مصادر الدخل أحد الأهداف الأساسية التي تسعى لها دول وحكومات العالم، أيا كانت متانة وقوة الوضع الاقتصادي الذي تتمتع به، حيث إن حصر مصادر الدخل لدولة ما في مصدر واحد أو عدد محدود من المصادر، يضع اقتصادها برمته تحت ضغط شديد، في حال تعرض هذا المصدر أو تلك المصادر لتقلصات مالية، بغض النظر عن أسبابها.

وقد أدركت دول الخليج تلك الحقيقة الاقتصادية بشكل واضح للغاية، فالاعتماد على النفط أو الغاز كمصدر وحيد للدخل يعرض اقتصاداتها ومستوى معيشة شعوبها لخطر شديد، نظرا للتقلبات شبه الدورية في أسعار المواد الخام عامة والنفط أو الغاز من بينها.

وسبقت دولة الكويت أقرانها في منطقة الخليج والعالم، عندما أسست الهيئة العامة للاستثمار عام 1953، أول صندوق سيادي خليجي وعربي يستثمر الفوائض المالية لعائدات النفط في مجموعة من الاستثمارات الدولية بهدف زيادة القدرة المالية للدولة.

وتعاملت دول الخليج مع الصناديق السيادية باعتبارها أداة مالية، لإدارة فوائضها وعوائدها من النفط والغاز، بهدف تنويع اقتصادها عبر الاستثمار في مجالات مختلفة في دول العالم كافة، وذلك لتفادي التراجعات التي تصيب ميزانياتها العامة، من جراء عدم استقرار أسعار النفط والغاز، ولتوفير مدخرات كافية للأجيال المقبلة.

وبالفعل بلغت القيمة الإجمالية لصناديق الثروة السيادية الخليجية قبل عامين نحو 2.67 تريليون دولار، أي أكثر من 37 في المائة من إجمالي ثروات الصناديق السيادية حول العالم.

ويتوقع أن تبلغ تلك النسبة نحو 50 في المائة عند رفع السعودية قيمة صناديقها السيادية لتريليوني دولار، وذلك وفقا لـ "رؤية 2030" الرامية لتطوير صندوقها للاستثمارات العامة، لتعتمد الرياض على الاستثمار باعتباره المصدر الرئيس للدخل بدلا من العوائد النفطية.

قطر بطبيعة الحال لم تشذ بعيدا عن التوجه الخليجي، ففي عام 2005 صدر القرار الأميري رقم 22 لإنشاء جهاز قطر للاستثمار، بهدف إدارة الفوائض المالية المحققة من بيع الغاز، لخفض اعتماد الدوحة على أسعار الغاز الطبيعي.

الآن وبعد نحو 12 عاما على تأسيس جهاز قطر للاستثمار، يطرح اقتصاديون دوليون تساؤلات: هل نجح الجهاز في تحقيق الهدف منه؟
يقول لـ "الاقتصادية" الفريد شيفر؛ المختص الاستثماري الألماني، "لا تختلف جوانب الخلل في الأداء الاستثماري لجهاز قطر للاستثمار، عن جوانب الخلل السائدة في أداء الاقتصاد القطري ككل، فمنطق قطر في استثمار الفوائض المالية من بيع الغاز في الأسواق العالمية، الذي ساد قبل تأسيس الجهاز، هو ذاته الوضع الذي ساد في مرحلة ما بعد تأسيس جهاز قطر للاستثمار. حالة من التخبط وعدم وضوح الرؤية، التي كان يتوقع أن يتم التغلب عليها مع إنشاء جهاز قطر للاستثمار عام 2005، لكن هذا لم يحدث حتى الآن".

وأضاف، "اعتادت قطر أن تتخذ قرارها الاستثماري قبل تأسيس الجهاز عبر مجموعة ضيقة ومحدودة للغاية من أصحاب الثقة، وكانت تلك المجموعة تفتقد الكفاءة المطلوبة لاتخاذ أي قرار استثماري حقيقي، ربما لعوامل ترتبط بعدم امتلاكها الخبرة الكافية، أو لحداثة عهدها بهذا المجال المعقد، وأيضا لحداثة تجربة قطر الاقتصادية ككل، فلسنوات ظل الغاز منخفض السعر في الأسواق العالمية، ولم يكن لدى الدوحة فوائض مالية توازي ما لدى الكويت والإمارات وبالطبع السعودية، لكن هذا المنطق كان من المتوقع انتهاؤه والتغلب عليه مع إعلان تأسيس الجهاز، اذ بات لدى الدوحة هيكل تنظيمي رسمي مسؤول عن الاستثمار، يفترض فيه أن يتبع نهجا أكثر كفاءة عبر تعزيز علاقاته الاستثمارية مع كبار البيوت والمؤسسات الاستثمارية في العالم، لكن العقلية التي تولت توجيه الاستثمارات القطرية قبل عام 2005، هي ذاتها التي تولت قيادة المرحلة التالية، حيث تم تعيين الأمير تميم بن حمد آل ثاني مسؤولا عن الجهاز، وذلك قبل أن يصبح أميرا للبلاد لاحقا".

واستدرك " هذا النمط من الإدارة أضعف قدرة الجهاز الاستثمارية، وأفقده القدرة على المبادرة، والتركيز أكثر على البهرجة الإعلامية في مجال الاستثمار، بدلا من الاستثمار في مجالات ذات طابع استراتيجي، ولذلك نجد قطر، على الرغم من قلة عدد سكانها، فإنها الأكثر لجوءا إلى بيع استثماراتها الخارجية، في محاولة لتعويض العجز في الميزانية العامة، وفي كثير من الأحيان يتخذ القرار الخطأ بشأن الأصل الاستثماري الواجب بيعه أو التخلص منه، ما يؤدي إلى تعرضه لخسائر بالمليارات، وقدر بعض المختصون في مجال الاستثمار حجم الخسائر القطرية العام الماضي بنحو 25 مليار دولار، ولكن السلطات في الدوحة تتكتم على تلك الأخبار، مستعينة بشبكة دولية ضخمة من الإعلاميين والمسؤولين الاقتصاديين".

من جهتها، اعتبرت سو بارنيت؛ الباحثة الاقتصادية البريطانية، ضعف الأداء الاستثماري لجهاز قطر للاستثمار، يعود في الأساس اإلى غياب الشفافية.

وقالت لـ "الاقتصادية" "يصعب وضع تصور تفصيلي ومحدد حول الأداء العام لجهاز قطر للاستثمار؛ نظرا لغياب الشفافية فيما يتعلق بأساليب الإدارة واتخاذ القرار الاستثماري، فتحليل أنماط الاستثمار التي يتم الإعلان عنها من قبل الجهاز القطري، تكشف الطابع المتعجل لاتخاذ القرار بداخله، وفي كثير من الأحيان تغيب تفاصيل عقد الصفقات الاستثمارية بطريقة تدعو إلى الريبة، وهو ما دفع بكثير من المحللين الاستثماريين إلى التشكك في دقة الأرقام التي يعلنها الجهاز، التي تتناقض في أغلب الأحيان مع الحقائق على أرض الواقع".

وأضافت "نظرا لغياب المحاسبة داخل الجهاز لسنوات، وإحداث تغييرات في القرار الاستثماري بصورة اعتباطية، ودون دراسات حقيقية، والصراع الدائر بين مجموعتين رئيستين في الجهاز، الأولى هي المجموعة المكلفة رسميا بعملية الإدارة، أما الثانية فهي المجموعة المتنفذة والقادرة على عرقلة أي قرار استثماري، فإن قدرة الجهاز الاستثمارية تصاب بالشلل في كثير من الأحيان، أو تتم الموافقة على قرار استثماري ما بصورة غير متزنة، تؤدي إلى عدم إكمال الصفقة، كل هذا يؤدي إلى خسائر مالية ضخمة، وإهدار لأموال الدولة القطرية".

وأضافت، "لكن المشكلة الأكبر التي نجمت عن هذا الأسلوب المختل في اتخاذ القرار الاستثماري، تعود في الجزء الأكبر منها إلى التداخل بين المصالح العامة والخاصة في الدوحة، ففي كثير من الأحيان وبخلاف الوضع مع جميع الصناديق السيادية في منطقة الخليج العربي، يتداخل القرار الاستثماري الخاص بشكل ملحوظ مع القرار الاستثماري العام، بحيث يصعب معه معرفة الحدود الفاصلة بين مصالح الدولة القطرية من جانب، ومصالح مجموعة الأشخاص المتنفذين في الدولة، سواء كانوا في إدارة الجهاز الاستثماري أو في الجهاز البيروقراطي للحكومة".

وتابعت، ".. فقد لوحظ على سبيل المثال أن نتائج عديد من الدراسات الاستثمارية التي يمولها جهاز قطر للاستثمار، والتي توضح بشكل قاطع أن الاستثمار في مشروع من المشروعات سيعود بالفائدة على الدولة القطرية، يؤجل البت فيه بطريقة تسمح لدخول متنفذين في الدولة القطرية أو دوائر صنع القرار، للاستثمار بشكل شخصي في هذا المشروع أو ذاك، وهذا يمثل خليطا من الفساد وإهدار المال العام"
بدوره، لا ينفي اأندروا ديف؛ أستاذ الاقتصاد الدولي، صحة ما تمت الإشارة إليه أعلاه من جوانب قصور في جهاز قطر للاستثمار، لكنه يشير إلى مجموعة تفصيلية من القرارات، تعيق عمليا قدرة قطر على تعظيم الفائدة من استثماراتها الخارجية، مشيرا إلى احتمال اضطرار الحكومة القطرية إلى تصفية وبيع عديد من استثماراتها الخارجية في المرحلة المقبلة، لسداد ما عليها من التزامات دولية.

وأضاف لـ "الاقتصادية" "لا تصب قرارات (قطر القابضة) وهي الذراع الأساسية لجهاز قطر للاستثمار في مصلحة الاقتصاد القطري على الأمد الطويل، بقدر ما أنها تعمل على تعظيم الإيرادات أو الربحية الاستثمارية في الأجل القصير، وغالبا ما تخفق في تحقيق ذلك في كثير من الأحيان".

وأشار إلى أنه من الملاحظ أن الطابع الاستثماري الراهن لجهاز قطر للاستثمار يعمل في عدد محدود من البلدان المتقدمة وتحديدا بريطانيا، دون أن يرمي إلى توسيع استثماراته في محيطه الإقليمي والعربي، بما يعود ذلك في جزء منه إلى قرار سياسي قطري، أو عدم ترحيب عربي بالاستثمارات القطرية، نظرا لما يشوب مواقف قطر السياسية من علامات استفهام بالنسبة لعديد من دوائر صنع القرار العربية".
واستدرك قائلا، "بصفة عامة تتركز معظم استثمارات قطر ضمن ما يدخل في نطاق الاستثمارات الجاهزة، وهي استثمارات لا تتطلب أي نوع من الإضافة الحقيقية، وإنما فقط الحصول على مزيد من الإيرادات، ومن ثم يغيب عامل اكتساب الكوادر القطرية الخبرة المستقبلية، أو أن تمثل تلك الاستثمارات إضافة جوهرية للاقتصاد القطري".

وتابع، "قطر على سبيل المثال تفضل شراء أصل مالي جاهز، مثل متجر بحجم هارودز، ولا تحبذ بدء مشروع استثماري من الصفر، يحتوي على تفاصيل في التخطيط والإنشاء والإدارة، وهي على الرغم من صعوبتها إلا أنها تمثل إضافة للخبرات القطرية، وهو ما لا يتحقق في وضعية شراء الأصول الاستثمارية الجاهزة. يضاف إلى ذلك أن جهاز قطر للاستثمار مقارنة بالصناديق السيادية في السعودية والإمارات والكويت، فشل في جذب الشركات الأجنبية إلى قطر، أو تعزيز مهارات العمل لدى الشباب القطري، إذ يغيب تماما تصنيع منتجات بعلامة جودة قطرية في استراتيجية الجهاز، وهو ما يعني مواصلة قطر منطق التفكير التقليدي، بالبقاء دولة ريعية غير منتجة بشكل حقيقي وفعال".

وأضاف، "هذا ما يدفع معظم المختصين في مجال الاستثمار إلى التعامل مع المنطق الاستثماري القطري، باعتباره طموح سياسي أو تعويض لعقدة نقص في مواجهة اقتصادات كبرى في المنطقة، أكثر منه فرضية استراتيجية حقيقية، كما هو الحال على سبيل المثال في "رؤية 2030"، حيث الاستثمار الخارجي قرار مدروس ومصيري يرتبط باستراتيجية عامة للمملكة، وخطورة هذا المنطق الاستثماري القطري، أنه يدفع إلى المغامرة وإلى تبني خيارات استثمارية مكلفة وغير منتجة، في محاولة لإيجاد دور أكبر لها يتجاوز قدرتها على استيفاء شروطه، وهو ما يضع أصول جهاز قطر للاستثمار البالغة نحو 300 مليار دولار في خطر حقيقي، من جراء عملية الهدر الدائم لميزانياته في استثمارات فاشلة تعيق قدرة الاقتصاد القطري على النمو بدلا من أن تكون محفزا له".

اقرأ أيضًا:

روسيا متفائلة بالتعاون الاقتصادي مع قطر

قطر تخصص مليار و250 مليون دولار لدعم اقتصاد تونس

قطر: زيادة مخصصات مشاريع البنى التحتية 2017



 

 


Copyright © Saudi Research and Publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك