الحكومة السعودية: ملاذ التوظيف الآمن للمواطنين!

منشور 01 أيّار / مايو 2012 - 08:26
ينبغي أن يتم توجيه الإنفاق الضخم الهادف لتشغيل الأفراد في القطاع الحكومي في صلب السياسة الاقتصادية للدولة
ينبغي أن يتم توجيه الإنفاق الضخم الهادف لتشغيل الأفراد في القطاع الحكومي في صلب السياسة الاقتصادية للدولة

اتجهت الدولة نحو سياسة التخصيص مع الخطة السادسة وكانت الخطوة الأولى مع شركة الاتصالات، التي كانت جزءاً من وزارة البرق والبريد والهاتف.. إلى جانب ذلك كانت بيئة الأعمال السعودية قد شهدت ولادة منشآت خاصّة في قطاع الخدمات وبعض الصناعات الاستهلاكية، ثم كانت هناك ''سابك'' و''أرامكو''، حيث تم تخصيص نحو ثلث أسهم ''سابك'' في مرحلة مبكرة، أما ''أرامكو'' فقد ظلت مملوكة للدولة تُدار بذهنية المؤسسة المستقلة.

خلال العقود الثلاثة الماضية أصبح للقطاع الخاص حضوره الإعلامي يثور حوله النقاش عن مدى دوره وإسهامه الفعلي في تشغيل التنمية وتكوين قيمة مُضافة في الناتج المحلي الإجمالي.. وتوجّه قدر ليس باليسير من اللوم له على عدم مشاركته في تشغيل القوى الوطنية أو ما عُرف بـ (السعودة)، واتخذت آليات عدة لدفعه إلى مزيد من المشاركة كان أبرزها صندوق الموارد البشرية.

إلا أن التوظيف للسعوديين بقي يراوح مكانه في نسبة قليلة أو في توظيف شكلي في أعمال هامشية من حيث خفة وزنها النوعي العملي وتواضع دخلها كذلك.. ومع هذا الانسداد والتلبك في مجرى السعودة بجانب تنامي الطلب على العمل وازدياد حجم البطالة وبوجود ما يقارب تسعة ملايين وافد بادرت الدولة إلى إقرار إجراءين أحدهما حد أدنى للأجور بما لا يقل عن 3500 ريال، وتقنين نحو ثلاثة آلاف ريال لمَن ليس لديهم عمل على أن تكون بدل بطالة تشكل ''حافزاً'' للبحث عن عمل مستقر منتج، فكان أن استوعب برنامج حافز نحو 750 ألف مواطن تكلفتها السنوية تقارب 25 مليار ريال.

في المقابل القطاع الحكومي نفسه كان قبل ذلك مثقلاً بالتوظيف، ما يجعل قرابة نصف ميزانية الدولة تذهب للباب الأول (المرتبات والأجور) وأبواب أخرى تتحمّل بطريقة أو أخرى نفقات الأجور من خلال الصيانة مثلاً.. فإذا أضفنا ذلك كله إلى جانب تكاليف حافز، فهذا يعني أن الدولة باتت مسؤولة مباشرة، ومن خلال الميزانية العامة بتشغيل قوى عاملة وطنية بحجم يفوق كثيراً ما يقوم به القطاع الخاص.. أي أن الدولة في نهجها للاستجابة لطلبات العمل والتكفل بمعالجة البطالة على هذا النحو قد كرّست اتجاهاً في ثقافة العمل متوقفاً عليها فحسب، وهو إجراءٌ يبعث برسالة خاطئة في أن القطاع الحكومي هو مصدر فرص العمل، وهي رسالة معاكسة لتوجّه الدولة نحو سياسة التخصيص والاعتماد على القطاع الخاص.

هذا الوضع يريح العاطلين بحصولهم على دخول، ويريح أهل القطاع الخاص بأن تكون الدولة بهذا الإجراء تعفيهم من مسؤولية السعودة طالما هي كفتهم مغبة تكاليف سعودة ظلوا يتملصون منها بطرق مختلفة، بل تم استثمار صندوق الموارد البشرية لمصلحتهم بدل أن يصب في مصلحة السعودة، كما هو المفروض والمطلوب.. هذا الوضع المريح للعاطلين وللقطاع الخاص يجيء على حساب اقتصاد الوطن في استنزاف الموارد المالية بالإنفاق الحكومي على هذا النحو.. لأن معنى هذا أن السياسة المالية هي ما يقود قاطرة اقتصادنا، وليست السياسة الاقتصادية.. حيث المال الموجّه للتوظيف يستنفد نفسه بالاستهلاك، فيما يُفترض أن يكون التمويل هو لخلق أصول إنتاجية وتنويع القاعدة الاقتصادية باقتصاد صناعي تقني يفرز بطبيعته فرص عمل جمة مثلما يشكل قيمة مضافة معتبرة مستمرة ومتنامية لاقتصاد الوطن.. وهو الشأن الذي كان وما زال في الإمكان على الدولة أن تستهدفه بنفسها وتستنهض بجانبها ومعها القطاع الخاص وتدفعه لكي يغادر نمطية أعماله المتواضعة والبسيطة غير المالكة لمنهج طموح أو رؤية واضحة لمبادرات صناعية وتقنية يمكن لها أن تحدث تحولات كبرى في هيكلنا الاقتصادي بشراكة في ذلك المنهج، وتلك الرؤية مع الدولة وبالانخراط في عمل جسور تقوم به الدولة، ويقوم به القطاع الخاص أو بشراكة بين القطاعين ومعهما الاستثمار الأجنبي، الذي ينبغي أن يكون أداة توطين للصناعة والتقنية ومصدر توظيف للقوى الوطنية السعودية.

إن تزايد الاعتماد في التوظيف على الدولة وكأنها باتت الملاذ لمداخيل الأفراد مكلفٌ جداً وخطيرٌ، لأنه إذا كان الوضع الراهن يوفر لهذه الجيوش من العاملين في القطاع الحكومي أجورهم، فإن أي اختلال في أسعار النفط سينعكس بالضرورة سلبياً على موارده، وقد لا تستطيع ميزانية الدولة توفير ما تخصصه الآن للرواتب والأجور، إلا بالاعتماد على المدخرات لسد العجز، لكن حتى ذلك لا يمكن الاستمرار فيه فيما لو لم تتحسّن الأوضاع.. وطبعاً ليس من الحكمة الرهان على أن الظروف ستظل هكذا مواتية.

إن الحرج في هذا الإنفاق الضخم من قبل الدولة لتشغيل الأفراد في القطاع الحكومي مصدره رغبتها في توفير دخول للعاطلين عن العمل ــــ وهذه رغبة نبيلة، لكن ينبغي أن يتم توجيه هذا النبل في صلب السياسة الاقتصادية للدولة، التي كانت قد عوّلت على دور القطاع الخاص.. وهو تعويلٌ يتطلب إعادة النظر في دور الدولة الآن ودور القطاع الخاص لخلق تنوع اقتصادي قائم عليهما، لكن فوق أرضية صناعية تقنية، وهذا هو التحدي!


Copyright © Saudi Research and Publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك