ما العلاقة بين فوز ترامب بالسلطة ووصول الدولار لمرحلة الخطر؟

منشور 17 أيّار / مايو 2016 - 06:43
سياسة ترامب بالتلاعب بسعر صرف الدولار في مقابل العملات الأخرى ستؤثر في مكانة الدولار كعملة الاحتياطي الدولي الرئيسة
سياسة ترامب بالتلاعب بسعر صرف الدولار في مقابل العملات الأخرى ستؤثر في مكانة الدولار كعملة الاحتياطي الدولي الرئيسة

أحد الأقوال المأثورة عن رئيس الوزراء البريطاني السابق هارولد ويلسون "أسبوع واحد فترة طويلة في عالم السياسة"، وإذا صدق هذا القول في عالم السياسة، فإن القول ربما ينطبق بمصداقية أكبر على عالم الاقتصاد والأعمال، إذ يمكنا القول: إنه في عصر العولمة والارتفاع والانخفاض السريع في أسعار العملات، فإن أسبوعا واحدا يعد بالفعل فترة طويلة لإمكانية التنبؤ بطبيعة التغيرات التي ستنتاب مستقبل عملة ما.

وتشير تكهنات بعض المحللين إلى أن مستقبل الدولار الأمريكي في خطر خاصة بعد شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، معتقدين أن الدولار سينخفض بنحو 20 في المائة إذا ما وصل ترامب للسلطة.

ولا ترتبط تلك التكهنات بأهمية الدولار باعتباره العملة الدولية الأولى، ولكن الأهم طبيعة المخاوف التي بدت وسائل الإعلام الاوروبية في الحديث عنها دون تردد أو خجل، إذ يقر جل الإعلاميين والأكاديميين في بريطانيا، بأن فوز دونالد ترامب بمنصب الرئاسة الأمريكية قد يعني عمليا وبشكل صريح اندلاع حرب عملات دولية، ليس فقط بين الدولار وعملات الصف الثاني أو الثالث من عملات الاقتصادات الناشئة أو النامية، وإنما بين الخمسة الكبار وهي الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي والاسترليني البريطاني والين الياباني واليوان الصيني.

ولكن لماذا تبدو تعليقات الإعلام الأوروبي متشائمة حول مستقبل العلاقة بين الدولار والعملات الكبرى إذا ما تبوأ ترامب سدة البيت الأبيض؟

وقال لـ "الاقتصادية" جون بل الاستشاري لعدد من المجموعات الاستثمارية البريطانية "الأمر باختصار يعود إلى الأطروحات السياسية والتجارية لترامب، فقد صرح بشكل مباشر أنه من غير المرجح أن يكون على علاقة طيبة مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون"، الذي وصفه بأنه غبي ومخطئ ومثير للانقسامات، "ومن ثم نتوقع أوقاتا عصيبة بين بريطانيا وبالطبع الاتحاد الأوروبي وترامب".

ويضيف "لكن الأهم هو طبيعة السياسات الاقتصادية التي يطرحها، فهو يتبني مواقف معادية للعولمة، وهناك نزعة حمائية متزايدة لدى الناخب الأمريكي"، ولا يتردد ترامب في القول إنه "سيذهب إلى حرب تجارية مع الصين"، وصرح بأنه سيعيد التفاوض حول الديون السيادية الأمريكية، "وهذا يعني عمليا أنه لا يريد دفع جزء منها"، إضافة إلى أنه أعلن بشكل واضح وصريح، "أنه ضد السياسة الأمريكية التقليدية بالدفاع عن الدولار القوي".

ويترجم الدكتور فينسنت ستيفن أستاذ النقود والمصارف في مدرسة لندن للأعمال أقوال ترامب لعالم العملات قائلا "ترامب يعتقد أن أزمة الاقتصاد الأمريكي هي ضعف الصادرات، ومن ثم تشجيع أو زيادة الصادرات - من وجهة نظره - لن تتم إلا من خلال آلية واحدة، وهي خفض قيمة الدولار مقارنة بالعملات الأخرى.

وبالتالي تصبح أسعار الصادرات الأمريكية أقل من نظيرتها العالمية مقيمة بأي عملة دولية أخرى، هذا السلوك لا يعني فقط إضعاف الدولار، وإنما حرب اقتصادية مباشرة وصريحة ضد حلفاء الولايات المتحدة الدوليين، لأن زيادة الصادرات الأمريكية ستتم على حساب إضعاف صادراتهم، وهذا يعني حرب عملات ربما لم يشهدها العالم منذ ثلاثينات القرن الماضي".

ويعتقد البعض أن ترامب يبالغ في أطروحاته، وإنها لا تتجاوز الاستهلاك المحلي من أجل الحملة الانتخابية، ويصعب تطبيقها على أرض الواقع، لأن الاقتصاد الأمريكي في وضعه الراهن لن يستطيع خوض حرب عملات طويلة الأمد، وحتى لو خرج منها رابحا فإنه سيكون مقعدا بما لا يسمح له بالحركة مستقبلا.

وقال لـ "الاقتصادية" كولن تهار الباحث في الاقتصاد الأمريكي في المعهد الدولي للأبحاث "قد يكون من المؤكد أن قيمة الدولار قد تتراجع نسبيا إذا ما فاز ترامب بالرئاسة الأمريكية، لكن يصعب توقع أن يشن حرب عملات حقيقية، فربما في الأشهر الثلاثة أو الستة الأولى قد يتبنى سياسات اقتصادية عدوانية تقوم على خفض قوي لقيمة الدولار، للاستقطاع من الأنصبة التجارية الدولية للصين واليابان والاتحاد الأوروبي وحتى بريطانيا، ولكنه لن يستطيع مواصلة ذلك طويلا، فالخصوم وتحديدا الصين سواء باستثماراتها داخل الولايات المتحدة، أو الديون الأمريكية للصين ستجعل البيت الأبيض الأمريكي يدرك جديا، أن الخصوم لديهم أيضا عديد من الأسلحة التي ربما تجعل المعركة صفرية ويخرج الجميع منها خاسرا"

وأضاف "كما أن سياسة ترامب بالتلاعب بسعر صرف الدولار في مقابل العملات الأخرى ستؤثر في مكانة الدولار كعملة الاحتياطي الدولي الرئيسة، وهذا يعني تآكلا كبيرا في مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى اقتصادية، معتقدا أن الدولار سينخفض بنحو 20 في المائة إذا ما وصل ترامب للسلطة". وتشير بعض تقديرات المختصين إلى أن هذا المعدل للانخفاض يبدو واقعيا، نظرا لتذبذب العملات الوطنية مع التغيرات الكبرى، أو النقاشات الحادة التي تكشف غياب الإجماع الوطني حول القضايا الحيوية، وهو ما يبدو واضحا في الحال البريطانية وتراجع قيمة الاسترليني، جراء الجدل الحاد الدائر حول بقاء أو انسحاب المملكة المتحدة من عضوية الاتحاد الأوروبي.

ويتوقع المختصون أن تبدأ ملامح الاهتزاز في قيمة الدولار في شهر تموز (يوليو) المقبل، موعد انعقاد المؤتمر العام للحزب الجمهوري والديمقراطي لانتخاب مرشحيهما لانتخابات الرئاسة الأمريكية. ولا تبدو المشكلة فقط أن المؤتمر العام للحزب الجمهوري قد يختار دونالد ترامب مرشحا له لانتخابات الرئاسة، بل المشكلة تكمن في أن العرف الأمريكي جرى على ألا يتحدث الرئيس كثيرا عن الدولار ووضعه، نظرا لحساسية تعليقاته في هذا المجال، وتأثيرها المباشر والسريع في الاقتصاد الدولي قبل الأمريكي، وما يمكن أن تؤدي التأويلات المختلفة لها من ردود فعل اقتصادية عنيفة.

ولهذا اكتفت الإدارة الأمريكية دائما سواء في عهد كلينتون أو بوش الابن أو أوباما، بأن تلتزم تعليقاته بمصطلح دائم ورسمي "إن السياسة الأمريكية ترمي إلى الاحتفاظ بالدولار قويا" وأن تترك التفاصيل لمحافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي للخوض في التفاصيل، لكن يبدو أن هذا التوجه سيختفي إذا ما وصل ترامب إلى السلطة.

وقال روبن فوت لـ "الاقتصادية"، "ترامب يرمي إلى التخلص من الفكرة التقليدية بأن الدولار القوي يعكس قوة الاقتصاد الأمريكي، ومن ثم يتيح لنفسه - إذا ما أصبح رئيسا – حق التحدث وبصراحة عن وضعية الدولار، ورؤية واشنطن المستقبلية تجاه عملتها، هذا قد يكون إيجابيا في بعض الأحيان، لأنه في نظر معسكر ترامب سيكون مؤشرا على مزيد من الشفافية الاقتصادية".

وأضاف "العالم يشهد حاليا حرب عملات صامتة، كل ما سيفعله ترامب أنه سيرفع عنها الغطاء ويجعلها علنية، وهناك قطاع كبير ومؤثر في الاقتصاد الأمريكي يدافع عن وجهة نظر ترامب، ولكن في صمت دون ضجيج إعلامي، فالوظائف في قطاع التصنيع الأمريكي ونتيجة سياسة الدولار القوي، تراجعت من 14.2 مليون وظيفة عام 2006 إلى 12.3 مليون وظيفة، والسبب أن عديدا من الشركات تنقل نشاطها من الولايات المتحدة إلى الخارج، لأنها لم تعد قادرة على منافسة الصين جراء خفض الصين لعملتها وارتفاع قيمة الدولار".

وكان عديد من شركات صناع السيارات الأمريكية مثل جنرال موتورز وفورد، نقلت نشاطها إلى بلدان أخرى، واستوردت "جنرال موتورز" تصميمات سيارات من الصين بينما قامت شركة فورد بإيجاد 2800 وظيفة في المكسيك، بعد أن استثمرت 1.6 مليار دولار لإنشاء وحدة إنتاج هناك. وانعكس ذلك في تزايد عجز الميزان التجاري من 7.8 مليار قبل عقدين إلى 40 مليار دولار الآن. وهو ما يجعل بعض وسائل الإعلام الأوروبية تعرب عن خشيتها من أن عصر تفهم الإدارات الأمريكية المختلفة، وصمتها على حرب العملات الدولية الجارية دوليا قد ولى.

فقد أغمضت واشنطن الطرف في كثر من الأحيان للتحايلات والانتهاكات التي تقوم بها المصارف المركزية لبعض الاقتصادات الحليفة مثل الاتحاد الأوروبي واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، بخفض قيمة عملتها المحلية في مواجهة الدولار، وعدم تركها لقوى السوق، على أمل أن يسهم ذلك في زيادة معدلات الصادرات، ومن ثم يرفع من مستويات النمو، هذا التجاهل الأمريكي لتلك الانتهاكات على أمل أن يساعد إغماض الطرف على إخراج تلك البلدان من عثرتها الاقتصادية، ومن ثم إنعاش الاقتصاد العالمي ككل، في طريقه للاختفاء إن تقدم ترامب الرئاسة، فالمتوقع ألا يتوانى في رد الصاع صاعين لكل من يسعى إلى الاقتطاع من نصيب واشنطن من التجارة الدولية، وإن أدى ذلك إلى نزاع صريح مع الحلفاء وفقدان الدولار مكانته التقليدية.

اقرأ أيضاً: 

الدولار يتنازل عن عرشه مجبرًا بعد أسبوعين من السيادة!

كيف تتعرف على الدولار المزور دون استخدام أجهزة الكشف؟

الدولار يتجاوز 10.50 جنيه لأول مرة في السوق «السوداء» المصرية

 


Copyright © Saudi Research and Publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك