نفط إيران.. إلى أين سيصل؟

منشور 03 نيسان / أبريل 2016 - 10:06
أغلب شركات النفط حتى الآن تصدر بيانات ترحيب بالخطوات الإيرانية، لكنها لم تتجاوز ذلك عمليا
أغلب شركات النفط حتى الآن تصدر بيانات ترحيب بالخطوات الإيرانية، لكنها لم تتجاوز ذلك عمليا

من المفهوم في عالم السياسة، أن يبالغ وزير ما في حجم الخطط الطموحة التي تطرحها وزارته لتطوير القطاع المسؤول عنه، وقد يكون مفهوما ومقبولا أيضا أن تكون المبالغة بهدف رفع مستوى التعبئة لجهود العاملين في الوزارة ونفض الغبار والبيروقراطية عن أدائهم، وقد يكون المستهدف أيضا تحفيز الرأي العام ومنحه نافذة أمل تجاه الغد، خاصة إذا جاء ذلك بعد سنوات من الحرمان من جراء حصار دولي استمر لأعوام طويلة.

قد يكون كل هذا مفهوما ومقبولا حتى في دولة مثل إيران، ولكن أن يكون الفرق بين أقصى ما يمكن أن يحققه في الواقع، وما يدعي وزير النفط الإيراني أن خطته ترمي إلى أن يكون الفرق بينهما 20 ضعفا، فإن كثير من الاقتصاديين أمام حالة فريدة تتضمن خداعا للشعب أكثر منها خداع للذات.

القصة بدأت عندما أعلن وزير النفط الإيراني بيجن زنجنه الذي يعتبرونه شيخ الوزراء في الحكومة الإيرانية، أنه يخطط لجذب استثمارات أجنبية في قطاع الغاز النفط والإيراني – ليس في كل الاقتصاد الإيراني – بما يوازي 200 مليار دولار.

هذا الرقم كان من الضخامة لدرجة أثارت شكوك كثير من المختصين داخل الحكومة الإيرانية حول صحة الرقم، وأشار البعض إلى أنه خطأ مطبعي وأن الوزير يقصد 20 مليار دولار، لكن زنجنه وفي أول فرصة صحافية أعاد التأكيد أن الرقم المستهدف 200 مليار دولار.

علامات الاستعجاب لم تأت فقط من قبل المختصين الدوليين العاملين في مجال النفط إنما جاءت من قبل مسؤولين ووزراء سابقين في قطاع النفط الإيراني ذاته، بأن أقصى ما تطمح إليه إيران واقعيا هو عشرة مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط، وأنها إذا حققت ذلك فإن هذا يعد إنجازا حقيقيا لحكومة الرئيس روحاني.

ويعتقد البروفيسور إسماعيل حسين زاده المختص في الاقتصاد الإيراني، أن زنجنه يعلم تمام العلم زيف خططه، والمبالغة الشديدة في طموحاته، وإنما يروج لها لأسباب لا تمت للواقع الاقتصادي بصلة، وإنما ترتبط بالصراع الداخلي بين روحاني والحرس الثوري، خاصة بعد خسارة عدد كبير من المحسوبين على الحرس الثوري في الانتخابات البرلمانية.

وأضاف لـ "الاقتصادية"، أن وزير النفط الإيراني يعلم أن مستقبل روحاني السياسي مرتبط بقدرته على التصدي للمشاكل الاقتصادية المتفجرة في البلاد، وأن قدرتها على المواجهة مرتبطة بإنعاش قطاع النفط والغاز، ومن ثم فإنه يدرك تماما أهمية موقعه والدور المنوط به في المرحلة المقبلة.

وأشار زاده إلى أن زنجنه يدرك أن الـ 200 مليار دولار رقم لا يمكن تحقيقه أو حتى الاقتراب منه، لكنه يريد أن يبعث برسالة إلى قادة الحرس الثوري الإيراني الذين يهيمنون في الوقت الراهن على صناعة الطاقة في البلاد، بأن الكعكة النفطية ضخمة للغاية وأن دخول أطراف أخرى لن يعني الانتقاص من حصتهم. لكن الدكتور ماك فورد المختص في الاقتصادات الناشئة ينظر إلى خطط الوزير الإيراني المبالغ فيها على حد وصفه باعتبارها صراعا بين الحرس الثوري من جانب ومافيا وزارة النفط الإيرانية من جانب آخر.

وقال لـ "الاقتصادية"، إن سنوات أحمدي نجاد الطويلة في الحكم، والدعم المطلق الذي يقدمه المرشد الإيراني خامنئي للحرس الثوري، أدت إلى تهميش المافيا التقليدية للتكنوقراط العاملين في وزارة النفط لمصلحة جنرالات الحرس الثوري، والآن المعادلة تتغير ولكن بصورة طفيفة إذ لم يتم قطع الروابط بين الحرس الثوري وقطاع النفط، ولكن حصة مافيا النفط المؤلفة من التكنوقراط في تزايد.

ويضيف فورد أن تلك الحصة معرضة للخطر إذا لم تتم حمايتها بقوى فاعلة، وهذا هو السبب الذي يدفع زنجنه إلى الترويج بأنه لا نهوض للقطاع النفطي، ومن ثم للاقتصاد الإيراني إلا إذا تم جذب المستثمرين الأجانب إلى هذا القطاع، إذ سيكون من السهل إقامة تحالف بينهم وبين مافيا وزارة النفط، ليشكلا معا عاملا موازيا لهيمنة الحرس الثوري على هذا القطاع الاقتصادي المهم.

وبالفعل فما يعرف بالجناح المحافظ في إيران والمرتبط بالمرشد والحرس الثوري يشن هجوما على زنجنه منذ تعيينه وزيرا للنفط في 2013، إذ يتهم بأنه يدير وزارة النفط باعتبارها إقطاعية خاصة، ويحيط نفسه بمجموعة من المقربين يعملون معه منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومن ثم فإن كثيرا من المختصين يعتبرون زنجنه الأب الشرعي لمافيا وزارة النفط، وأن الدور الذي يقوم به حاليا هو محاولة استعادة مجموعات المصالح "المدنية" وضعها الطبيعي داخل الوزارة الذي فقدته أيام نجاد وانحيازه للمؤسسة العسكرية.

وكى يضيف وزير النفط الإيراني مشروعية على استعادة التكنوقراط داخل الوزارة لمواقعهم السابقة، فقد طرح ما يعرف بعقود النفط الإيراني، التي حظيت بتصديق مجلس الوزراء في تشرين الأول (أكتوبر) في 2015، وترمي بالأساس إلى جذب المستثمرين الأجانب، ومع إدراك قادة الحرس الثوري لما يسعى إليه وزير النفط بالاحتماء بشركات النفط الدولية والعقود التي ستوقعها مع طهران، وما بها من غرامات مالية ضخمة إذ ما تم نقضها لاحقا، فقد شنوا هجوما عليه باعتبار أنه يريد بيع الثروة الوطنية للأجانب.

ومع عدم ارتداع زنجنه من الإشارات التحذيرية التي أطلقها الحرس الثوري، لم يكن هناك مفر أمام محمد جعفري قائد الحرس الثوري من القيام بزيارة إلى حقل بارس للغاز جنوب إيران، الذي يعد أكبر حقل للغاز في البلاد، والإعلان صراحة أن مؤسسة خاتم الانبياء، الذراع العقاري للحرس الثوري، التي تقوم بتطوير أجزاء من حقل بارس فضلا عن امتلاكها عقدا بقيمة 1.2 مليار دولار لبناء خط لمترو طهران، وعقدا آخر بقيمة 1.3 مليار دولار لبناء خط أنابيب إلى باكستان، يجب أن تكون "صاحب المصلحة" الرئيسي في مستقبل إيران في مجال الطاقة.

وكان تصريح جعفري إشارة واضحة لزنجنه بأن الحرس الثوري ممتعض من تحركاته لجذب شركات النفط الدولية، ما استدعى من وزير النفط أن يؤكد لجنرالات الحرس وعلى الملأ بأنه لن يتم استبعادهم أو استبعاد الشركات المعبرة عن مصالحهم من عقود النفط الدولية، وأن وزارته ستعمل جاهدة للملاءمة بين مصالح الحرس الثوري ورؤوس الأموال الأجنبية الراغبة في الاستثمار في قطاع النفط والغاز.

ويدرك وزير النفط الإيراني بطبيعة الحال أن المرشد الإيراني علي خامنئي هو مركز الدولة، وأن الحصول على موافقته على خططه بشأن قطاع النفط، هو المدخل الأساسي لنجاح مساعيه، وفي هذا الإطار سعى إلى الترويج إلى أن استثمارات الشركات الدولية بما فيها الأمريكية في قطاع النفط، ستمثل عباءة يمكن أن تلتحف بها طهران لمواجهة أي عقوبات دولية تفرض عليها نتيجة تجاربها المتكررة في مجال الصواريخ البالستية، التي تعد انتهاكا للعقوبات الأممية المفروضة عليها، ومن ثم فإنه حتى إذا ما فرضت عقوبات على إيران من المجتمع الدولي، فإن زنجنه يعتقد أنه سيكون من الصعب على تلك الشركات مغادرة البلاد نتيجة استثماراتها الضخمة. ووسط هذا الصراع الداخلي بين مافيا النفط في وزارة النفط، والحرس الثوري المهيمن الحقيقي على الاقتصاد الإيراني يبقى السؤال، ما موقف شركات النفط الدولية من الاستثمار في إيران؟

قد يصعب إنكار أن الثروة النفطية تمثل إغراء كبيرا للشركات الدولية العاملة في هذا المجال، إلا أن الملاحظ حتى الآن أن تلك الشركات اكتفت بالترحيب بخطوات زنجنه لكنها لم تأخذ خطوات فعلية ملموسة للقيام بعملية استثمار حقيقي في قطاع النفط الإيراني.

وأوضح لـ "الاقتصادية"، روجر بيل المختص النفطي والاستشاري السابق في شركة "شل"، أن أغلب شركات النفط حتى الآن تصدر بيانات ترحيب بالخطوات الإيرانية، لكنها لم تتجاوز ذلك عمليا، فلا تزال هناك عقوبات دولية مفروضة على طهران، كما أن الصراع الداخلي لم يحسم بعد، ولا يزال الحرس الثوري وأنصاره يضعون عديدا من العراقيل أمام الاستثمار في قطاع النفط، والتوجه للاستثمار في إيران حاليا يعني الانحياز إلى وزير الطاقة في مواجهة رجل إيران القوي الجنرال جعفري، ومن ثم ستكون العواقب وخيمة إذا فشل زنجنه أو روحاني في مواجهتهم مع الحرس الثوري.

وأضاف بيل أن الأمر لا يتوقف على الاستثمار في قطاع النفط، فالبنية الأساسية في طهران ولا أعني فقط شبكة الطرق والكباري، وإنما أيضا البنية الاقتصادية مثل قطاع المصارف مثلا غير مؤهلة بعد على التعامل مع رؤوس الأموال الأجنبية، وهذه كلها عوامل تجعل من المشكوك فيه أن تنجح إيران في اجتذاب 20 مليار دولار استثمارات في مجال الطاقة ناهيك عن تمنيات وزير النفط بجذب 200 مليار دولار.

اقرأ أيضاً: 

بالفيديو: كل ماتريد معرفته عن نفط إيران!

إيران قد تصدر 1.26 مليون برميل نفط يوميا بداية من 2016

ايران: زيادة الصادرات النفطية يعتمد على الطلب في المستقبل

 

توقعات بتجميد إيران إنتاج النفط بعد وصول إنتاجها الى 4 ملايين برميل يوميا


Copyright © Saudi Research and Publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك