سوريا: ما هو السبب الرئيسي وراء ارتفاع الأسعار

منشور 28 شباط / فبراير 2012 - 03:41
ارتفع الطلب على السلع المختلفة بشكلٍ كبير بسبب التوقعات السلبية للمستهلكين اتجاه السوق
ارتفع الطلب على السلع المختلفة بشكلٍ كبير بسبب التوقعات السلبية للمستهلكين اتجاه السوق

يستفيق مواطننا مذعوراً لدى الحديث عن الأسعار فهي الكابوس الضاغط على دخله الحقيقي وهي هاجسه اليومي، فكمية الحاجات المشبعة باتت تتناقص يومياً في ظل محدودية الدخل النقدي كما أن نوعية السلع المستخدمة في إشباع حاجاته في تراجع مستمر إذ يضطر المستهلكون إلى التضحية باستهلاك سلع ذات نوعية جيدة لصالح إشباع أكبر كمية ممكنة من حاجاته المتنوعة والمتعددة.

ويبقى السؤال الذي صار مواطننا على استعدادٍ للتضحية بكل دخله على أن يجد له إجابة مقنعة، ما هو السبب أو ما هي مجموعة الأسباب التي يقف وراء هذا الارتفاعات الجنونية في الأسعار؟ تتحدد الأسعار في السوق بتفاعل قوى العرض والطلب في إطار شروط محددة يجب أن تنطبق على هذه السوق، فهناك عدة عوامل تلعب أدواراً بنسب مختلفة في تحديد الأسعار والتأثير عليها وفقاً لدرجة انطباق الشروط الواجب توافرها في السوق لتتفاعل قوى العرض والطلب دون ما يعيق انسياب هذه القوى.

وفي حالات إلغاء دور السوق يجب إلغاء أثر تلك العوامل بشكلٍ نهائي أو على الأقل ضبطها وتوجيهها وفقاً للأهداف التنموية، ويصعبُ علينا تقديم وصف موضوعي لطبيعة السوق السورية إذ لا يمكننا تحديد ماهية هذه السوق في ظل سياسة التحرير الجزئي التي تنتهجها الحكومة، وطالما أننا نناقش مشكلة الأسعار وتأثيرها على ذوي الدخل المحدود فلابد من اجتزاء تقييمنا وتقديمه بناءً على حالة الأسعار الداخلة في إطار الحاجات الواقعة بدورها ضمن نطاق ذلك الدخل فقط وهي الأغذية والمشروبات غير الكحولية والملابس والأحذية والسكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بالإضافة إلى الصحة والنقل والاتصالات.

أي بناءً على الأرقام القياسية لأسعار المستهلك ووقفاً للمكتب المركزي للإحصاء فقد سجل الرقم القياسي لأسعار المستهلك في شهر كانون الأول من العام 2011 ارتفاعاً وقدره 10.40 نقطة عن مثيله في شهر تشرين الثاني من نفس العام وقد بلغت حصيلة الرقم القياسي لأسعار المستهلك خلال شهر كانون الأول من العام 2011 : 165، تراوحت بين 201 لخدمات النقل بارتفاع قدره 18 نقطة و 189 للأغذية والمشروبات الكحولية بارتفاع 11 نقطة و 158 للملابس والأحذية بارتفاع 19.5 نقطة.

وفي معرض تقييم أثر العوامل المختلفة على الأرقام القياسية لأسعار المستهلك نلاحظ أن جميع العوامل المؤثرة على الأسعار قد ساهمت بنسبٍ متفاوتة في ارتفاع المستوى العام للأسعار ولكن بأكثر من المتوقع نتيجة ضغوطات الحالة الأمنية وانعكاس هذه الضغوطات مع المناخ السياسي العام على نفوس المستهلكين ومن ثم على قراراتهم في الاستهلاك والادخار.

فالطلب على السلع المختلفة ارتفع بشكلٍ كبير بسبب التوقعات السلبية للمستهلكين اتجاه السوق فمن المنطقي إقبال المستهلكين على شراء كميات إضافية من السلع تفوق احتياجاتهم الآنية بغرض التخزين طالما أن التوقعات تشير إلى ارتفاع مستمر في المستوى العام للأسعار الأمر الذي سرع من وتيرة هذه الارتفاعات وانعكاسها فعلياً على السوق، يضاف إلى ذلك ترافق هذه الإقبال مع انعدام البدائل لمعظم السلع تقريباً بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة علينا .

وتباطؤ حركة التجارة الداخلية بسبب صعوبة انتقال المنتجات بين المحافظات وارتفاع تكاليف نقلها وهو ما أدى إلى تراجع حالة المنافسة بشكلٍ كبير الأمر الذي أعطى بدوره دفعاً إضافياً باتجاه زيادات مستمرة في الأسعار، لذلك كان من المبرر تضحية المستهلكين بالكثير من خياراتهم المتاحة بقصد الحفاظ على مستوى جيد من الاستهلاك سعياً منهم لتعظيم منافعهم.

إلا أن الأمر غير المبرر هو ما تعرضت له الأسواق من تشوه وتراجعٍ في الثقة بسبب الممارسات اللاأخلاقية لشريحة واسعة من المنتجين باحتكارهم السلع التي تلامس معيشة المواطنين وسعيهم الحثيث إلى تعظيم أرباحه على حساب دخول الفقراء ومستوى معيشتهم وكذلك جشع التجار من وسطاء وموردين بمضاربتهم على تقلبات أسعار الصرف السلع الضرورية، ويشار هنا إلى ضعف تطبيق الأنظمة الرقابية وغياب الحكومة بشكل غير مقبول عن الأسواق ورغم التصريحات الحكومية بأن قراراها بشأن تعليق الاستيراد لم يتسبب بارتفاع أسعار المواد الغذائية فقد بادرت إلى رفع سعر أسطوانة الغاز مما زاد الأمر سوءاً.

ويذكر في هذا السياق أن 81% من المستوردات يتم تمويله بواسطة الدولار الأمريكي و 17% منها فقط يتم تمويله بواسطة اليورو وهو يخضع بدوره لعلاقة اليورودولار والمكاسب التي يحققها أحدهما على حساب الآخر ويذكر أيضاً أن السماح بالتمويل الخاص للمستوردات أدى إلى تحميل أسعار السلع المختلفة للفارق ما بين السعر الرسمي الخاص بالدولار الصادر عن مصرف سورية المركزي وسعره في السوق غير النظامية (السوق السوداء).

وفي استطلاعٍ لآراء ذوي الاختصاص وصانعي القرار الاقتصادي نجد أن معظم هذه الآراء متجانسة تقريباً ويتم تداولها يومياً من خلال وسائل الإعلام المختلفة، إلا أنها تفتقر إلى توجه محدد يوصف هذه المشكلة ويقدم حلاً متوازناً لها. وإذا كانت القرارات الحكومية تشكل العنصر الأكثر فاعليةً وقدرةً على التأثير في الأسواق لصالح المستهلكين فإن غياب الحكومة بشكلٍ غير مبرر عن الأسواق مرده إلى اعتماد المتحولات الكلية أساساً وحيداً في التحليل والذي غالباً ما كان يقو إلى نتائج خاطئة.

إذن هناك قصورٌ واضح في السياسة الاقتصادية للحكومة سببه غياب توجه عام ورؤية واضحة فيما يتعلق بالوحدات الجزئية الأساسية وهي المستهلكين والمنتجين وهو ما انعكس على ضعف القرارات الحكومية وعدم شموليتها لكافة مناحي الحياة الاقتصادية. فمعظم الأسباب المذكورة سابقاً والتي أدت إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار إنما ارتبطت بالحالة الاستثنائية للبلاد إلا أن توفر الأرضية الخصبة والمتمثلة بسوق مشوهة وغير محددة المعالم وغياب السياسة الواضحة تجاه هذه السوق أدى إلى سرعة انعكاس نتائج هذه الأسباب وسرعة تفاقمها.

ولكي نكون موضوعيين لا بد لنا من الإشارة إلى أن انخفاض سعر صرف الليرة السورية تجاه الدولار لا يعكس ضعفاً في الاقتصاد السوري فهو في جزء منه نتيجةً لتفاعل قوى العرض والطلب في سوق العملات الأجنبية والذي تجسد بالمضاربة على ارتفاع وهبوط سعر الصرف.

أما الجزء الأكبر منه فقد كان مقصوداً من قبل الحكومة بالتنسيق مع مصرف سورية المركزي وإلا بماذا تفسر مزادات بيع الدولار التي نظمها المصرف طالما أن المزايدين (المشترين) سيبيعون بسعر أعلى من الذي اشتروا به وبماذا يفسر فتح باب التمويل الخاص للمستوردات طالما أن المنتجين والتجار سيعملون على تلبية احتياجاتهم من القطع الأجنبي من السوق غير النظامية والتي يفوق سعر الدولار فيها سعره الرسمي المعلن من المصرف؟ لذلك نقول أن رؤية الحكومة تلاقت مع رؤية المصرف لجهة دعم الصادرات السورية بواسطة تخفيض سعر صرف الليرة بأدوات سوقية إذ ستنخفض أسعار السلع السورية مقومةً بالعملات الأجنبية مما يؤدي إلى زيادة الطلب الخارجي عليها وبالتالي إلى دفع عجلة الإنتاج ورفع مستوى التشغيل داخل الاقتصاد الوطني.

ولهذه الرؤية ما يبررها من الأرقام الإحصائية فقد خسرت سورية شركائها الرئيسيين في التجارة الدولية حيث تستحوذ الدول العربية على المرتبة الأولى بشرائها نسبة 40% من الصادرات السورية ثم يليها الاتحاد الأوروبي بنسبة 37% والملاحظ أيضاً أن الدولة المستهدفة من هذه الإجراءات هي العراق فهي أكبر شريك تجاري لسورية إذ تستحوذ على 47% من الصادرات السورية إلى الدول العربية إي ما يعادل 20% من إجمالي الصادرات السورية.

يضاف إلى ذلك أن هكذا إجراء سيغري العارضين الدوليين بارتفاع أسعار سلعهم مقومةً بالليرة السورية مما يدفع باتجاه زيادة عرض السلع الأجنبية داخل الاقتصاد الوطني ومن ثم انخفاض تكاليف الإنتاج داخل الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط مما يعني عودة الأسعار إلى التراجع، فنحن نستورد 26% من إجمالي مستورداتنا من الاتحاد الأوربي و 15% منها من الدول العربية تستحوذ السعودية على 31% منها. كما أن ذلك سيؤدي بدوره و على المدى المتوسط إلى تعويض الفاقد من احتياطي العملات الأجنبية نتيجة الظروف الراهنة وسيفرض حضور الليرة السورية في المبادلات الخارجية في ظل محاولات تقويضها ومحاربتها.


Copyright © 2020 Haykal Media, All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك