البُعد الاقتصادي وهجمة العولمة في أحداث سوريا

منشور 06 كانون الأوّل / ديسمبر 2011 - 02:15
إنّ دراسة طبقات سوريا الاجتماعية أفقياً ومصالح هذه الطبقات الاقتصادية والهيكلية السياسية للنظام وسياساته تكشف الكثير من تراكمات البعد المطلبي للشعب السوري
إنّ دراسة طبقات سوريا الاجتماعية أفقياً ومصالح هذه الطبقات الاقتصادية والهيكلية السياسية للنظام وسياساته تكشف الكثير من تراكمات البعد المطلبي للشعب السوري

ان البُعد الاقتصادي وهجمة العولمة في أحداث سوريا تفرض على المراقب أن يلتفت إلى مسألتين لفهم ما يجري اليوم: التحولات التي أصابت طبقاتها الاجتماعية وموقف سوريا من العولمة الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة والتي تفرض اصطفافات سياسية وعسكرية على دول المنطقة والعالم.

النظر إلى الطبقات الاجتماعية وانتشار العولمة لتحليل الأحداث العربية معروف بمنهج الإقتصاد - السياسي الذي أطلقه في الخمسينات الباحث الماركسي الفلسطيني حنّا بطاطو، الأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت، الذي وضع عدداً من المؤلفات عن سوريا والعراق، أصبحت منذ الثمانينات أساساً لمعظم المؤلفات الجادّة عن سوريا في الغرب. ذلك أنّ الطبقة الحاكمة في اي بلد تعكس مصالح طبقية تتشابك معها عوامل عدّة منها المذهبية.

حتى أنّ البروفسور ريموند هنيبوش رأسَ مركز أبحاث عن "الإقتصاد - السياسي" السوري في جامعة سانت أندروز في سكوتلندا. والبروفسور الألماني فولكر بيرتس، استاذ سابق في الجامعة الأميركية في بيروت وضع كتاباً محورياً عام 1997 بعنوان الاقتصاد السياسي في سوريا في حقبة الأسد، مؤكّداً أنّ لا بحث سياسياً يكون كاملاً عن سوريا بدون تحليل الخلفية الاقتصادية - الاجتماعية. ويرى هنيبوش أنّ أعمال وسياسات السلطة في سوريا نابعة من مصالح الدولة العليا وليس من مصالح أفراد في كتابه عن النظام السلطوي في سوريا.

أولاً – البعد الطبقي: إنّ درس طبقات سوريا الاجتماعية أفقياً ومصالح هذه الطبقات الاقتصادية والهيكلية السياسية للنظام وسياساته تكشف الكثير من تراكمات البعد المطلبي للشعب السوري. ولكن فهم البعد الاجتماعي الاقتصادي لا يكتمل دون درس الجانب العمودي للمجتمع وجذوره السابقة للاقتصاد الحديث، كتنوّعه الديني والمناطقي والعرقي وما يفرضه ذلك من تعدّدية في الولاءات والميول. كما أنّ فهم هذه العلائق الديناميكية افقياً وعمودياً يوضح تاريخ الحراك الاجتماعي في سوريا ويشرح خيارات السوريين وانتظامهم في أحزاب وجماعات منذ أربعينات القرن العشرين وحتى اليوم. ذلك أنّ الولاءات السابقة للاقتصاد الحديث تتخطّى الحدود الطبقية كما في لبنان، فتخرج ولاءات ثنائية أو ثلاثية: للطبقة الاجتماعية وللطائفة وللمنطقة، وأحياناً للإثنية (العربية أو الكردية أو الأرمنية). وقد يحصل أن يطغى الولاء الطائفي على أي ولاء آخر فيخرج إلى العلن في صراعات سياسية واقتصادية واجتماعية. ولقد وقعت مثل هذه الصراعات في سوريا في كل مرحلة من مراحل صعودها وحياتها الاستقلالية.

بالانتباه إلى التحولات الطبقية بخلفية اقتصادية ثمّة خطر يقع فيه المحللون والباحثون وهو تبسيط الأمور والتركيز السطحي على الجانب الطائفي كتفسير للأحداث وكأنّه العامل الأهم، دون الانتباه إلى العوامل الأفقية والعمودية الأخرى. وهذا خطر وقع فيه سياسيون وكتّاب عن لبنان والعراق على سبيل المثال، وأصبح الكلام منذ أواخر الثمانينات عن الأقليات المذهبية والعرقية في العالم العربي موضة أو نيّة خبيثة تحاول إظهار هشاشة المجتمع السوري.

وفي الحالة السورية برز خطاب دون غيره حول الهوة بين الغالبية السنيّة والأقلية العلويّة والعلاقة بين الانتماء المذهبي والوصول إلى مواقع السلطة. أو حتى اعتماد التحليل الطائفي في وصف سوريا. ولقد تصدّى عدد من الكتّاب للمنحى الذي يُغلّب البعد المذهبي على أي عامل آخر، ومن هؤلاء فولكر برتيس الذي وضع نقداً شاملاً للمنطق الأقلوي في الأبحاث التي تناولت سوريا، والباحثة الفرنسية إليزابث بيكار. ولا يمكن الوعي والسلوك الطائفيين أن يتحرّكا إلا ضمن الشبكة المصلحية الاقتصادية والصراع  على السياسة في البلاد.

وعلى هذا الأساس تصبح عوامل الحاجات الاقتصادية ومسائل الاستقرار والأمن وسياسة الدولة الإقليمية والدولية خاضعة لمصالح طبقية ومدارس فكر اقتصادي وسياسي وحسابات ربح وخسارة وليس إلى منطلق مذهبي. وتتمظهر الطبقات في مصالح تجارية ورسمية وعسكرية تجمع أطياف المذاهب كلها وليس طائفة بعينها. كما أنّ السياسات العليا تخضع لحسابات مؤسسية معقدة لا تشبه قرارات شخصية في تعيين محافظ هنا أو عسكري هناك. دون أن نلغي العامل الأكبر في أي حراك طائفي وهو سعي الاستعمار إلى إذكاء العصبيات منذ القرن الثامن عشر وحتى اليوم.   ثمة خمس قوى تصارعت على الساحة السورية في تلك الفترة هي (1) الاقطاع التقليدي في المدن و الأرياف و(2) الحزب السوري القومي و(3) الحزب الشيوعي و(4) حزب البعث و(5) الأخوان المسلمون. فتعاون تحالف يساري ضم البعث والشيوعي في القضاء على الحزب السوري القومي عام 1955 عبر قضية عدنان المالكي، ثم انقلب البعث على الشيوعي لمنع سيطرته على الحكم في سوريا وذلك عندما رمى قادة البعث سوريا في أحضان عبدالناصر عام 1957، وتولت مصر مهمة تدمير الحزب الشيوعي في سوريا. ثم ابتدأت ثورة  البعث عام 1963 وأوّل عمل للثورة كان القضاء على الاقطاع السياسي والاقتصادي. ولم يبقَ على الساحة من القوى الخمس الأساسية سوى البعث والأخوان.

أدّت ثورة البعث إلى صعود طبقة سياسية وإقتصادية جديدة بعد حرب طبقية خاضها النظام باسم العمال والفلاحين. ولم يكن ممكناً تدعيم شرعية النظام في سوريا بالاستناد إلى المنظمات الشعبية واعتراف الأحزاب الأخرى بل احتاج الأمر إلى بناء ولاء طبقي وشبكة زبائنية تعيش من النظام ومعه، وما يعنيه ذلك من ظهور فوارق اجتماعية مؤلمة وعدم مساواة وغياب العدالة الإجتماعية وبروز ملامح طائفية من حين لآخر.

وكان لبناء هذه القاعدة الطبقية والشبكة الزبائنية ثمن اقتصادي باهظ تحمّله النظام. وفي 1970 بدأ عهد حافظ الأسد الذي أطلق مرحلة طويلة من الإستقرار ووضع سوريا على الخريطة الإقليمية والدولية. كما دخلت سوريا في تحوّل اقتصادي نحو رأسمالية الدولة وتعاون القطاع العام مع القطاع الخاص كما حال التجربة الصينية. ولكن دولة البعث بقضائها على القوتين العلمانيتين المنافستين (الشيوعيين والقوميين السوريين) زرعت بذور أزمات الداخل مستقبلاً والتي تسلّل منها الغرب. فقد واصل الأخوان تنظيم صفوفهم بالعمل السرّي وكان عملهم الأساسي في تحريك الغرائز المذهبية التي لا تحتاج إلى جهد عقائدي كبير وقاموا بأول انتفاضة في نيسان 1964. كما انفجرت حركة إسلامية مسلّحة خطيرة داخل سوريا من 1979 إلى 1982. وكانت هذه الأحداث تقع على خلفية أزمات اقتصادية عدّة عمّقت الهوة في مستويات المعيشة وفي عدم رضى المدن والمحافظات، رافقها فساد ومحسوبية  وزبائنية وتجاوزات من الأجهزة الأمنية ورجال النظام. ورغم الضربات القويّة التي تلقتها القوى الاسلامية وخاصة بعد معركة حماة عام 1982 إلا أنّها استمرّت في تعزيز قوتها على الأرض وفي البلدان العربية والغربية حيث باتت في 2011 رأس الحربة في تهديد أركان الدولة التي بناها البعث.

ثانياً - خطر العولمة: تميّزت سوريا باستقلاليتها الاقتصادية نسبياً مقارنة بلبنان. ذلك أنّ لبنان ومنذ 1949 تحوّل نحو ديموقراطية ليبرالية برلمانية مبنية على محاصصة الطوائف ونحو الاقتصاد الحرّ وفي ما بعد نحو الديون والتبعية والإفقار، فيما توجّهت سوريا نحو اقتصاد اشتراكي موجّه ونحو القومية العربية ونظام الحزب الطليعي العلماني بمشاركة أحزاب الجبهة التقدمية والمنظمات الشعبية. ومنذ استقلال البلدين ارتبط لبنان إجمالاً بالرأسمالية الغربية والعالم الغربي، فيما كانت سوريا أكثر ارتباطاً بالقومية العربية والعالم الاشتراكي والعالمثالثي. ووصف الباحثون الغربيون نمط الدولة التي استقرت عليها سوريا بالسلطوية authoritarian المستقرة حيث تلعب البيروقراطية دوراً أساسياً في البلاد ويقود القطاع العام النشاط الإقتصادي في حين احتفظت قوى الأمن وأجهزة الدولة بدور مهم في الحكم. لقد سمح الاستقرار لسوريا أن تصبح لأول مرّة لاعباً أساسياً في الشرق الأوسط ودولة يُحسب لها حساب منذ 1970 وحتى كتابة هذه السطور.

ويرى فولكر بيرتس أنّ استقلالية سوريا في اتخاذ قراراتها الاقتصادية انعكست ايجاباً في حرية قراراتها في الحقول الأخرى السياسية والعسكرية ما جعل هذه الاستقلالية الفريدة من نوعها بين الدول  اليوم إحدى صفات سوريا المعاصرة. فغياب النفوذ الخارجي وخاصة الغربي سمح لسوريا باتبّاع سياسات بخطوات ضئيلة تجريبية باستطاعتها تعديلها والسير بغيرها إذا ظهرت علامات الفشل. وهو ميكانيزم تمنعه شروط الدول الخارجية والمنظمات الدولية على دول خاضعة لتأثيرها. وساهم هذا ا لميكانيزم في استقرار سوريا وفي عدم تدهور نظامها رغم كل التوقعات والحسابات الخارجية حتى بعد أزمات اقتصادية كبرى وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي ومراحل عزلة صارمة إقليمياً ودولياً وأزمات داخلية هدّد بعضها أركان الدولة في مرحلة 1980-2006. فكان الردّ السوري على كل التحديات، حتى لو كان الحلف الأطلسي يطرق بابها، يستند إلى قرار وطني داخلي.

ما ينتظر سوريا من أحداث هذا العام هو عزم الغرب واسرائيل والعرب التابعين للاقتصاد الغربي على فكفكتها وإضعافها اقتصادياً وربما عسكرياً أيضاً لتسير في طوابير الأمم التي هزمتها مسيرة العولمة الاقتصادية التي كادت تشبه القدر الذي لا يُردّ. فهل تقاوم؟

  كمال ديب  


Copyright © 2019 An-Nahar Newspaper All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك