الطلب على كوادر قطاع الطيران بالشرق الأوسط... التحديات والفرص

منشور 26 آذار / مارس 2012 - 12:26
هناك حاجة ملحة في القطاع إلى كوادر مؤهلة لسد النقص المتزايد
هناك حاجة ملحة في القطاع إلى كوادر مؤهلة لسد النقص المتزايد

شهدت منطقة الشرق الأوسط تقدماً مذهلاً على صعيد تحقيق الرؤية المتمثلة بتحويلها إلى ملتقى طرق عالمي، ومركز اقتصادي متنوع وقوة مؤثرة في مجال النقل، لا سيما في ظل الأهمية التي تتمتع بها مدن مثل دبي وأبوظبي والدوحة باعتبارها شبكة ربط لقطاع الطيران تصل بين الشمال والجنوب والشرق والغرب. ومع ذلك، يواجه قطاع الطيران اليوم تحدياً يعيق هذا التقدم، ويحتاج القطاع لمواجهته إلى اعتماد رؤية مماثلة والتحلي بروح المبادرة، من خلال تلبية الطلب المتزايد على الكوادر المؤهلة في قطاع الطيران.

وفي ظل سعي شركات الطيران في الشرق الأوسط إلى الاستفادة من النجاحات التي حققتها، تعمل هذه الشركات على توسيع حجم أساطيلها من الطائرات. ووفقاً لأحدث تقرير لتوقعات بوينغ الحالية لأسواق الطيران، من المتوقع أن يكون هناك طلب على أكثر من 2500 طائرة من قبل شركات الطيران العاملة في المنطقة على مدى السنوات الـ 20 المقبلة.

ولا شك بأن الآلاف من هذه الطائرات الجديدة المطلوبة لدعم هذا النمو، سوف تكون في المقابل بحاجة إلى تزويدها بمئات الآلاف من الطيارين وفنيي الصيانة المؤهلين. وكانت بوينغ قد أصدرت مؤخراً تقرير توقعات الطلب على الطيارين والفنيين لعام 2011، والذي تتوقع فيه أن يحتاج قطاع الطيران العالمي إلى 460 ألف طيار تجاري جديد و650 ألف فني صيانة على مدى السنوات الـ 20 المقبلة.

وتعتبر نتائج هذا التقرير مهمة جداً بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط: إذ هنالك حاجة إلى 36600 طيار و53 ألف فني صيانة على درجة عالية من الكفاءة للعمل في شركات الطيران في المنطقة ما بين الفترة الحالية وحتى عام 2030.

ويشهد القطاع في الوقت الحالي تضاؤلاً للدور الذي كانت تلعبه البنية التحتية التقليدية كداعم لجهود التوظيف في قطاع الطيران، وينطبق الأمر أيضاً على الفلسفات والمنهجيات ذات الصلة. ويعني هذا أن القدرة الحالية على استقطاب وتوظيف وتعليم وتدريب والاحتفاظ بالكفاءات البشرية ليست كافية لتلبية الطلب، وهو ما قد يحد من الفرص المذهلة لتحقيق النمو الاقتصادي وتعزيز حركة السفر.

في الواقع، هناك حاجة ملحة في القطاع إلى كوادر مؤهلة لسد النقص المتزايد. فقد عينت طيران الإمارات مؤخراً أكثر من 500 طيار جديد، لكنها، كما هي الحال بالنسبة لشركات طيران أخرى مثل الخطوط الجوية القطرية والاتحاد للطيران، تعاني من نقص الكفاءات البشرية في المنطقة. وتشهد شركات الطيران الاقتصادي الناجحة مثل فلاي دبي، والعربية للطيران وطيران الجزيرة، أيضاً نمواً متسارعاً وتواجه نفس التحديات التي تواجهها نظيراتها من شركات الطيران التقليدية (التي تقدم خدمات كاملة).

وبالنسبة لمنطقة متسارعة النمو، يمثل توفر الموارد اللازمة مطلباً ضرورياً، لا يقل أهمية عن رأس المال البشري المؤهل. ومن المفاجئ نوعاً ما أن تكون شركة الاتحاد للطيران، على سبيل المثال، والتي تعتبر واحدة من أحدث وأسرع شركات الطيران التقليدية نمواً، قد تمكنت من الاستفادة بسرعة من الخبرات المحلية غير المستغلة من الطيارات المؤهلات. وبالإضافة إلى ذلك، تنظر شركات الطيران إلى ما هو أبعد من حدود محيطها الذي تتواجد وتعمل فيه، حيث تقوم باستقطاب طيارين من شركات طيران وأسواق أخرى من العالم.

وفي هذا العصر الذي يتميز بالانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، تعمد جميع شركات الطيران في منطقة الشرق الأوسط إلى إنشاء صفحات للجمهور وحسابات على مواقع تويتر ويوتيوب وفيسبوك بهدف تعزيز إشراك الموظفين الحاليين والمستقبليين والتواصل مع العالم. ولكن إذا ما عرفنا أن مناطق أخرى من العالم تستخدم أساليب مماثلة، ونظراً لانحسار عدد الطيارين المؤهلين، لا يمكننا التنبؤ بنجاح هذا الأسلوب في المستقبل.

قد يكون عدد الطائرات القديمة التي تحتاج إلى استبدال في منطقة الشرق الأوسط أقل منها في مناطق أخرى من العالم، ولكن الطلب على الطيارين والفنيين في المنطقة ينمو بسرعة مماثلة لما تشهده أماكن أخرى، نتيجة للتوسع السريع والاستثمار في الجيل الجديد من الطائرات مثل بوينغ 777 و747-8 و787 دريملاينر.

إن دور هذه الطائرات الجديدة قد يقتصر على منح القطاع فرصة لإحداث تغيير جذري على مستوى الطريقة التي يعمل من خلالها على استقطاب وتعليم وتدريب الكوادر البشرية. ولا بد للقطاع من اعتماد نهج جديد يقوم بشكل كبير على التقنيات الرقمية الحديثة، تماماً كما هو الحال بالنسبة للطائرات الجديدة التي تمتاز بتطورها الرقمي والجيل الشاب الذي يشكل جزءاً كبيراً من قاعدة الموارد البشرية في القطاع.

يبدأ الأمر بالتدريب القائم على الإنترنت والأجهزة المحمولة، ما يسهم في توفير الورق، والأهم من ذلك أن هذه الطريقة تروق لطلاب هذا العصر. فهذه الكفاءات الجديدة تتميز بكونها بارعة في التعامل مع التكنولوجيا. ويحتاج القطاع إلى الأخذ بعين الاعتبار تطور الأجيال والتغيرات التكنولوجية التي تلعب دوراً في صياغة حياة شباب اليوم، ومن ثم تكييف منهجيات التدريب على الطيران وفلسفاته وأدواته- وحتى المدربين أنفسهم- مع الواقع الجديد.

ومن بين المنهجيات الجديدة في القطاع "رخصة الطيار العامل في طاقم متعدد الطيارين" (MPL)، البرنامج المصمم خصيصاً لتدريب الأشخاص الذين لا يمتلكون الخبرة الكافية في الطيران واللازمة لأن يصبحوا مساعدي طيارين على متن الطائرات التجارية. وسيصبح هذا البرنامج، الذي يركز على الأداء والكفاءة، الطريقة المعتمدة التي سيتم خلالها تدريب الطيارين حول العالم مستقبلاً.

وبحسب تقديرات بوينغ، سيتطلب الأمر أكثر من 1000 مدرب جديد متخصص في تدريب الطيارين في كل عام لتلبية هذا الطلب. ولتحقيق ذلك، سيحتاج القطاع إلى إرساء اتفاقيات شراكة مع شركات طيران ومدارس وغيرها من مزودي الخدمات التدريبية للوصول إلى طرق مبتكرة لتلبية الحاجة الملحة إلى الكوادر البشرية.

وتظهر الأبحاث أن المدربين يلعبون دوراً مهماً في عملية التعلم وتحقيق الأداء المطلوب. وفي المستقبل، سيكون لعامل الكفاءة الأولوية على عدد ساعات الطيران في اختيار الجيل القادم من مدربي الطيران. كما أن هناك حاجة في القطاع إلى لإرساء ورفع مستوى المتطلبات العالمية لقبول المدربين المعتمدين في أكاديميات ومدارس التدريب على الطيران حول العالم. وعموماً، سوف يحتاج الأمر إلى جهود واسعة على مستوى القطاع للتعاون مع المدارس والجامعات بهدف اجتذاب الكوادر المؤهلة للعمل في مجال الطيران.

إنه وقت مناسب جداً للانضمام إلى قطاع الطيران. فالأسواق تنمو والتكنولوجيا تتقدم. ويوماً بعد يوم، يلعب الجيل الجديد من الطائرات دوراً في جعل العالم أصغر وأصغر. ينبغي علينا دعم هذا النمو والمحافظة عليه من خلال العمل بجد لتعزيز إقبال الشباب والمواهب المتميزة والمبدعين والمختصين على العمل في قطاعنا.

تعد منطقة الشرق الأوسط مركزاً مهماً للنقل الجوي في العالم بفضل الرؤية المتميزة والالتزام في العمل على مدى عقود من الزمن. نحن بحاجة إلى رؤية والتزام مماثل الآن لإعداد وتأهيل موارد بشرية حيوية قادرة على تلبية احتياجات قطاع الطيران. إنها الطريقة الوحيدة لتحويل طموحات شركات الطيران في المنطقة إلى واقع ملموس وضمان إشراك قوى عاملة مؤهلة في المستقبل.

شيري كارباري


جميع حقوق النشر محفوظة 2019-2002م

مواضيع ممكن أن تعجبك