الربيع العربي.. فاتورة اقتصادية ثقيلة

منشور 11 كانون الثّاني / يناير 2012 - 12:28
إذا كانت تونس دفعت أقل الأثمان نتيجة الثورة، فإن سوريا دفعت أكبر فاتورة حتى الآن
إذا كانت تونس دفعت أقل الأثمان نتيجة الثورة، فإن سوريا دفعت أكبر فاتورة حتى الآن

تتفاوت التقديرات في شأن الفاتورة الاقتصادية للربيع العربي وتتراوح الخسائر حسب دراسات وتصريحات مختلفة ما بين 75 و100 مليار دولار حتى بداية العام الحالي، إضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى مستويات قياسية، وينذر الضرر الكبير الذي لحق بالبنية التحتية وتراجع الإنتاج والسياحة مع استمرار الاضطرابات في بعض البلدان وعدم استقرار الحياة السياسية في بلدان أخرى إلى رفع الكلفة وتباطؤ التعافي الاقتصادي. وأدى الربيع العربي حسب تقرير نشره موقع روسيا اليوم الإخباري إلى تعطل المشروعات وانسحاب معظم المستثمرين الأجانب، فقد انخفض حجم الاستثمارات الأجنبية في المنطقة العربية حسب خبراء مصرفيين بنحو 83 في المائة إلى أقل من 5 مليارات دولار، وتباطأت دورة الإنتاج في عدد من البلدان في شكل ملموس ما أثر في حجم الصادرات، وتراجعت السياحة إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، وتدنت نسبة الإشغال الفندقي في بعض الأوقات إلى أقل من 10 في المائة، ما تسبب في إغلاق بعض الفنادق والمطاعم، وارتفاع البطالة ونقص حاد في الوارد من العملات الأجنبية.

وتشير إحصاءات رسمية إلى ارتفاع نسبة البطالة في البلدان العربية عموما إلى 18 في المائة، أي ما يعادل 17 مليون شخص قادر على العمل جلهم من الشباب والخريجين الجامعيين. كالت المؤسسات الدولية المختصة المديح للاقتصاد التونسي في السنوات الأخيرة، وحل في مراتب متقدمة من حيث المناخ الاستثماري وإمكانية فتح الأعمال، وحقق معدلات نمو معقولة في ظل محدودية الموارد الطبيعية، لكن هذا الاقتصاد عانى مشكلات بنائية في اعتماده على السياحة وعدم صوغ سياسة تنموية جهوية متوازنة إضافة إلى بروز طبقة من المحيطين بالرئيس السابق زين العابدين بن علي وزوجته يمسكون بأهم مناحي الاقتصاد.

وفي العام الماضي تراجعت السياحة إلى النصف، مما حرم البلد من مصدر مهم للنقد الأجنبي، وتقلصت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنحو الخُمس، وأغلقت العديد من المصانع أبوابها. لكن الاستقرار السياسي النسبي وقصر الفترة الانتقالية ساهما في دعم جهود الحكومة المؤقتة التي قادها الباجي قايد السبسي ونجاحها في منع الاقتصاد من الانهيار، والحفاظ على مستوى جيد من احتياطات النقد الأجنبي، والسيطرة على التضخم. ما قلص الخسائر المباشرة لثورة الياسمين التي وصلت إلى (3.52) مليار دولار، وحدَّ من انعكاسات الأزمة الليبية والديون الأوروبية على تونس. وتجمع المؤسسات البحثية وخبراء الاقتصاد على أن الاقتصاد التونسي في العام الحالي سوف يتعافى من معظم الآثار السلبية للثورة وأنه يمكن أن يحقق نمواً قد يصل إلى أكثر من 9 في المائة. في حال استطاعت الحكومة تعزيز الأمن، وإيجاد فرص عمل، ودعم النشاط الاقتصادي، وتيسير الحصول على تمويل، وتعزيز التنمية الإقليمية، وتقديم مساعدات اجتماعية هادفة، إضافة إلى تبني حوافز ضريبية ومالية لدعم الاقتصاد الوطني.

أما في مصر فقد تأثر الاقتصاد المصري كثيرًا في العام الماضي، وأصيب قطاع السياحة والقطاعات المرتبطة به بشلل شبه تام، وتراجع عدد السياح إلى بلد الأهرامات والشواطئ الدافئة على البحرين الأحمر والمتوسط إلى بضع مئات الألوف من نحو 14 مليوناً في عام 2010، ما حرم اقتصاد البلاد من أهم مصدر للدخل، وتضرر قطاع البناء والتشييد كثيراً نتيجة أحداث ثورة 25 يناير وما تلاها، وتراجع إنتاج الحديد والصلب بنحو 40 في المائة، وهوى حجم الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 93 في المائة إلى 376 مليون دولار كما انخفض احتياطي مصر من العملات الأجنبية إلى أقل من النصف مع نهاية العام الماضي إلى (18.1) مليار دولار من 37 ملياراً في بداية الأزمة. ونتيجة للوضع الاقتصادي المتردي، وعدم وضوح المستقبل السياسي خفضت وكالات التصنيف الائتماني تصنيف مصر عدة مرات مع نظرة مستقبلية سلبية. واتسمت السياسة المالية بالاضطراب نتيجة للمظاهرات الفئوية التي عمت الشوارع والساحات بعد نجاح الثورة.

ورغم سيل السلبيات فقد حافظت الحكومات الانتقالية على سعر صرف الجنية من الانهيار الكبير. ورغم صعوبة أوضاع الاقتصاد المصري فإن خبراء يعتبرون أن مهمة الإصلاح ليست مستحيلة لكنها تحتاج إلى خطوات جريئة، وإصلاحات جذرية تتضمن الاستغلال الأمثل للموارد البشرية المعطلة، وحفز السياحة وقطاعات الصناعة المختلفة، وفي مقابل تقلص حجم الاقتصاد في العام الماضي فإن التوقعات تشير إلى إمكانية تحقيق نمو في العام الحالي لكنه لن يكون مثل معدلات النمو التي سبقت الثورة وبلغت (5.5) في المائة في سنة حكم مبارك الأخيرة. وإذا كانت تونس دفعت أقل الأثمان نتيجة الثورة، فإن سوريا دفعت أكبر فاتورة حتى الآن وتقترب حسب خبراء من 30 مليار دولار، ومن الممكن أن ترتفع جراء استمرار الأزمة، وتصاعد نهج العقوبات الاقتصادية العربية والدولية، وفيما فتحت العلاقات التجارية مع العراق نافذة أمل لتجاوز وطأة العقوبات، لعبت السياسة الاقتصادية والنقدية في البلاد دورا كبيراً في خلق أزمات جديدة.

ورغم أن الاقتصاد السوري يوصف دومًا بالتنوع والقدرة على الصمود في وجه الحصار والعقوبات التي ألفها في ثمانينات القرن الماضي، إلا أن القرارات الحكومية تسببت في مشكلات إضافية عمقت الأزمة مثل تقلص احتياطات النقد الأجنبي بعد محاولات مصرف سورية المركزي ضبط سعر صرف الليرة عبر طرح مزادات لبيع العملة الأجنبية لم تؤد إلى النتيجة المطلوبة بل ساهمت في زيادة ثروة تجار الأزمات، ووصل سعر الصرف إلى حدود 60 ليرة للدولار أي أن العملة الوطنية فقدت ربع قيمتها في الأشهر الأخيرة.

وكان الأجدى حسب خبراء توجيه تلك المبالغ من أجل دعم المنتج الوطني والسوق الداخلية. كما أدى قرار وقف الاستيراد إلى ارتفاع الأسعار واحتكارها قبل التراجع عنه لاحقاً كما كان لإيقاف العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، وما تبعها ن توقف الشاحنات السورية المتوجهة إلى تركيا وبالعكس الأثر ذاته.


© جميع الحقوق محفوظة لجريدة الوطن القطرية 2019

مواضيع ممكن أن تعجبك