الربيع العربي.. والنموذج الإسلامي للاقتصاد

منشور 11 كانون الأوّل / ديسمبر 2011 - 05:56
ما نشاهده اليوم من فرق شاسع بين تركيا المتوثبة اقتصادياً واليونان المفلسة لدلالة واضحة أن الأحزاب الإسلامية قد تلعب دوراً كبيراً في إعادة الثقة والشعور العام للشعب، خصوصاً إذا نجحت في تحقيق العدالة والكرامة والمساواة، والقضاء على الفساد
ما نشاهده اليوم من فرق شاسع بين تركيا المتوثبة اقتصادياً واليونان المفلسة لدلالة واضحة أن الأحزاب الإسلامية قد تلعب دوراً كبيراً في إعادة الثقة والشعور العام للشعب، خصوصاً إذا نجحت في تحقيق العدالة والكرامة والمساواة، والقضاء على الفساد

لم تكن الأوضاع الاقتصادية سبباً مباشراً فيما يسمى مجازاً الربيع العربي فتونس كانت تنعم بأفضل المؤشرات العامة للعالم العربي، ومصر كانت تنمو بخطوات اقتصادية ثابتة فالشرارة الأولى لانطلاق هذا الربيع حدثت في تونس جراء الإهانة، وغياب العدالة، وانتشار الفساد, فلو كان الشاب (المواطن) المصفوع على وجهه من الشرطية (السلطة) يدرك أنه سيحصل على محاكمة عادلة، تستعيد كرامته، دون أن يدخل في متاهات التودد ودهاليز فساد البيروقراطية، لما أقدم على إحراق نفسه لذا فإن شعلة المطالب هي العدالة، والكرامة، والقضاء على الفساد.

وهذه العناصر الثلاثة هي ما دفعت ملايين الشباب المصري للخروج في مظاهرات عارمة جراء سيطرة الحزب الحاكم على مقدرات البلاد، والذي فاز في انتخابات كانون الأول (ديسمبر) 2010 بطرق ملتوية، وواصل نفوذه السيئ في تخصيص المرفقات الاقتصادية لذوي العلاقة والجاه، وحرم الأحزاب الأخرى منها ومن المشاركة السياسية. من تلك المقدمة نستنتج أن الأسباب الاقتصادية لم تكن محركاً لثورة الشعوب، بل إن هؤلاء الشباب يدركون أن للثورة تضحيات كبيرة وتكاليف عالية هي بالدرجة الأولى تكاليف اقتصادية واجتماعية تتمثل في ازدياد أعداد العاطلين عن العمل، وتراجع الاستثمارات، وتراجع العملة الوطنية، وانخفاض الأسواق، ونضوب الاحتياطيات، ومزيد من الاقتراض الخارجي، مما يؤثر في النمو الاقتصادي بشكل كبير. وهذا بالفعل ما حدث فقد تراجعت المؤشرات الاقتصادية بشكل كبير في دول الربيع العربي. وستكون من أولى المهمات وأكبر التحديات للحكومات الجديدة إعادة المؤشرات إلى مرحلة ما قبل الربيع العربي. فهل تستطيع فعل ذلك؟ سأحاول الإجابة باختصار للحيز المتاح لهذا المقال.

يبدو أن التيار الإسلامي هو من سيدير دفة الحكم في معظم بلدان الربيع العربي. وسيتبنى أجندة وحلولا إسلامية في معظم قراراته الاقتصادية، مما قد لا ينسجم مع مرحلة ما بعد الثورة التي تتطلب انفتاحاً كبيراً على الاستثمارات الأجنبية، وتشجيع القطاع الخاص، وحل مشكلة العاطلين، ورفع نسبة النمو ففي ليبيا أعلنت الحكومة تبنيها المصرفية الإسلامية، التي قد تواجه مصاعب في عملية تمويل المشاريع الضخمة المتوقعة في البنية التحتية والنفط، والتي تحتاج إلى تمويلات ضخمة لا يمكنها أن تتوافر إلا بتمويل أجنبي قد يكون في معظمه تقليدي. وفي حال وصول الإسلاميين للحكم في مصر فإن قروضا ضخمة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قد تحمل تكاليف ربوية لا تستطيع هذه الحكومات تجنبها ولا يمكنها إغلاق المنتجعات السياحية أو فصل الاختلاط لأن ذلك سيؤدي إلى تدهور السياحة التي تدر دخلاً كبيرا على القاهرة. وفي حال اتخاذها تدابير متحفظة جداً فقد تكون طاردة للاستثمار الأجنبي وكذلك السياحة الأجنبية وبالتالي تفاقم معدلات البطالة.

إن هذه التكهنات تتخذ منظوراً مبدئيًا عطفاً على التصورات الأولى لما تنشره الصحافة عن التيارات الإسلامية وليس لما ستطبقه عند وضع سياساتها النهائية, إلا أن التجربة التركية تبدو مشجعة لتبني السياسات الاقتصادية التي انتشلت تركيا من تدهور اقتصادي ومالي في التسعينيات إلى اقتصاد قوي ووثاب في الوقت الحالي ففي التسعينيات رفض الاتحاد الأوروبي دخول تركيا للوحدة الأوربية وفضل عليها اليونان التي تلاعبت بأرقام بياناتها الاقتصادية التي أدت إلى تعثرها وجر القارة الأوربية إلى أزمة مالية تهدد اقتصاديات العالم بصورة خطيرة.

وما نشاهده اليوم من فرق شاسع بين تركيا المتوثبة اقتصادياً واليونان المفلسة لدلالة واضحة أن الأحزاب الإسلامية قد تلعب دوراً كبيراً في إعادة الثقة والشعور العام للشعب، خصوصاً إذا نجحت في تحقيق العدالة والكرامة والمساواة، والقضاء على الفساد. وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع الإنتاجية، والإخلاص في العمل، والشعور العام بالرضا، مما يؤدي إلى نمو وتوظيف أفضل مما كان قبل الربيع العربي.


Copyright © Saudi Research and Publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك