مسلسل "ما فيي" بين دراما جيدة في الموسم الأول وسقوط كبير في الثاني

منشور 13 تمّوز / يوليو 2020 - 12:43
مسلسل ما فيٍ بين دراما جيدة في الموسم الأول و السقوط الكبير في الموسم الثاني...
مسلسل ما فيٍ بين دراما جيدة في الموسم الأول و السقوط الكبير في الموسم الثاني...

بقلم: فراس الور

ربما أقرب ما يمكن ان يقال حول الموسم الثاني من هذا العمل انه مخيب للآمال و قد خالف كل توقعاتنا كنقاد للدراما و محللين لها، فبعد أن كان الموسم الأول منه مقبولا جدا يمتاز بعامل التشويق و الإثارة والحبكة الدسمة ولعدة أسباب سنمر عليها بسرعة  في هذه المقالة، نرى فقرا دراميا صادما بكل معنى الكلمة تعاني منه تقريبا ثلثا حلقات العمل، فمما لا شك به أن الحبكة والرواية الدرامية والصراع بين ابطال العمل مواد موجودة وحاضرة في حلقات المسلسل، إذ مرّ العمل بالمراحل الموزونة لأي مسلسل كبداية موفقة استهل بها أولى حلقاته، ثم سار تصاعديا بأحداثه نحو الذروة، ومن ثم رأينا خاتمة العمل سعيدة بين ابطاله، ولكن لو دققنا بما احتوته الحلقات من أحداث لرأينا كارثة درامية لا يمكن أن نمر  عنها مرور الكرام حتى، من دون أن نحللها.


الموسم الأول رأى تعملقا كبيرا بين أقطاب الخير والشر، فكان هنالك العائلة الأرستقراطية التي لها نفوذ كاسر بضيعتها، وكان كبيرها يوسف عبدالله وكنيته بالعمل أبو فوزي (أحمد الزين) مع حفظ الألقاب، وهو شخصية كاسرة بمنطقته يسيطر على الحياة الاقتصادية  والسياسية فيها، وحتى على كراسٍ ادارية حساسة كرئاسة البلدية وغيرها من المفاصل الإدارية بمنطقته.

رأينا أيضا كم كان تأثيره كبيرا على أسرته و لو بصورة سلبية، ففي بدايات العمل تظهر  حفيدته يمنى فوزي (زينة مكي) بدور مدمنة مخدرات لنشاهد ان حالتها وسلوكها المتهور كابنة أثرياء جعلها تقود السيارة وهي تحت تاثير المخدرات لتصدم ولدًا بالشارع، ورأينا كيف تعامل أهلها مع هذه الحادثة بواسطة نفوذهم و كيف تمت لملمة الموضوع مع أطراف النزاع لتفلت يمنى من شر تهورها، فنفوذ جدها كان حبل نجاة كبير لها، وأظهر العمل معاناة العائلة من الفساد والانهيار حتى بعلاقاتها البينية بين افرادها والمانع الوحيد لانهيارها كان الجد أبو فوري الذي كان يمسك بزمام قيادتها وقيادة شركاتها.

بصراحة، كان من أسباب نجاح هذا الجزء كمية الدراما الدسمة وطبيعة الشخصيات التي احاطت بها فكانت مبنية دراميا بصورة ممتازة، فقدرة أحمد الزين الكبيرة على تقديم شخصية ابو فوزي بجبروتها وطغيانها على من حولها وانغماس أهل بيته في حياة الفساد التي كانوا بها من جهة، وظهور فارس (معتصم النهار) ودخوله إلى الضيعة فجأة من دون إنذار مسبق و ارادته بترتيب مطعم العائلة من جديد و بحثه عن أسباب وفاة والديه، ثم احتدام الصراع بين الأبطال على خلفية هذا الماضي الذي بقيا مبهما في العمل إلى آخر الحلقات.

كان كل هذا وقودا دراميا كبيرا شَوًقَ المشاهدين لمشاهدة العمل من أوله إلى آخره، فما اقسى على عائلة كبيرة كعائلة أبو فوزي أن يأتيها شخص من غياهب ماضي بعيد يبحث فجأة بدفاتر قديمة عن جريمة اعتقدت بأنها طوت صفحتها منذ زمن، كان العمل يتمتع برواية جميلة جدا مكنت الكاتبة بكل اقتدار من خلق كمية احداث درامية و توزيعها بعناية كبيرة طوال الثلاثين حلقة.

فلم نشعر بالملل خلال الموسم الأول، ولا يسعني إلا و أن اثني على دور كل الفنانين الذين قاموا بعملهم على اكمل وجه وأمتعونا بقدرات ومواهب راقية جدا أشعرتنا بأن الدراما اللبنانية تنهض معها  إلى مراحل جميلة من الإبداع تعطش السوق لها منذ فترة.

ولكن على النقيض تماما، رأينا بدايات في الموسم الثاني باردة من أي تشويق أو ايقاع درامي حتى، وكأن البدايات كانت تتألف من بضعة قصص مفككة تتمحور عليها حياة الأبطال لا علاقة لها بخط درامي واضح متصل بالحبكة وجوهر الصراع بالمسلسل وهو صراع أل يوسف عبدالله مع فارس وعشق فارس ليمنى، وكانت الرواية مشوشة المعالم لا يفهم منها حتى بتصاعدها نحو الذروة أي شيء.

فراينا علاء الصباغ (وسام الصباغ) كاتب السيناريو يسكن بجوار صباح ابنة المرحوم ابو فوزي، ورأينا علاقة تنشأ بينهما و لكن لم نرى نضجا اطلاقا بمعالجتها دراميا فبدت  كأنها تنتمي لرواية ثانية دخيلة على رواية ما فيٍ، هذه القصة لم تتفاعل مع جوهر الصراع بالمسلسل بشيء ولا حتى أخدت ذروة ساهمت بتسارع وتيرة الإثارة بالمسلسل بشيء.

حتى حينما علمنا عن مشاكل علاء المرضية وعدم قدرته على الإنجاب تم حل هذه المشكلة بكارثة وهي اقناع دلع بالتخلي عن ابنتها وهذه فاجعة كبرى أدبيا واخلاقيا، وحياة علاء ككاتب سيناريو بقيت بالظل من دون تبرير مقنع لتغدو الشخصية جافة من دون حياة روائية، لو رأينا قليلا عن حياته المهنية لكانت شخصيته قدمت بصورة انضج من ما رأينا، لو رأيناه يتقرب من اسرة صباح كشخص يريد الإرتباط بها ورأينا تفاعل اقوى ربما بينه وبين اسرة صباح لكانت كل هذه الأمور عبارة عن زخرفات ادبية كانت لونت هذه القصة اكثر و نفخت فيها حياة اكثر مما رأينا، ورأينا ايضا تفاحة (ليليان النمري) تتعرف على دلع (ميشال وهبة) ابنة الشارع التي تكون ضحية عائلة مجرمة ومفككة، ورأينا كيف جلبت لحياة تفاحة ويمنا المشاكل الكبيرة وكيف انتهت حياة يمنا بسبب هذه المشاكل، رواية درامية ثانية دخيلة أدبيا على العمل من دون اية روابط روائية قوية تربطها مع حبكة العمل.

فتتطور هذه الرواية على حدة بالمسلسل من دون ان نشعر بصلتها بالحبكة او جوهر الصراع او بأبطال العمل، كان من الممكن ان تعالج باسلوب درامي مختلف تماما و تكون حبكة ثانوية قوية مساندة للنص لو كان هنالك فن اقوى بصياغتها.

اما علاقة يمنى بعصام فكانت عبارة عن علاقة غرامية ضعيفة البُنْية، وكانه كان بين ايدينا صراع ذاتي قوي جدا داخل يمنى يمزقها بين حبين كبيرين وكان يمكن استغلاله باسلوب درامي مؤثر اكثر مما رأينا، فبين فارس وعصام تاهت يمنى لفترة ليست بقليلة  لكن حينما قررت الهروب من ما تعاني منه ارتبطت بعصام، وهنا وجدت مشكلة درامية تمت معالجتها بأسلوب ضعيف جدا، فإصرار عصام ان يمنى لم تتجاوز عشقها لفارس كان موجود قبل ان يتزوجا، وكان سبب خلاف بينهما لفترة من الوقت اثناء الخطبة.

 ورغم هذا الأمر قَبِلَ بها كزوجة في حين انه لو كان فعليا بعاني من مرض الشك كان سيمتنع عن الإرتباط بها بسبب هذا الشك، أو كان سيتردد على الأقل بأكثر مما رأينا، لنتجاوز هذا الأمر قليلا وننظر الى حقبة ما بعد الزواج، فهاجمها ايضا وبصورة متكررة منذ ايام الزواج الأولى لنفهم ضمن سياق الأحداث انه إنسان شكاك، لتوجد هنا مشكلة درامية ثانية، فتكررت مشاهد الخلاف بين عصام ويمنى حيث اتهمها بالخيانة بأكثر من مناسبة ليصبح هذا تكرار ممل للمشاهد.

شخصية عصام تم تقديمها بصورة سطحية ففجأة تم تقديمه لنا بأنه مريض بالشك بعد ان كان الطبيب الوسيم المثقف الذي يحاول مساعدة اهالي الضيعة، فلم نعلم شيئًا عن لماذا اصيب بهذا المرض النفسي، فما يعاني منه عصام من شك ليس طبيعيا او يتعدى مسألة شكوك ذاتية آنية، بل انه مرض لا يستطيع التغلب عليه بمفرده وتخطيه للإنطلاق نحو زواج ناجح وعلاقة طبيعية، بل أصبح يشك بكل أمر تفعله زوجته في آخر ايام علاقته بها، لذلك هو محط انظار المشاهد لأن زوجته تتعذب منه فكنا سنقدر لو اضافت الكاتبة بعض من المشاهد عن حياته الماضية، قليل من الزخارف الأدبية او الروائية لتجميل المشهد، تخيلوا لو شاهدتم لوحة طبيعية لكوخ جميل وسط ارض و فوقه سماء زرقاء و شمس منيرة ولكن تخيلوا معي نفس المشهد لو اضفنا بعضًا من الجبال بالأفق البعيد للوحة وراء الكوخ ثم بعض من العشب الأخضر حوله على الأرض وبعض من الغيوم البيضاء الخفيفة بالسماء، هذه الزخارف ستجمل المنظر أكثر.

وكذا اكرر ان قصة عصام ويمنى كان ممكن ان تكون اجمل ببعض مشاهد درامية لينطق لنا عصام أكثر بقليل، لتتباين علاقته مع يمنى بماضي ربما يعذبه قد يكون سبب مرضه.

رواية سلمى (كارمن لبس) و كارين (سنتيا صموئيل) صادمة جدا، فلا مكان لها دراميا بالعمل بالرغم من انها مستوحاة من واقع أليم، انها قصة من الممكن ان تحدث مع اية اسرة مغتربة ببلاد الغرب، ولكن مع الأسف زُجً بها بالمسلسل من دون تروٍ او دراسة إطلاقا، ففجأة دخلت سلمى وكارين على حياة ابطال الرواية بقصص تختلف كثيرا جوهرها عن طبيعة الحبكة التي بين يدينا، احتكاك كارين بفارس على وجه التحديد لم يخفف كثيرا غربة هذه الرواية عن المسلسل، بل حينما اتخذت هذه العلاقة شكل صراع وانكشف سر كارين وسلمى بقية هذه الرواية بعيدة عن موضوع المسلسل وكأن فارس وكارين مسلسل آخر مختلف داخل هذا المسلسل الذي نناقشه هذا غير مقبول اطلاقا.

اشعر وكأن كل الروايات التي ذكرت بهذا النقد كانت محاولة لتعبئة الثلاثين حلقة بأحداث درامية ولكن بأسلوب غير ناضج إطلاقا وكأنها سردٌ عبثي لما حدث مع الأبطال بعد الموسم الأول من دون ان تحاك رواياتهم دراميا بعناية في صميم جوهر المسلسل.

ستتنوع القصص بأي مسلسل ولكن ليس بهذا الاسلوب الضعيف، شعرت و كأن كل القصص التي حدثت مع الأبطال سالفي الذكر كانت عبارة عن مسلسلات بمفردها تم إلصاقها بعمل واحد تحت مسمى ما في الموسم الثاني، مع كل  أسف.

القصة الوحيدة التي شعرت بأنها دراميا ارتقت لتكن ذروة ثانوية لحكبة العمل الرئيسية حيث خدمة وتيرة التشويق به وشكلت صراع قوي ساعد بتنوع احداث العمل بأسلوب درامي متقن هو هروب لارا (نتالي شوفاني) مع ابنتها من منزل عائلة حماها، فلارا انغمست بدور متقن و بأسلوب الفنانين المحترفين حينما ابتدأت مشوار هروبها من الفيلا. فحينما هربت كانت تعاني من تعب نفسي بسبب تشكيك زوجها و عائلته بصحتها النفسية، فكانت في حالة ارهاق كبيرة جدا.

وحينما استأجرت الشقة بعيدا عن عائلة زوجها كان المرض النفسي يتطور معها الى مستويات كبيرة لا تحمد عقباها، فرأيناها تقدم هذا الدور بِمَلَكَة ممتازة جعلتنا نتفاعل معها ونتعاطف معها بصورة كبيرة، والذي كان ملفت للنظر قدرتها كممثلة تقديم مراحل المرض الكبيرة والمتقدمة حينما ابتدأت العرافة بالنصب عليها  اعطائها جرعات وكأنها ادوية للهلوسة، فأصبحت عالقة ببراثن هلوسات وتعب نفسي ودخلت بحالة كانت تهيئها لإنهيار عصبي كبير.

دور دسم فعليا يذكرني بالعملاقة الكبيرة رندا الكعدي بمسلسل ومشيت حينما اخذت دور ام الشهيد، انا اعلم ان الأدوار مختلفة، و لكن احاكي هنا موهبة و دسامة و قدرة بتقديم الدور.

الصراع بين فارس و يوسف أخذ مداه الدرامي بصورة فقيرة فلي مأخذ على دوافع يوسف بمهاجمة فارس، فهل كانت كفيلة بمحاولة تحطيم غريمه التقليدي وهو الأقوى منه ماديًا؟ ألم تكن الثروة التي بين يداي يوسف كفيلة لتجعله ينافسه بمشاريع تجارية بدلا من مطاردته ومهاجمته شخصيا من حين لآخر؟ يوسف بين يديه ثروة و عقارات فهل يعقل ان يقف وريث شرعي كبير لإمبراطورية ابو فوزي العبدالله مكتوف الأيدي من دون اية استثمارات ليديرها وليدير عوضا عنها حرب ضروس على فارس كانت اشبه بالحروب التي يديرها غلمان الشوارع مع بعض؟ ولتغدو هذه المواجهة غير منطقية اطلاقا؟ حتى وان كانت مَصَانِعَهُ تعاني من قلة سيولة مادية وبالتالي باعها في اولى حلقات العمل هذه عائلة لا تزال تمتلك ثروات ضخمة واعادة بناء شركاتها ممكن جدا.

 ولكن رأينا من يوسف تصرفات منافية للمنطق تماما، رأيناه يستسلم لمشاعر كره لفارس ويهمل اسرته بالكامل فوقف مكتوف الأيدي غير قادر حتى على بيع عقاراته لاعادة بناء استثمارته، ما هذا؟ لا اقصد اعادة كتابة المسلسل دراميا ولكن إن لم يكن بناء الشخصية منطقيا وبحسب الأصول ستغدو ضعيفة غير مقنعة للناس، فهذا كان ضعفا فاضحا بشخصية يوسف؟ وموقف والد يوسف الذي كان مكتوف الايدي لا يقوى على فعل شيئ بتصويب تصرفات ابنه لا أفهم ما قد جرى هنا بالضبط؟ 

مما لا شك به ان هذا المسلسل غير مكتمل الابعاد روائيا فرأيت تقصيرات بعناصره صدمتني، فرأي كناقد فني ومحلل درامي بأنه كان غير جاهز للإخراج وللعرض إطلاقا فأستغرب كيف اجازته الشركة المنتجة، المسلسل اللبناني لا ينافس بمفرده بالسوق بل هنالك مسلسلات تسكن حرفة الإنتاج الدرامي في بلادها منذ عتقية الزمن، فلذلك وجب على اي منتج درامي في لبنان ان يدرك بانه ان لم يعط مسلسله الدراما اللبنانية قيمتها فإبقاؤه في درج الكاتب افضل الى حين اتمام تفحصه جيدا.

للمزيد من قسم الترفيه:

جان يامان استغل هذه الفنانة بهدف المواعدة ومن ثم تخلى عنها!
نانسي عجرم : "فادي مات؟ فادي ما مات؟".. ثواني حابسة للأنفاس في قضية مقتحم الفيلا!
شجار وإنهاء خطوبة نجم طيور الجنة الوليد مقداد.. ما القصة؟


© 2000 - 2020 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك