النموذج القطري.. قصة نجاح

منشور 14 كانون الأوّل / ديسمبر 2011 - 08:25
النجاح القطري يسعدنا لأنه يقدم نموذجا ناجحا لمجتمع عربي وخليجي ويغير الصورة النمطية السلبية السائدة في أدبيات الغر
النجاح القطري يسعدنا لأنه يقدم نموذجا ناجحا لمجتمع عربي وخليجي ويغير الصورة النمطية السلبية السائدة في أدبيات الغر

يشكل النموذج القطري حالة استثناء ليس في محيطة العربي بل وفي محيطه الخليجي أيضاً. قطر قصة نجاح لنموذج لا يخشى التحديات والمواجهات. ستكتب عن قطر ودورها الكتب ورسائل الدكتوراه والماجستير بسبب مخالفته لنظريات العلاقات الدولية وما هو متعارف عليه في الدراسات الدولية والاستراتيجية حول هامشية وفي أحسن الأحوال محدودية الكيانات والدول الصغيرة في التأثير أو لعب أي دور يذكر في المحيط الإقليمي أو الدولي لتلك الكيانات والدول.

ليس هذا فحسب، بل إن القيادة القطرية لا تخشى من مواجهة تحديات غير مسبوقة في حجمها ووعورتها وأهميتها. فلم يمنع القيادة القطرية أن تنافس للفوز باستضافة كأس العالم لكرة القدم ونجحت بذلك! في انجاز أبهر العالم لتعارضه مع الواقع والمنطق والجغرافيا والحجم والطقس. ولكن كل ذلك لم يمنع قطر من الإصرار والنجاح! ولم يمنع صغر وبعد وقدرات قطر من المشاركة والوقوف كتفا بكتف مع الناتو في مهمات عسكرية فوق ليبيا البعيدة في تطبيق قرار مجلس الأمن بفرض منطقة حظر فوق ليبيا. ولم تمنع التحديات فريق السد القطري من مواجهة أقوى وأكبر فريق كرة قدم في العالم صاحب الانتصارات المدوية من مواجهته غداً ونحن مع السد في مباراة نصف النهائي في بطولة كأس القارات في اليابان!

واليوم تبرز قطر مع شقيقاتها الصغيرات في دول مجلس التعاون الخليجي وخاصة الإمارات العربية المتحدة وإلى حد ما الكويت وبدعم وغطاء وتنسيق سعودي وقيادة من الخلف لتبرز بالتالي دول مجلس التعاون الخليجي كقائد غير منازع في الشأن العربي. خاصة مع غياب الدول المركزية العربية الكبيرة كمصر المنهمكة بالشأن الداخلي والعراق الغارق في تشظيه وتشتته وهيمنة الآخرين في شؤونه. وسوريا التي تترنح بين الحرب الأهلية والضياع في أكبر تحد للنظام السوري الذي يقدم الحل الأمني ويقاوم الواقع والمنطق وعجلة التاريخ والتغيير. ولعب الربيع العربي دور المحرك والمسرع لبروز نجم دول المجلس وخاصة قطر والإمارات ورأينا ذلك خاصة في البحرين واليمن وعمان وليبيا وسوريا. ورأينا حضور الجزيرة في ذلك كله بالإضافة لتونس ومصر.

لا شك أنه كما ذكرنا في مقالة سابقة في هذه المساحة «قطر الصغيرة تغيّر نظرية العلاقات الدولية وقواعد اللعبة. بقلب وأحلام ومشاريع كبيرة.. والحجم لم يعد عائقا والصغر والقدر لا يحكم على الكيان بالتهميش ويحد من إمكانيات وقدرات وأحلام الكيانات والدول». وفي شهر أبريل 2010 عندما علقت على ما نسميه في علم الدراسات الاستراتيجية القوة الناعمة ومنها: «قوة قطر الناعمة صاحبة أكبر نمو اقتصادي ودخل فردي في العالم وكذلك قدرتها على أن تصبح الدولة الأولى المصدرة للغار المسيل في العالم، والذي سيكون المصدر الرئيسي للطاقة في العالم بحلول عام 2025، حسب الاستخبارات الوطنية الأميركية. وفي ديسمبر 2010، أضفت في مقالة أخرى لسلسة انتصارات وتميز قطر في مجالات التحول لمركز المؤتمرات والجامعات ومراكز الدراسات وحل النزاعات والتوسط وعقب انتزاع قطر حق شرف استضافة تصفيات كأس العالم لكرة القدم لعام 2022 كأول دولة عربية وإسلامية وشرق أوسطية متحدية جميع التحديات والعراقيل والتعصب وحتى عوامل الطبيعة والمناخ، كتبت يومها معلقا تحت عنوان: «قطر تصنع التاريخ ... وترفع رؤوسنا» «في عصر الوهن والتراجع والتهميش العربي الذي أصبح واقعاً معاشاً وصفة تلازمنا وبشكل محبط تبرز دولة قطر لتعيد الثقة بأن هناك أملا وفرصة للتفاؤل ورفع الرأس بعد طول تراجع وإحباط. فقطر بالرغم من كونها دولة صغر حجمها مساحة وسكانا، إلا أنها في البعد الاستراتيجي تملك القوة الناعمة التي لا تملكها الكثير من الدول القوية والغنية والكبيرة الحجم والكثيرة السكان».

وما يميز دور وحضور دولة قطر هو توسطها في حل النزاعات وتقريب وجهات النظر في كثير من النزاعات والخلافات العربية-العربية وحضورها في المحافل العربية. وتميز الدور القطري في القيادة من الأمام في الكثير من هذه القضايا. وكان ذلك واضحا في الشأن الليبي خليجيا وعربيا والمشاركة في فرض منطقة حظر الطيران والمشاركة بطائرات مع الناتو لفرض منطقة حظر الطيران. وكذلك كان الدور الإماراتي في الشأن الليبي. أما الدور الكويتي فكان داعما لوجستيا للمجهود الدولي هناك. وما ميز الدور القطري كان المبادرة بكونها الدولة العربية الأولى التي اعترفت بالمجلس الانتقالي الليبي قبل أشهر من اعتراف الكثير من الدول به وخاصة جيران ليبيا. وما يميز الدور القطري وأقولها بثقة أن دور قطر في ليبيا الكبيرة والبعيدة كان أكبر وأهم وأكثر تأثيرا من دور مصر الدولة العربية الأكبر في جارها الأصغر ليبيا.

وهذه الحقيقة تلخص ما أعنيه بالرؤية وصعود قطر وقوتها الناعمة التي تم تسخيرها بذكاء وبعد نظر حتى قبل موجة الربيع العربي بابتداع الجزيرة القناة الفضائية الأشهر في العالم وليس في العالم العربي والتي تعتمد عليها دوائر صنع القرار حول العالم والتي كان لها دور لا يقل أهمية عن الرصاصة والقلم في التصدي للكثير من الأحداث والتطورات وصاغت وشكلت الرأي العام العربي وكتبت عنها الكتب بلغات عديدة ورسائل الماجستير والدكتوراه. ونرى الدور القطري في الشأن السوري اليوم وحراك رئيس الوزراء القطري وسعيه لتجنيب كارثة على الشعب السوري وتجنيب تدويل الملف السوري كرئيس للدورة الحالية للجامعة العربية.

وما يطال معاليه ويطال دولته قطر من هجوم وانتقاد من أبواق النظام السوري الذين يريدون أن يخفوا الشمس بمنخل في عصر العولمة والإعلام الرقمي واللحظي في مساع فاشلة وخطب خشبية عفا عليها الزمن. واليوم وأنا أكتب هذا المقال تستضيف قطر بطولة عربية كبيرة هي دورة الألعاب العربية. ووصل فريق السد القطري إلى نصف نهائي أبطال القارات بفوزه على فريق الترجي التونسي وسيقابل في اليابان غداً الخميس أعرق وأقوى فريق في العالم- فريق برشلونة الإسباني الذي يضم ضمن صفوفه العديد من أبطال كأس العالم.. الشأن والدور والتميز القطري لم يعد مقتصرا على البعد العربي في متابعته. بل وصلت تغطية الشأن القطري كما أوضحنا سالفا لدوريات أميركية عريقة مثل «الفورين بولسي» و«ناشنل انترست» التي غطت الدور القطري بشكل إيجابي وهذا شيء نادر لدولة عربية. قطر فرضت نفسها على الساحة الإقليمية بسبب إنجازات دولة قطر التي نسفت الكثير من المفاهيم والثوابت في علم العلاقات الدولية.

والنجاح القطري يسعدنا لأنه يقدم نموذجا ناجحا لمجتمع عربي وخليجي ويغير الصورة النمطية السلبية السائدة في أدبيات الغرب. وبالتالي نجاح قطر والإمارات والكويت وغيرها هو نجاح وتعزيز لدور ومكانة مجلس التعاون الخليجي الذي أصبح قاطرة وقلب العرب. قطر قصة نجاح لنموذج يفرض نفسه ويقود التغيير ولا يخشى منه.


© جميع الحقوق محفوظة لجريدة الوطن القطرية 2019

مواضيع ممكن أن تعجبك