المسحراتي: مهنة بزغ فجرها من مصر وصقلتها بغداد

منشور 01 تمّوز / يوليو 2015 - 01:00

لا زال يقهر التكنولوجيا بطبلته، مردداً “اصحي يا نايم وحد الدايم”، ومنادياً لأهل الحي كل باسمه..يهلل له الأطفال..ويرمقونه من خلف الشرفات..لكن التكنولوجيا لا زلت تهدده وتبخسه حقه، لتقول له “زمانك خلاص انتهى”، محاولة أن تتصدر المشهد، لكنه يتحداها قائلاً: “أنا أشهر شخصية في الشهر الفضيل”، هو المسحراتي ومهنته، المتوارثة من التاريخ الإسلامي، والتي تشاهد لوحة تفاصيلها وطقوسها في رمضان، منذ مئات السنين، وعليه تتناول السطور التالية مهنة المسحراتي في بعض الدول العربية، لتبحث في نشأتها الأولى وكيف تطورت، وأشهر وأطرف قصصها هذا العام.

 

مصر شيدت سطورها الأولى

 

تعود الأسطر الأولى، لمهنة المسحراتي، إلى العهد الفاطمي في مصر، أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي، حين أصدر أمراً بأن ينام الناس مبكرين بعد صلاة التراويح، وكان يطالب جنوده، بأن يوقظوا النائمين للسحور، بطرق أبوابهم، أما أول مسحراتي فعلي في بلاد الكنانة، فكان والي مصر عتبة بن اسحق، وكان يخرج بنفسه في مدينة الفسطاط لإيقاظ الأهالي، مردداً حديث النبي عليه الصلاة والسلام، “يا عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة”.

 

ببغداد ومصر دخلت أبجدية الاحتراف

 

لم تصبح مهنة التسحير حرفة، وتدخل أبجديتها النور، إلا في بغداد زمن العباسيين، حينها أبتكر الأهالي هناك فن الحجازي والقومة، وهما من فنون الأدب الشعبي، وكان المسحرين في بغداد، يستعينون بمختلف الآلات الموسيقية في عملهم، أما في مصر، فظهر أول مسحراتي محترف وهو “ابن نقظة” الذي اختص بتسحير الملك الناصر، ثم توارث ابنه المهنة عنه، كما ارتبطت مهنة المسحراتي بمصر، بالقصص، والحكايات الشعبية التي يعشقها الفراعنة، مثل “ألف ليلة وليلة” و”ابو زيد الهلالي” و”علي الزيبق”.

 

واقع بدل المهنة

 

صحيح أن بعض الوقائع تبدلت، واختفى المسحراتي عن الأعين، في كثير من الأحياء، إلا أن مهنته لا زالت تترعرع، ويعيش صداها في غالبية المناطق الشعبية، والريفية في العالم العربي، ما زالت مصر تحتفظ بمسحراتي يورث المهنة لأبنائه، لكنها في مصر اتخذت بعداً فنياً حين أدخلت بوابة الإذاعة، على يد الشاعر فؤاد حداد، والموسيقار سيد مكاوي في 1964، ومع أنتشار التلفزيون أخذت المهنة بعداً أخر، لتتجه للوعظ والإنشاد في حب الوطن، وأضاف حداد لها بعداً سياسياً واجتماعياً، وألف كثير من الجمل منها: “وكل حتة من بلدي حتة من كبدي..حتة من موال..وأنا صنعتي مسحراتي في البلد جوال”.

 

أدعية بثها المصريون

 

تشتهر مصر بكثير من الأدعية التي يرددها المسحراتي في الماضي، كما يقول محمود أبو المكارم، الذي ورث أبجدية التسحير عن والده بحي” امبابة”، والذي علمه قصائد كان يرددها فكان يقول في الأولى: “أيها النوام قوموا للفلاح، واذكروا الله الذي أجرى الرياح، إن جيش الليل قد ولى وراح، وتدانى عسكر الصبح ولاح، اشربوا عجلى فقد جاء الصباح”، أما في الثانية فينشد: “تسحروا رضي الله عنكم..كلوا غفر الله لكم..كلوا من الطيبات واعملوا الصالحات”، في حين يهتف في الثالثة: “يا مدبر الليالي والأيام يا خالق النور والظلام، يا ملجأ الأنام ذا الجود والإكرام”، وفي المرة الرابعة ينادي “كلوا واشربوا وعجلوا فقد قرب الصباح واذكروا الله في القعود والقيام وارغبوا إليه تعالى بالدعاء والثناء”، أما الآن فيكتفي المسحراتي حسب أبو المكارم بدق الطبلة قائلاً: “يا عباد الله وحدوا الله”، و”قوموا على سحوركم خلي النبي يزوركم”.

 

مسحراتية ليلاً وبائعة خضار نهاراً

 

تقتصر مهنة المسحراتي على الرجال، لكن مع مرارة الحياة، تقتحم سيدة مهنة المسحراتي، لمساعدة أسرتها التي فقدت معيلها، ففي منطقة الشرقية بمصر تعمل “أم محمد” في مهنة المسحراتي، خلفاً لزوجها المتوفي، فحملت المهنة نيابة عنه وقامت بإيقاظ أهالي البلدة، بداية من الساعة الواحدة لتناول السحور، وعليه تقول: “صعوبة المعيشة جعلتني أعمل كمسحراتي، وأخذ ما يتبرع به الأهالي خلال رمضان”، مؤكدةً أن مهنة المسحراتي هي التي فتحت بيوت أولادها وزوجتّهم، لكنها لا تكتفي بهذه المهنة تبيع الخضروات نهاراً، حتى تستطيع إعالة عائلتها.

 

مسحراتي ينافس منبه الساعة

 

في لبنان، لم يستطيع منبه الساعة منافسة، أو إلغاء مهنة الطبال كما يسمى هناك، ولم تغلبه مظاهر الحياة العصرية هناك، وغالباً ما يكون لكل حي، سواء في بيروت، أو بقية المناطق المسلمة والمختلطة الطوائف، طبال من أبنائه، يؤدي مهنة عائلية، يتوارثها اباً عن جد، مقابل إكراميات أو بعبارة أدق “عيديات” صبحية عيد الفطر، وقديماً كان يرتدي الجلباب البيروتي أو القمباز، والطربوش الاحمر، أما اليوم فالبعض يرتدي الدشداشة البيضاء، والبعض الآخر يكتفي بالزي العادي.

 

مسحراتي مسيحي في عكا

 

مرتدياً شروالاً عربياً تقليدياً، مع شملة دمشقية تلفّ خصره، مسدلاً على كتفيه كوفية، ومعتمراً عمامة بيضاء، يشقّ مسحراتي أحد أحياء مدينة عكا سكون ليلها، ليوقظ الناس بطبلته الصغيرة، على إيقاع أغان رمضانية، لكن المسحراتي هذا، ليس كمثله أحد، اذ أنه مسيحي يريد مشاركة المسلمين شهرهم الفضيل، هو ميشال أيوب، الذي يسكن صوته شوارع عكا القديمة، اعتباراً من الساعة الثانية فجراً، حينها يبدأ السكان بإضاءة بيوتهم تدريجاً، فيما يطل أصحاب البيوت من الشبابيك، لإلقاء التحية عليه ليؤكدوا له أنهم استيقظوا، ويشكروا له معروفه.

 

عائلة واحدة ورب واحد

 

أيوب كاثوليكي، بدأ قبل تسع أعوام، لإيقاظ الناس في عكا القديمة، وعليه يقول: “كلنا عائلة واحدة، والله واحد، ولا توجد تفرقة بين المسلمين والمسيحيين”، مضيفا: “أقوم بواجبي لأساعد أخي المسلم، الذي يتكبّد مشاق الصوم والعطش، والله أعطاني موهبة لأحافظ على التراث الإسلامي، وأحب أن أحافظ على هذه الجوهرة”.

 

مسحراتي لوجه الله

 

وعكس كثيرين من المسحرين، لا يتقاضى ولا يقبل أيوب، نقوداً من الناس مقابل مجهوده، ومن هنا يقول: “أعطي مجهوداً على مدى 30 يوماً لرب العالمين”، مضيفاً: “المسيحيين والمسلمين يتقبّلون فكرة إيقاظه الناس في السحور”.

 

مسحراتي حصري بعلامة مسجلة

 

كل مسحراتي غيور على ساحة نشاطه، يمنع أي دخيل من التطبيل فيها، ولا يتورع عن ردعه بالقوة، لكن في أحد مناطق بيروت، حرص المسحراتي على حماية ملكيته في الحي الذي يعمل بها منذ أعوام، من خلال عبارات كتبها على الجدران، “انه المسحراتي الحصري والوحيد المعترف به من قبل المسجد والعائلات في المنطقة”، مطالباً الأهالي بالخروج من الشرفات لدى قيامه بإيقاظهم في السحور، ويؤكد أن مهنته ورثها عن أجداده، ولا يحق لأحد غيره أن إيقاظ الناس في الحي.

 

لكل دولة طقوسها

 

تختلف التقاليد في مهنة المسحراتي بين الدول العربي، ففي السودان يطرق المسحراتي أبواب الحي، ومعه طفل صغير يحمل فانوساً ودفتراً وينادي بأسماء سكان الحي، قائلاً: “أصحوا يا ناس يا حلوين، أصحوا وأسحروا، وقولوا نوينا نصوم رمضان، أصحى يا نايم وحد الدايم”، أما في الصومال، تبدأ مراسم السحور بقيام مجموعة شباب، وهم يقولون: “سحور..سحور.. سحور”، أما في السعودية، فالمسحراتي، يلف الأحياء والشوارع القديمة، ويردد عبارة “اصحى يا نايم وحد الدايم، ربي قدرنا على الصيام، وأحفظ إيماننا بين القوم”.

 

بينما في سورية وفلسطين، ينادي المسحر الناس بأسمائهم ويقول: “يا نايم وحد الدايم..يا نايم وحد الله..قوم يا أبو محمد وحد الله..قوم يا أبو حامد.. يا أبو صياح”، بينما في الإمارات المسحراتي قديماً كان يطلق عليه “أبو طبيلة”، وكان يستعمل طبلة تعرف باسم “البازة” وينقر عليها بخشبة رفيعة، يطوف البيوت، ليوقظ الناس قبيل أذان الفجر، من أجل تناول السحور، حتى يتمكنوا من صيام نهار اليوم التالي، وكان ذلك قبل أذان الفجر بفترة كافية، حتى يتمكن من إيقاظ كل الفريج، ويقول المسحراتي أثناء تجوله: “يا نايم الليل قوم أتسحر، قوم يا نايم قوم، قومك أحسن من نومك”.


Copyright © 2019 Haykal Media, All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك