«رجال في الشمس».. كلاكيت مليون مرة

تاريخ النشر: 31 أغسطس 2015 - 04:48 GMT
خالد أبو الخير
خالد أبو الخير

خالد أبو الخير

الذين قرؤوا "رجال في الشمس" لغسان كنفاني في يفاعتهم، سيتذكرون دون شك أن المشهد المأساوي حين مات أبطال الرواية داخل الخزان على الحدود الكويتية، في نهار شديد القيظ، دون أن يفكروا بقرع جدرانه الحديدية، تكرر خلال رحلة حياتهم مليون مرة، وتعدى فلسطينيته الى أن صار عربياً شاملا وكاملا وقاهراً.

آخر تجليات هذا المشهد حدث على الحدود النمساوية حين قضى أزيد من 70 لاجئا سوريا اختناقا في شاحنة لنقل اللحوم المشوية كانوا يهربون الى جنة أوروبا. ذهبت صيحاتهم وتوسلاتهم وسبابهم عبثاً، وانهاروا واحداً تلو الآخر في تلك الغرفة الحديدية الصماء. ماتوا وهم ينظرون الى بعضهم بعضاً، وأعينهم تتقلص هلعاً واشفاقا على نسوة واطفال كانوا بينهم، مدركين الفترة بين موت أحدهم واخر مجرد ثوان.. ثوان قليلة، ربما اتسعت ليصيح أحدهم شاتما: يا أولاد الكلب. واعذروني فلن أفسر من قصد بالشتيمة!

ذات المشهد تكرر في البحر المتوسط على متن قارب تهريب غرق ولاقى كل من عليه حتفهم، وجلهم أطفال لم يطؤوا سن البلوغ، سيظلون في ذاكرة أحبابهم أبدا.. أطفالا.

وللمشهد تجلياته الاوسع في العراق وسوريا وليبيا ومصر، فكم من رجال في الشمس قضوا في خزان، أو تحت خيمة أو بيت أو ثلاجة موتى أُدخلوا أليها أحياء.

وإذا كان مهما، ان رجال كنفاني ماتوا دون أن يقرعوا الخزان، وأن من مات في شاحنة اللحوم المشوية قرعوا ورفسوا وصرخوا، فإن التغيير في السيناريو من سمات اعادة انتاج اي عمل فني أو «مجزرة».

أبطال رجال في الشمس كنفاني لاجئون فلسطينيون فقدوا كل شيء، يحاولون الوصول إلى جنة النفط « الكويت» ، ليعملوا ويعيلون اسرهم ويبنون حياتهم، ويتفقون مع المهرب «أبو الخيزران» الانتهازي الذي عمل مع الجيش البريطاني ومع الفدائيين، وفقد رجولته فهو مخصي، على تهريبهم بتنك المياه الذي يقوده الى داخل الكويت.

كان تقدير ابو الخيزران أن يدخلهم في الخزان حين يصلون الحدود، ويغلقه عليهم، تحت لهيب شمس حارقة، قائلا إن إنهاء الاجراءات لن يستغرق سوى 7 دقائق ثم يعود الى السيارة ليقودها ويخرجهم منه بعد 50 مترا من نقطة الحدود.

خطة ابو الخيزران تصطدم بموظف عابث يريد التسلية، يعتقد ان « ابو الخيزران» زير نساء، فيعطله ويصر أن يحكي له حكايته مع الراقصة العراقية «كوكب» التي تحبه لدرجة العبادة بسبب فحولته!. الأمر الذي يتسبب في موت الثلاثة اختناقا داخل الخزان. وتنتهي الرواية بالقاء ابو الخيرزان جثثهم في مكب نفايات وهو يصرخ: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟

في كل تجليات رجال في الشمس، وفي الرواية ايضاً، يموت الابطال ويبقى.. ابو الخيزران!. ويتكاثر.