فلسطين: عزيزة نوفل
"ضيعتي في بلدي…وبيتي في ضيعتي…والصندوق في غرفتي …فيه حكايات التيته...وفيه غناني الماما…وهمساته لسيدي…وشو وصاني البابا… وريحة جبل سينا …ووردة الياسمينية… وفيه سما زرقا… وفيه نسمة هوا…وبلدي أنا بلدي حلو كثير.."هذه الكلمات العامية أغنية بسيطة لأطفال من مخيمات الشتات في لبنان…يتحدثون فيها عن بلادهم التي سلبت في إحدى سني النكبة الأربع والخمسين…
بعد هذه الكلمات تظهر طفلة لا يتجاوز عمرها الخامسة لتقول:" بتعرفوا شو صار؟ ..في 48 اخذوا كل شييييي"… ويتابع الأطفال غنائهم ورائها :"الأراضي حرقوها والبيوت دمروها والغابة قبعوها كل الضيعة محيوها …والأسماء غيروها …..وفي قلبي ضل الصندوق…ظل الصندوق بقلبي فيه …وبقي.فيه حكايات التيته..وفيه غناني الماما…وهمساته لسيدي…وشو وصاني البابا… ريحة جبل سينا …ووردة الياسمينة… وبعدا السما زرقا وفيه نسمه هوا… وبقي بلدي اسمه فلسطين…"ثم يظهر مجموعة من الأطفال تباعا ليعرفوا على أنفسهم …أنا من حيفا…أنا من عكا….انا من صفد… وكفر قاسم..وووووو
هذه الكلمات عبرت برمزها "الصندوق" الذي احتوى" على حيثيات حياة من سكنوا فلسطين التاريخية … ومدنها وقراها التي حاولت كل العصابات الصهيونية أن ينسوهم اياها…وعبرت عن ذاكرة الأطفال التي حفظوها في قلوبهم تباعا خلال سنوات الشتات كي لاينسوا…حالهم حال كل أطفال اللجوء…لم تمنعهم أزقة المخيمات ولا رطوبة المكان من الحفاظ على كنزهم داخل هذا الصندوق… يفتحونه كلما شعروا برغبة في التخلص من لعنة "اللجوء"التي ورثوها قصرا…
من علمها أن لها …وطنا…
خلال حرب شارون على المخيمات الأخيرة، فوجئ كثير من الجنود بأن الفلسطينيون لا يزالون يحملون"صناديقهم" ذاكرة… يحاربون بها …وبأنهم يتذكرون وطنا ضاع… واكثر ما فاجئهم هو إن الأطفال الذين ولدوا بعد ضياع الوطن ما زالوا متعلقين بهذا الوطن ….
روى جندي إسرائيلي في مقابلة معه في صحيفة صهيونية …عن مهمته في مخيم جنين ..انه حين دخل المخيم وجد السكان لا يزالون يعيشون بالطريقة ذاتها والتي كانوا يعيشون بها في قراهم السابقة في ما سماه "إسرائيل"…" انهم موزعون وفقا لما كانوا عليه…القرية ذاتها والشارع ذاته" …وانه اهتاج من ذلك…" لماذا" سأله الصحافي…كنت عاجزا عن الفهم …مرت 54 عاما ولا زالوا يقولون لنا أثناء التحقيق معهم …انا من حيفا …وبئر السبع …ويافا….
ويتابع:" لم اشعر بأني غريب عن هذه البلاد – مهاجر من روسيا- يوما واحدا الا عندما دخلت إلى أحد البيوت…كانت هناك طفلة…لم تتجاوز الخامسة تنظر الي…جعلتني اشعر بالزلزال …لا ادري من أين أتت هذه الطفلة بالذاكرة ومن علمها أن لها وطنا …ومن علمها أننا نسكن بيتها …"هناك"…
أدرك ذاك الجندي مثله مثل الكثيرين أن نظرات حقد في عيون طفلة في مخيم شتات هي قوة حق …لن يستطيع أن يمحوها كل مظاهر التغيير التي تحاول دولتهم الصهيونية القيام بها …ولا يستطيع أن يفهم أن مخيمهم هي ذاكرتهم…وهي رمز وطنهم المسروق الذي لن ينسوه…ولا يستطيع أن يدرك أن أطفال المخيم لا يزالولون يعيشون في ذكرى من عاشوا هناك يوما…وان كل جرائمهم لن تستطيع أن تحرمهم منها…ولا تواري أجساد بعض الأجداد والأباء عن الأرض بمرور الأعوام… لم يبق لهم سوى مفاتيح بيوت حفظت ككنز ثمين ووحيد… وتلك الذاكرة… فكيف يمكن أن ينسى أحد حقه…
أنا من هناك…سنعود…إلى "هناك"…
عند زيارتك المخيم لتنهي تقرير عن إحدى جرائم من أوجد هذه المخيمات التي باتت خبزا يوما تغذي ذاكرة من يسكونه، يلفت نظرك طفلا يلعب مع أقرانه، تطلب منه أن يدلك على بيت الشهيد الذي سقط في اليوم الماضي، تسأله وهو يسلك تلك الأزقة الضيقة في مخيم بلاطة القريب من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية … من أين أنت …" أنا من هناك….واين "هناك " من سلمة قضاء مدينة يافا " ….يجيب…
تدهشك الإجابة فكيف لطفل لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره ان يكون بحالة انتماء وعشق لمكان لم يره يوما… وكيف يمكن أن يتورط بتفاصيل حياة لأطياف أناس عاشوا هناك…"يوما"…وكيف استطاع أن يحافظ على استمرارية حياة انتهت قبل أربع وخمسون عاما بغياب المكان الذي كان يضمها يوما … واستمرت في ذاكره أجداده الذين كانوا هناك …. وكيف لا يزال يشم رائحة البرتقال والليمون …" أنتِ لا تعرفين سلمة"…هي اجمل قرى يافا"…يقول… تحيط بها بيارات البرتقال الليمون…." يتابع…
وكيف لم تنسه معونات الأمم المتحدة التي يحصل عليها بواسطة هويته التي بات يعرف فيها قصرا" كرت وكالة الغوث الدولية" سهول القمح ومواسم الحصيد؟…"جدي يقول…اجمل مواسم القرية هو موسم الحصاد…يلتقي فيه الجميع…انه من بعد سلمة لم يذق طعما للخبز…وهل اجمل من تأكل من ارض بلادك؟ …بدل من الطحين الفاسد الذي يوزعونه علينا….لننسى، بلادنا"…منطق مقبول، ولكن من يسمع لطفل؟
يتابع وائل خليل 13 عاما، من مواليد مخيم بلاطة…حديثه عن بلاده…كأنه كان يعيشها…لدرجة تجعلك معها أن لا تصدق انه لم يخرج يوما من مخيمه….هذا ليس حال وائل فقط…ولكنه حال الآلاف من اللاجئين الأطفال الذين ولدوا وعاشوا في مخيمات شتاتهم بتفاصيل بلادهم الأصل ….
حقيقة غفلها مهندسون المشروع الصهيونية…" الكبار يموتون والصغار ينسون"…ولكن الفلسطينيون كانوا بفطرتهم احكم…لا تدري أو ان وضعهم جعلهم لا يورثون لأطفالهم سوى ذاكرة حفظت عبر سني الشتات الأربع والخمسون الى جانب تفاصيل حياتهم …"هناك"…تفاصيل جرائم من يسكن…"هناك"…أطفالا ورثوا حتى وعود أباء – اصبحوا الان موتى_ لابناء _اصبحوا الان أجدادا- بالعودة…أربع وخسمون عاما ول يزال الطفل يكتب لأبيه – الذي لم يسكن هناك يوما…وولد مثله في المخيم - على جدران المخيم ليذكره "سنعود"… ليذكره بحقه بعهد لم يقطعه هو وانما ورثه …
وائل يتابع حديثه معنا عن قريته:" أحببتها من حديث حدي عنها كان يقول… أنا من سلمة البيارات والمقامات .. هناك استشهد آخي وما اندفن…."يضيف:" سلمة تقع شرق يافا وهي على الطريق الرئيسية بين يافا والرملة … تقع على السهل الساحلي… سميت سلمة نسبة الى " صحابي" اسمه سلمة ابن ابي هاشم، وفيها مقام له… كانت تزرع الحمضيات والقمح والشعير والخضراوات…
بيوت مسكونه بالأشباح…
سألناه كيف عرف كل تلك التفاصيل، أجاب انه الى جانب أحاديث الجد فهو يقرأ دائما عنها…. ويتابع:" خرج جدي في 28/4/1948، يوم الأربعاء الساعة الخامسة صباحا، تحت زخات الرصاص…أعدت سؤاله.. هل زرتها:" أنا لم ازرها، فنحن ممنوعون حتى بتصاريح من الوصول أليها…جدي زارها في 67 .. ذهب إلى بيارته فوجدها بحالة مزرية جدا… البئر مردوم.. وشجرة التين الكبيرة قد قطعت الى النصف…قادته قدماه إلى بيتنا هناك.. ولكن " سارقة البيت" لم تسمح له بالدخول…منذ ذلك اليوم كما يقول لأبي وهو يوصيه بالبيت و إصلاح ما تردم…وعندما كبرت واخوتي اصبح لا ينفك يذكرنا بالبيت .. وانه في حالة انه توفي "قبل ما نرجع"…أن أحافظ البياره واعتني بشجرة التين ….وان انقل قبرة الى تحتها…
نمر خليل الجد…كان يجلس في غرفتها عندما دلنا عليه… شيخا في الثمانينات من العمر …لم يبق ل وسيلة لإرجاع أرضه إلا أن يترك تفاصيل حياته التي عاشها هناك لأحفاده علهم يعودون يوما…كما يقول…يحرص على أدق التفاصيل كي لا يشعروا بغربة عندما يعودوا ويعرفوا حدود ملكهم…فهو يملك اكثر من ثلاثين دونما وبيتا هناك…"يتابع….:" قلنا يومين ونرجع…واليومين صاروا 54 سنة…وعدونا في 67 أنا رح نرجع وكمان ما رجعنا…و أملنا اليوم هالاولاد…
تفكر …لو إن ساكني تلك البيوت يدركون انهم يعيشون بيوتا مسكونه بأشباح الفلسطينيين وذريتهم لما استطاعوا أن يمضوا قدما فيها …ولكن لربما صراعنا معهم هو صراع ذاكرتين…ذاكرة فلسطينية تقر بحقهم في البلاد…وتصارع كي لا تنسى …وذاكرة يهودية تحاول نسيان انهم يسكنون أرضا ليست لهم …واستطاعوا أن يقنعوا أنفسهم وذاكرتهم ان تلك الأشباح لاعداء يجب أبادتها …ولاحق لهم بالوطن طالما نحن هنا…كي لا يشكلوا عبئا على الضمير الإسرائيلي المرهف…
أنا من اللد…ليس لي بلد سواها
وفي مكان آخر ليس بالبعيد…اجتمعنا بالطفل حافظ صبرة ، في قرية عسكر القريبة من نابلس، دخلنا الى مكتب التاكسيات الذي كان يتواجد فيه…خلال حديثه معنا كان واضحا انه يتكلم بلهجة أهل المدنية، فسألته أنت من نابلس؟…"أنا من اللد "أجاب…" حاليا أنا من سكان مخيم عسكر الجديد"…تابع…
سألناه:" أنت لم تعش هناك يوما ولا أبويك حتى وتتحدث بنفس اللهجة وتعرف نفسك انك من اللد؟…لم يرق له سؤالي و أجاب بحده:"ليس من الضروري أن أولد هناك…فهي بلادي…وجدي لا يزال يحمل أوراق الطابو لارضنا وبيتنا هناك… وأنا اعرف نفسي أنني من اللد لاني لا املك مدينة أخرى غيرها…فهي اصلي…والتي سأعود أليها يوما …"
أحسسنا اننا بسؤالنا لامسنا جرح ما بداخله…حاولنا الاعتذار بسؤال "حدثنا عن مدينتك أذن؟…" كنا نسكن بنص البلد وهي مدينة كبيرة اعتبرت مركزا تجاريا لما حولها من القرى…وبيتنا لا يزال هناك…ولكن سوره مهدم…
يتابع:" جدي يقول لي دائما أن البيت هو أمانة علينا أن نحافظ عليها…طلب مني أن اصلح السور، واعتني بالشجر…المحيط به…وان لم يقدر لي العودة أليها فإن أبنائي سيقومون بذلك….
أليست هذه الكلمات فقط قادرة أن تسقط مخططات الصهيونية في دثر معالم فلسطين التاريخية…وتهويدها…
أخاف أن ادفن في مقبرة المخيم…
وهناك في مخيم "نور شمس"القريب من مدينة طولكرم كان ايمن ابن الحادية عشر، يقف على التلة التي أشار أليه يوما منها الى قريته المقابلة" تلك أرضك …فلا تنساها ولا تنسى أن عليك العودة …هذا المخيم ليس أرضك…
ايمن ينتمي الى قرية القاقون، التي فصلت عن القرى التابعة لمدينة طولكرم، عندما خط ما يسمى بالخط الأخضر…وحدود الدولة العبرية…" قاقون ذات موقع جميل…و أرضها خصبة… والربيع دائما يزيدها جمالا…"يقول.
" كان بيت جدي الذي سكنها منقسما الى شقين… إحداهما حظيرة للأغنام والأبقار التي كانوا يعتاشون منها وأخرى يسكنون فيها…يتابع:"توفي جدي حزنت كثيرا عندما دفن في مقبرة المخيم…كان يتمنى أن يدفن في مقبرة قاقون الشرقية…أحيانا أخاف أن ادفن أنا الأخر في مقبرة المخيم….جدي كان يردد دائما: لا يبلادنا يم العنب والتين…ليش إحنا هاجرنا وغيرنا مقيم…كان يبكي عندما ينهي هذا البيت"…
أكمل كلماته وغاب لينضم إلى رفاقه الذين كانوا يلعبون"يهود وفدائية" كما نعتها….لم نشأ إزعاجه بسؤال آخر فهو اثر الهروب على أن نرى في عينيه نظرت الحزن والعجز التي ورثها عن جده….ففي تلك اللحظة التي انصهر هذا الطفل حسرة على جدة الذي مات ودفن على ارض المخيم وقريته لا تبعد عنه سوى مئات الأمتار…كان بيته هناك وبيوت آخرين تستبدل سكانها…وكانت المفاتيح الفلسطينية لتلك البيوت تخلق تحديا لاخوته من شبان المخيمات …الذين كانوا يحملون هذه المفاتيح ليلا ليحاربوا بها ولا يعودون…
فيها كل ما خلق ربنا…
هذا حال الأطفال في مخيمات الوطن …فكيف هي حالهم في مخيمات الشتات …في خارج بلادهم فلسطين…اهو افضل حالا…لا تدري…في مظاهرة في مخيم البقعة، القريب من عمان ، كان الطفل عماد يوشح نفسه بالعلم الفلسطيني، ويهتف مع الهاتفون:" افتحوا لنا الحدود…لنحارب اليهود…" سألته من أين أنت.." أنا من الخيرية" أجاب على عجل…تدارك بعد قليل ليقول"قريبة من مدينة يافا"…طلبنا منه الوقوف قليلا ليحدثنا عنا…عرفنا على نفسه، عماد خيرت 13 عاما…" في مخيمات الوطن يستطيعوا على الأقل محاربة من سرق بلادنا وشردنا وأوصلنا لنسكن في علب الصفيح هذه…أما نحن فلا نملك إلا أن نخرج في هذه المظاهرات هذا عندما يسمح لنا بذلك…
ماذا تعرف عن الخيرية؟…أجاب:"فيها كل ما خلق ربنا"كانت تقول جدتي…وهي مشهورة بأشجار الحمضيات وخاصة البرتقال والليمون… وكانوا أهلها يزرعون الخضراوات أيضا…جدتي خرجت من القرية وعمرها 16.. تزوجت جدي بعدها وكان ابن عمها…فقد بقيت وحيدة بعد موت أهلها جميعا فلم يبق سوى أخيها الصغير…
بيتنا يقع إلى الجهة الشرقية من البلدة ولا يبعد سوى القليل عن بيت جدتي …فالبيوت هناك ملتصقة ببعضها، وكان الناس يسهرون مع بعضهم البعض…كانوا يعيشون ببساطة.. "وين ما بنعس الواحد بينام"…كما تقول جدتي….لم يكن شيء مقسوم في تلك الأيام….
يتابع:"حلمي الكبير و أن عودة إلى المكان الذي أتخيلها دائما أن اجمل بقاع الأرض… كلما رأيت شيء جميل أتخيله موجودا في الخيرية….بالرغم من انهم قالوا لي أنها دمرت…
استذكار لأحاديث من غابوا…
بينما يبدو الأمر بالنسبة إلى آلاء نزار 12 عاما، من قرية السنديانه، سكان مخيم الحسين في وسط العاصمة الأردنية، تعيش قريتها لحظة بلحظة…دائمة التفكير به….فهي تزور أقربائها الذين يسكنون الان مخيم طولكرم، كل عام في العطلة الصيفية، ولكن ما يحزنها أنها لا تستطيع دخول الضفة خلال الانتفاضة فلا يسمح لهم باستصدار التصاريح….
" كثيرا ما امضي الساعات وأنا أتخيلها…." تقول…" سميت القرية بالسنديانة لكثرة شجر السنديان…وخاصة عند عين الماء التي كانت مصدر المياه بالنسبة لاهالي القرية ….كما قال لي جدي" تقول…
" أحاول دائما أن استرجع ما قال لي جدي يوما…ولكن بعد توفي لم يعد هناك من يحدثني عنها …أتخيلها دائما من خلال حديثه…لا يمكنك ان تنسى بلادك حتى لو لم ترها…ولم تعيش بها يوما"…تضيف…
"يقول جدي ..انه ندم عندما زارها اخر مرة قال لي جدي، انه اشاهد القرية مسيجة بأسلاك شائكة….وليس فيها إلا أكوام من الحجارة وأنقاض المنازل المدمرة مبعثرة بين الأشواك ونبات الصبار وشجر التين والزيتون المهمل….يستخدمها سكان مستعمرة قريبة لرعي المواشي"….تتابع…
أسلوبا…فطريا..لا يمكن محاربته…
تيسير نصر الله، مسؤول لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين في مخيم بلاطة، اكبر مخيمات الضفة الغربية، يقول:" لايمكن أن نقول أن الأطفال يتعلمون ذلك تلقينا بل على العكس نحن لا نفعل لهم شيئا، وليس ضروريا أصلا…فهذا الشعور يتسرب إليهم عبر حليب أمهاتهم …وعبر همسات أجدادهم المخنوقة"سقا الله على هذيك الأيام"… و"كان لي بيت هناك وأحلى ذكريات"، فهي كلمات طبيعية من شيخ كبير، عاش في بيت وارض كانت ملكا له يوما، و أضحت في بوم أخر ملكا لغيره، أضحى هو غريبا عنها، يرحل أليها عبر ذكراه كلما اشتد به ضيق الحياة في الشتات على مدى الأربع وخمسين… وحكايات ينقلها لأحفاده…
ويتابع:"الجد والأب لا يدرك انه بأحاديثه يؤرخ ويقرر حقه وينقله الى احفاده، والعملية تلقائية جد يتحدث عن بلاده التي قضى حياته يتحسر عليها…وأحفادي تلقون ذلك…ومع الايم تصبح هذه الحياة حياتهم… كثيرا ما نواجه من قبل القوات الصهيونية بأننا نعمل على تجديد ذاكرة أحفادنا…الذي لا يستطيعون أدركاه انهم وبكل وسائلها لا يملكون ان يسقطوا من ذاكرة طفل ما تلقاه من جده الذي حدثه وهو يبكي…."
كانت تلك شاهدات لأطفال لم تتجاوز أعمارهم الثامنة عشر…حتى آبائهم لم يكونوا في تلك البلاد يوما…منهم من ينتمي لقرى لم تعد الان موجودة…إلا في ذاكرتهم…وأخرى تغيرت أسمائها فلم تعد تلك الأسماء موجودة إلا في ذاكرة الأجداد الذين غاب الكثير منهم….وقرى لا زالت على حالها ولكن يسكنها مهاجرون من مختلف أصقاع الأرض…تنفيذا لوعد الهي مزعوم….قطعه زمرة من الصهاينة من "الرب" لانفسهم كذبا….محاولين أن يحققوا وصية أب لابنه…"لا تنسى البيت هذا هو المفتاح…وتلك التفاصيل…وهذه أوراق الطابو…واسكن روحك فيها " فالبيوت تموت أن غاب سكانها…