أمسيات القاهرة: مصر .. بركان الغضب العربي

تاريخ النشر: 26 أكتوبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

القاهرة – البوابة 

 

أول ما يخطر على بال من يراقب ثورة الغضب التي تجتاح كل المصريين جراء الوحشية الإسرائيلية في التعامل مع الانتفاضة الفلسطينية هو استعادة الإدراك المسبق لحقيقة الرؤية الإسرائيلية أو باعتبارها الخطر الأكبر الذي يهدد الدولة العبرية بالرغم من معاهدات كامب ديفيد لعام 1979. 

على مدى ثلاثة أيام من التجول في القاهرة، على هامش انعقاد القمة العربية غير العادية، لم تشكل مظاهرات الطلاب أهم مكونات المشهد المصري، على أهميتها.. لقد كان الأهم من ذلك أمسيات القاهرة الثقافية. 

حول السور المحيط بمركز القاهرة للمؤتمرات الدولية لم يكن لافتاً فقط نوعية القوات التي تولت مسؤولية الحراسة، إنها كذلك نوعية تسليح هذه القوات. 

لقد تم إيقاف عسكريين كل عشرة أمتار أحدهما من الأمن المركزي، والآخر من العمليات الخاصة، وفي منتصف العشرة أمتار تم إيقاف أحد رجال أمن الرئاسة بلباسه المدني. 

رجال أمن الرئاسة احتلوا كذلك أسطح كل العمارات والمنازل المحيطة بمقر مركز المؤتمرات في مدينة نصر. 

وبسبب من ثلاثية المسؤولية، فقد كان يتوجب على كل من يدخل مركز المؤتمرات من غير أعضاء الوفود الرسمية أن يخضع للتفتيش ثلاث مرات. 

عساكر الأمن المركزي والعمليات الخاصة الذين أوكلت لهم مهمة حراسة مكان انعقاد القمة العربية الطارئة كان سلاحهم الوحيد هو الهراوات. وهو سلاح يوحي بطبيعة المهمة المنتظرة. 

أما رجال أمن الرئاسة فقد كان سلاحهم الوحيد هو الأجهزة اللاسلكية وهو كذلك سلاح يومي بطبيعة المهمة المكلفين بها. 

عساكر الأمن المركزي والعمليات الخاصة كانوا يتواجدون أيضا من آلياتهم في الشوارع والأزقة القريبة من الجامعات. 

هؤلاء أسلحتهم لم تكن تقتصر على الهراوات، فقد كانت الهراوات جزءاً من تسليحهم الذي يحتوي كذلك على الدروع الزجاجية والبنادق والقنابل الصوتية والمسيلة للدموع، فضلاً عن المدرعات المختصة بتشتيت المظاهرات. 

ليست هذه الصورة التي أعادت إلى الذهن القلق الإسرائيلي من الخطورة المصرية، أثناء أمسيات المثقفين من أدباء وشعراء وكتاب وصحفيين وأساتذة جامعات … الخ .. فهذه الأمسيات هي ضمير مصر الذي يشكل الرأي العام المصري، ويخيف إسرائيل. 

عندما وقع أنور السادات معاهدة كامب ديفيد عام 1979، كان أكثر ما أقلق العرب هو استهداف المؤامرة اقتلاع مصر من محيطها العربي، بل من موقع قيادتها للعالم العربي يومها رفع الكتاب شعار " أيها المصريون ..سنحبكم أكثر". 

وكان في التقدير أن الحملات الإعلامية التي شنت عبر الإعلام الرسمي المصري على العرب والعروبة .. خاصة الفلسطينيين، هي أخطر حلقات المؤامرة التي تستهدف عزل مصر عن العروبة. 

يومها نجح " الإعلام القومي" و"الصحافة القومية" في تأليب قطاعات لا يستهان بها من المصريين على العرب والعروبة.. مأخوذة ربما بالعنجهية التي تعامل بها أنور السادات مع قادة العرب الذين أرسلوا له وفداً من مكان انعقاد قمتهم في بغداد إلى القاهرة، كان برئاسة رئيس وزراء لبنان الدكتور سليم الحص، فرفض السادات استقبال الوفد ووجهت له إهانات متعمدة منذ لحظة هبوط الطائرة التي أقلته إلى مطار القاهرة. 

لكن عروبة مصر ظلت أكبر من كل حلقات المؤامرة ..  

هذه الحقيقة بدأت تلوح مجدداً اعتباراً من السادس من تشرين أول/ أكتوبر عام1981 عبر حادث المنصة الشهير الذي أودى بحياة السادات أمام أعين نخبة من أفضل قواته، كان يقوم باستعراضها أمام المنصة التي تبعد فقط عدة مئات من الأمتار عن مركز المؤتمرات الدولي. 

وقد كان الرئيس حسني مبارك من بين شهود ذلك اليوم. 

بعد حرب الخليج الثانية التي استهدفت المشروع النهضوي القومي في العراق، أكثر مما استهدفت " تحرير الكويت"، عاد المد الناصري إلى عقول وقلوب المصريين. 

يوم كان عبد الناصر ملء السمع والبصر في أرجاء الوطن العربي، كان هنالك من بين المصريين من يعيب على العرب أنهم ناصريون أكثر من المصريين أنفسهم، غير أن المصريين، بعد أن جربوا غير عبد الناصر، عادوا إلى حقيقتهم القومية عبر عبد الناصر. 

بدءا من العام 1991 اصبح مألوفاً أن تجد سائق أي سيارة تكسي في القاهرة يستمع لشريط كاسيت يتضمن أحد خطب عبد الناصر، أو إحدى أغاني الحقبة الناصرية. 

وجاءت انتفاضة الأقصى لتؤكد صحة القلق الإسرائيلي من خطورة مصر على الدولة العبرية. 

عشرات الأمسيات الثقافية كان يعج بها ليل القاهرة، وغيرها من المدن المصرية كل يوم. 

شعراء مصر وأدبائها يتبارون في إدانة السلام، ومعاهدة السلام، والعلاقات مع أميركا، والإشادة بالانتفاضة والتعبئة القومية لأبناء مصر. 

الأمسية التي أتيح لي حضورها لنادي الأدب في حي روض الفرج استمعنا فيها للدكتور الشامي عميد قسم اللغة العبرية وآدابها في كلية الآداب بجامعة القاهرة تناول فيها تاريخ قيام الدولة العبرية وتاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي.. والوحشية الفائقة التي استخدمتها إسرائيل في هذا الصراع. 

المحاضرة الأخرى التي لا تقل أهمية قدمتها أستاذة في الموسيقى استعرضت خلالها الأغاني المصرية التي تتعلق بالقضية الفلسطينية، ولحسن الحظ، لم يتح الوقت للدكتورة نجاة لأن تمر على بيتها قبل حضورها إلى مقر الأمسية لتأتي معها بأشرطة التسجيل، فكان أن أتحفت الحضور بأداء هذه الأغاني بصوتها مزاوجة ما بين حسن الأداء ومؤثرات الانفعال العاطفي. 

لم لا يتم إنتاج أغان جديدة تتعلق بالقضية الفلسطينية أو بالقضايا العربية بشكل عام ..؟ 

ابتسامات ذات مغزى كبير أجابت على السؤال . 

لكن الإعلام القومي من إذاعة وتلفزيون وجد نفسه مضطراً لأن يجاري الحالة الجماهيرية. ولما كان ليس لديه ما يقوله عبر برامج سياسية يتوجب إعدادها في هذه الحالة، فإنه لجأ إلى بث بعض أغاني الحقبة الناصرية، لكنه لم يبث بطبيعة الحال الأغاني التي ألهبت حماس الجماهير العربية في كل مكان أثناء التصدي للعدوان الثلاثي على 1956 مثل نشيد الله اكبر، أو الأغاني المماثلة التي رافقت حرب 1967 .. إنما عمد إلى بث الأغاني الوطنية والتي أعدت بعد هزيمة 1967 .. 

وهكذا غابت إلى جانب نشيد الله اكبر أغنية أم كلثوم اصبح عندي الآن بندقية ، واستمعنا بدلاً من ذلك إلى أغان من طراز الحلم العربي.. محاولة تشبيه قيادة عبد الناصر للأمة العربية بمؤتمر القمة العربي الطارئ..‍! . 

باختصار، الإعلام القومي بث الأغاني التي تواسي المواطنين، لا تلك التي تبث فيهم روح الحماس والتحدي. 

أما أمسيات القاهرة فإنها تنتهي بآهات ودموع القهر على ما آلت إليه أمة العرب، وتحرض على استنشاق صور المجد متسلحين ابتداء بثقافة المقاومة، التي وحدها تمثل حقيقة مصر باعتبارها بركان الغضب العربي.