أنا تلفزيون العائلة - علي السوداني

تاريخ النشر: 18 مارس 2006 - 05:53 GMT


 

قبل اسبوع من الآن الذي انتم عليه ــ احبتي وحبيباتي ــ سقط تلفزيون العائلة بالسكتة الدماغية. تعكرت الصورة اولا وتغبشت وتوشوشت ثم اسودت وتسخمت. آمنت بالمقدر وبالمكتوب واستعنت بواحد من عتاة الحرفة شالت واجهة دكانه يافطة من الخط الكوفي تقول "صلح تلفزيونك في بيتك". هذه اللافتة ذكّرتني فورا بعمارة مرجان ومطعم تاجران والبان فوزي وكبة الكبة واحمد حسن البكر وساحة التحرير والايراني البغدادي شكر ابو الشاي وجاسم المطير ومعمل جواريب الكوت وجامع الاورفلي واعلان صابون غار العيسي والجبهة الوطنية والقومية التقدمية وبيان دعش آذار وملهي النجوم ومعاهدة الصداقة بين الاتحاد السوفيتي البائد والعراق الغارب وفلم نحن لا نزرع الشوك الذي بطلته شادية الحلوة وكان عرض في اول السبعينيات من علي شاشة سينما بابل فضرب حينها رقما قياسيا اذ تواصل عرضه اربعة اشهر شهدت واقعة غرق شارع السعدون بدمع الرعية الساخن المسفوح علي مصير شادية الطيبة وطفلها الرضيع ما ادي تاليا الي نجاع الحكومة بألقاء القبض علي عصابة ابو طبر المشهورة!

جاء مصلح التلفزيونات الي الدار متأبطا عدته وقام ببطح التلفزيون علي الارض وجس نبضه غير مرة ومرة. المصلح يشتغل والاطفال تراقب المشهد بقلق بائن كأنه يوم جدتهم وهي تهيء نفسها لرحلة ابدية الي مقبرة وادي السلام الموحشة. بعد ساعة وفنجان قهوة ادلهم وجه المصلح وتسخم وجهه وقلت حيلته فركلنا بأن الشاشة محروقة والمحولة معطوبة وان كلفة اعادة التلفزيون المريض الي الحياة قد تقترب من سعره الذي انولد عليه اول مرة. المصلح زاد ان هذه التلفزيونات تصنعها العمالة الرخيصة والعوائل المتعففة التي تعيش في اكناف وفجاج اسيا لذا انصح بالتخلص من هذه الزبالة فورا. كان الرجل يتكلم بثقة وبنبرة صافية كأنه علي موعد مع مبني الاذاعة والتلفزيون في الصالحية لاشهار فرمان تأميم نفط العراق الذي انولد عنه فرمان تمديد العمل بطقطوقة شد الاحزمة ورص الصفوف وتكريز حب عين الشمس بدلا من فستق العجم ولوز خرماتو!

بلعنا النصيحة كما سنارة وبتنا ليلة الوحشة الاولي منصتين الي هرج الراديو الذي استعاد ثأره ولو بعد دهر.

انا من جهتي لم اقصر مع عائلتي الحلوة فأنعشت اذن زوجتي ببستة " عبودي جا من النجف شايل مكنزية " وقبل انتصاف الليل جئتها بحديث غرامي بها الذي وقع قبل عشرين سنة وانتهي بنعمة فضيلة بأستثناء ايجار الدار واشعال النار واطعام واكساء الاولاد واخذ المريض الي الحكيم والمساهمة الفاعلة في اجتماع الآباء والامهات وجلب الصمون من فرن سيد عباس وعصر الطماطة وتحويلها الي معجون وتقليم اصابع الباميا وتدقيق درجات امتحانات نص السنة ومنع الولد الاكبر من التلصص علي ملابس بنت الجيران الداخلية والمشاركة بتبليط شوارع مدينة الثورة بطريقة العمل الشعبي! ولحل معضلة أفلام الكارتون التي يحبها نؤاس الصغير قمت بأرتداء قميصا أصفر وصبغت ارنبة خشمي بأحمر شفاه فائض واديت امامه مجموعة مدهشة من الحركات منها حركة القط وخديعة بتر الاصبع ومشية البطة ومضحكة قردية من ثلاث حركات كنت اتقنتها من عملي عشرة اعوام في صف المعارضة العراقية البائدة!

لتوسيع المشهد واتمام النعمة صرت انا مصدر العائلة الاوحد في السياسة. طلبت منهم ان لا يحزنوا ولا يهنوا ولا يشعروا بالمهانة اذا ما تأخر تشكيل الحكومة وان لا يعيروا ادني اهتمام لشائعة تبديل اثاث البطاقة التموينية بدبة غاز. ولأن السياسة تستدعي وسائل ايضاح ، قمت بتقليد ابتسامة بوش الابن ومشية بوش الاب وحيرة كوفي عنان وضحكة جندية امريكية قدام جثة عراقية عزلاء ومقهورة وكانت بي رغبة ملحاحة لتمثيل فلم جنود بريطانيين وهم يركلون فتية وصبية عراقيين علي بطونهم وخصيانهم ومؤخراتهم لكن ولدي الاكبر عمر رفض بشدة ان يقوم بدور الصبي المركول واصر علي القيام بدور الجندي البريطاني تاركا دور الصبي لي عندها اهتزت شواربي وتعرق جبيني وصرخت غيرتي فقمت من قعدتي ونزلت علي الولد راشديات وجلاليق ونعالات وبوكسات فدب الهرج وساح المرج وبكي نؤاس الحلو ففطر قلبي وادمي مهجتي وختم كبدي بمقترح تشمع لحظتها افلت الولد عمر من بين يدي وصفعته بمفردة "ادبسز" العزيزة!