واشنطن – منير ناصر
أدى العنف المتصاعد في فلسطين والتظاهرات المعادية للولايات المتحدة في العالم العربي إلى خلق جو أزمة في واشنطن دفعت بالمسؤولين الأميركيين إلى التعامل مع أوضاع متفجرة وذلك قبل 30 يوماً فقط من الانتخابات الرئاسية.
وقد انهمك كلينتون وكبار مساعديه ببذل جهود مكثفة لإنقاذ ما تبقى من عملية السلام، والأهم من ذلك إنقاذ حكومة باراك من الانهيار، وفوق ذلك كله كافحوا من أجل تخفيف الضغط على باراك الذي جاء يعتزم توجيه ضربة ضد لبنان وسوريا. وكان المسؤولون الأميركيون قلقين من أن تؤدي ضربات كهذه إلى إشعال الرأي العام في العالم العربي والإضرار بالمصالح الأميركية في المنطقة بما في ذلك ارتفاع هائل في أسعار النفط والتي أصبحت قضية ساخنة في الانتخابات الأميركية.
في غضون ذلك، تعرض الرئيس كلينتون لهجوم من قبل الكونغرس وقيادة اليهود الأميركيين لعدم إلقائه اللوم على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات " لتنظيمه الانتفاضة ضد إسرائيل في فلسطين".
وتعرض كلينتون أيضا للضغط من قبل الحكومات العربية لعدم إلقائه اللوم على إسرائيل لقيامها بالاستفزازات التي أدت إلى العنف، وتقف الولايات المتحدة حالياً مترددة إزاء توجيه أصابع الاتهام إلى عرفات خوفاً من إثارة المشاعر الفلسطينية والعربية في المنطقة وتعريض السفارات الأميركية للخطر، حيث أن هذه السفارات أصبحت هدفاً للاحتجاجات الغاضبة في الأيام الأخيرة.
قد تساعد هذه الضغوط في تفسير سبب إقدام إدارة كلينتون على إصدار بيانات مقتضبة تدعو غالباً كلا الجانبين لكبح الجماح وحثهما على الاجتماع على مستوى القمة لحل القضايا العالقة بينهما. ويفسر هذا أيضا إحجام الإدارة الأميركية عن استخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي اتهم إسرائيل بالاستخدام المفرط للقوة في قمع الانتفاضة وذلك لتجنب إغضاب العالم العربي. وقد قدم خبراء شؤون الشرق الأوسط في الإدارة بمن فيهم منسق شؤون الشرق الأوسط دينيس روس ومدير وكالة المخابرات المركزية جورج تنت ونائب وزيرة الخارجية توماس بيكرينغ توصيات إلى كلينتون للامتناع عن التصويت على القرار بدلاً من نقضه، وقد كان هؤلاء الخبراء على قناعة بأن استخدام حق النقض (الفيتو) من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من أعمال العنف وتعريض أرواح الأميركيين في المنطقة للخطر.
التزم المسؤولون الأميركيون في مرحلة أولية الحياد حيال اندلاع أعمال العنف ووجهوا نقداً بسيطاً للزيارة التي قام بها زعيم حزب الليكود، أرييل شارون للحرم الشريف قائلين إنها غير بناءة. وعندما تصاعدت أعمال العنف، أصبحت أولبرايت أقل حيادية في تعليقاتها واتهمت عرفات بشكل فظ بإثارة العنف، وصرحت في مقابلة مع شبكة NBC التلفزيونية يوم السبت قائلة : "المشكلة.. أن الفلسطينيين، يضعون الإسرائيليين تحت الحصار بطرق مختلفة، نحن قلقون إزاء الاستخدام المفرط للقوة ولكننا قلقون أيضا حيال أسلوب التفكير بالحصار هذا الذي يحرض عليه، بطريقة ما، كافة رماة الحجارة".
كانت الانتقادات التي وجهها الكونغرس أكثر فظاظة في إلقاء اللوم على عرفات، وقد أصر عضو الكونغرس من الحزب الجمهوري رئيس لجنة العلاقات الدولية بنيامين جيلمان بأن هناك دليلاً واضحاً على أن عرفات هو المحرض والمنسق لأعمال العنف.
ويقول إدوارد أبينغتون، وهو قنصل أميركي سابق في القدس ويعمل حالياً كممثل للسلطة الفلسطينية في واشنطن أن نقداً كهذا يفترض بأن لدى عرفات سلطة على الفلسطينيين أكثر مما هو حاصل فعلاً، وقال لصحيفة واشنطن بوست: " يفترض الجميع أن عرفات .. يستطيع إشعال وإيقاف العنف كمن يفتح ويغلق صنبور الماء، وهذا شيء غير صحيح على الإطلاق" وأضاف أنه " في كل مرة تندلع فيها أعمال العنف، يقال إنه خطأ عرفات، وما يميل الناس إلى تجاهله هو الإحباط المكبوت الذي يتولد عندما تتوقف عملية السلام أو تبدو أنها فقدت اتجاهها، فمن وجهة النظر الفلسطينية فإن إسرائيل .. تود استخدام عملية سلام مستمرة كغطاء في الوقت الذي تستمر فيه بتوسيع المستوطنات ومصادرة أراض جديدة".
الاحتجاجات العربية واليهودية
في غضون ذلك، فرض التوتر في الشرق الأوسط نفسه على السياسة الأميركية الداخلية حيث أن هيلاري كلينتون اختلفت مع زوجها في الرأي واتهمت حكومة الولايات المتحدة بأنها كانت على خطأ لعدم استخدام الفيتو ضد قرار مجلس الأمن الدولي الذي يلقي باللوم على إسرائيل في استخدام العنف ضد الفلسطينيين. وقد شنت السيدة الأولى في جلسة المناظرة الثانية مع منافسها ريك لازيو هجوماً عنيفاً على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يندد بإسرائيل لاستخدامها القوة " المفرطة" ضد الفلسطينيين في دعوة واضحة لكسب أصوات اليهود. وقالت هيلاري في المناظرة التلفزيونية "أعتقد أن عدم استخدام الفيتو كان تحركاً خاطئاً".
وأضافت أنه " كان عملاً غير صحيح ومتحيزاً .. لقد أصبت بخيبة أتمل شديدة لأنني أرى أن المسؤولية تقع مباشرة على الرئيس عرفات".
وقد تظاهر في نيويورك أكثر من مائتي يهودي خارج مقر البعثة الفلسطينية للأمم المتحدة دعماً للإجراءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. ووفقاً للتقارير الصحفية، فإن بضعة متظاهرين من رابطة الدفاع اليهودية المتشددة انضموا إلى التظاهرة وهم يحملون شارات كتب عليها" حطموا الإرهاب العربي". وقام أحد أعضاء رابطة الدفاع اليهودية بتمزيق العلم الفلسطيني حينما كان زملاؤه يهتفون، "اطردوا العرب الآن"! خارج أبواب مقر البعثة.
وفي تطورات أخرى عمل الأميركيون العرب على تكثيف المظاهرات في المدن الأميركية خلال الأسبوع احتجاجاً على الرد العسكري الإسرائيلي على الانتفاضة في الضفة الغربية وغزة. وفي نيويورك، قام عدد يقدر بثمانية آلاف من المحتجين بمسيرة الأسبوع الماضي وهي الثالثة من نوعها في المدينة منذ أن بدأت المواجهات وقد جرت تظاهرات أمام البعثات الإسرائيلية في سان فرانسيسكو وواشنطن أيضا.
وفي شيكاغو، تجمع آلاف من المتظاهرين وسط بحر من الأعلام الفلسطينية الحمراء والخضراء والسوداء في وسط المدينة مطالبين بانسحاب القوات الإسرائيلية فوراً من الأراضي الفلسطينية ومطالبين الولايات المتحدة بالتنديد بقتل المدنيين، ويقدر منظمو هذه الاحتجاجات بأن اكثر من 150.000 عربي يعيشون في منطقة شيكاغو من بينهم 80,000 فلسطيني ويعيش أكثر من350.000 مواطن من أصل عربي في ميشيغان كما يقدر عدد الأميركيين من أصل عربي في الولايات المتحدة بثلاثة إلى أربعة ملايين نسمة من بينهم 500.000 فلسطيني.
وقام آلاف من العرب المحتجين بأربع تظاهرات رئيسية في منطقة ديترويت الأسبوع الماضي عبروا فيها عن الغضب الشديد ضد إسرائيل وطالبوا بأن لا تستخدم أموال الضرائب التي يدفعونها كمساعدات أميركية لإسرائيل.
قدرت الشرطة في جنوب كاليفورنيا عدد المشتركين في تظاهرة واحدة في مدينة انهايم بحوالي 10,000 متظاهر، وقد أغلقت التظاهرات الشوارع في المدينة، بينما ردد المشاركون الأغاني الوطنية والاحتجاجات ضد سياسة الولايات المتحدة ذات المعايير المزدوجة والتي تطالب بقوة بالحرية في يوغسلافيا وليس للشعب الفلسطيني. وجرت احتجاجات فلسطينية أخرى أمام القنصلية الإسرائيلية ومبنى الحكومة الفيدرالية في لوس أنجلوس، ويقدر عدد الأميركيين العرب في كاليفورنيا بحوالي مليون مواطن بينهم 15,000 من أصل فلسطيني.