الدعم الأميركي الأعمي للاحتلال الإسرائيلي المستمر للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية حالة من الصدام بين أطراف الصراع والعجز داخل المجتمع الدولي من حيث كيفية تطبيق سلام عادل في الشرق الأوسط، ورغم ذلك، إلا ان الجانب الفلسطيني بقي ملتزما بعملية السلام التي ترعاها الولايات المتحدة والتي ثبت تداعيها تماما كتداعي النوايا الإسرائيلية لتنفيذ الاتفاقيات الموقعة.
تخوض القيادة الفلسطينية اليوم معركة شاقة لتسوية المظالم التاريخية التي لحقت بفلسطين وشعبها، وذهب الفلسطينيون إلي مدريد، وأوسلو، وكامب ديفيد بأكبر تنازل طوعي يمكن لشعب أصيل أن يقدمه في سبيل تحقيق السلام، ويقضي بالتخلي عن 78% من وطن أجدادهم كي يتسني لليهود تحقيق أحلامهم، وفي المقابل، توقع الفلسطينيون من المحتلين الإسرائيليين أن ينهوا احتلالهم غير الشرعي لبقية الأرض الفلسطينية بما يتماشي مع القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، لكن ما حصل عليه الفلسطينيون مقابل ذلك تمثل في هجمة عدوانية اسرائيلية غير مسبوقة - عقوبات جماعية شاملة، واعتقالات، واغتيالات سياسية، واقتلاع الاشجار، وحرق المدارس، وتشويه الأطفال، وحصار اقتصادي، ودبابات، ومدافع ومروحيات، وطائرات أف-16 والكثير الكثير.
كان يفترض أن تمهد اتفاقية السلام الانتقالية التي تم التوصل اليها بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل سنة 1993 الطريق للتوصل الي اتفاقية وضع دائم من شأنها أن تنهي الصراع وتريح المجتمع الدولي من عذاب الضمير الذي يكتنف هذه البؤرة الدولية الحساسة، ولم يكن من قبيل الصدفة ان تسمي اتفاقية أوسلو لسنة 1993 بالمرحلية ، فقد شكلت السنوات الثماني الأخيرة من عملية بناء السلام المرحلية جسرا نحو سلام عادل وشامل، علي الأقل من المنظور الفلسطيني، لن يكون بمقدور الفلسطينيين إذا أقدمت إسرائيل علي تدمير هذا الجسر إلا أن يستعيدوا ذاكرتهم الجماعية، تلك الذاكرة التي تحتضن فلسطين التاريخية التي عاش فيها المسلمون، والمسيحيون، واليهود معا بسلام قبل إنشاء دولة إسرائيل.
تتوق الذاكرة الجماعية الفلسطينية التي تكتنفها المرارة إلي إعادة بناء 418 قرية فلسطينية دمرتها إسرائيل عشية إنشاء دولتها، وتتوق الي استعادة كل لاجيء مشرد للحياة التي كان يعيشها، والي إعادة غرس كل شجرة زيتون اقتلعها الاحتلال العسكري الاسرائيلي علي امتداد سنواته، كما انها تواقة الي إعادة الأسماء الاصلية للبلدات والقري الفلسطينية التي هودتها إسرائيل: تل الربيع بدلا من تل أبيب، وحطين بدلا من أرييل وكفار زيتيم، وعكا بدلا من أكو، ويافا بدلا من يافو، ونابلس بدلا من شخيم، والخليل بدلا من حبرون، وتتوق الذاكرة الجماعية الفلسطينية الي إعادة الحمص والفلافل الي أصحابها الشرعيين، ودمغ برتقال يافا بعلامة زرع في فلسطين والفلكلور الفلسطيني الي ثقافته الشرعية.
احتاج الفلسطينيون - ضحايا المشروع الاستعماري المطول في القرن العشرين - الي 45 سنة لاستيعاب أنهم أصبحوا موضوعا لتاريخ لم يكن لهم، وبالتالي فإنهم قبلوا بوجود الكيان السياسي الإسرائيلي، إذا ضاع الأمل اليوم، وأذعنت إسرائيل للمستوطنين غير الشرعيين وغلاة المتطرفين اليهود وشنت الحرب، فلا يمكن إلا أن نتوقع أن لا يحتاج الفلسطينيون إلي أكثر من 45 ساعة لاستعادة المنبر السياسي الذي تقوم دعائمة علي ذاكرتهم الجماعية الشرعية.
إذا أخفقت دبلوماسية وسياسة القرن الحادي والعشرين في تحقيق العدالة واستعادة حقوق الفلسطينيين، رغم ما لحق بها من سلب وانتهاك، من المتوقع ان تعود الذاكرة الجماعية الفلسطينية المستردة لتوفر للفلسطينيين اكتفاء بالعدالة الشفوية علي الأقل، إسرائيل تدرك ذلك جيدا، لذلك فإنها لا تجرؤ علي تمزيق اتفاقيات أوسلو، وحتي رئيس وزرائها الحالي المتصقر لا يجرؤ علي ذلك، كما ان الولايات المتحدة تدرك ما هو أكثر من ذلك، ولذلك فإنها لا تجرؤ علي إدارة ظهرها لتلك الاتفاقيات، بصرف النظر عن هشاشة تنفيذها وجهل الإدارة الحالية بالقضايا، من ناحيته، يدرك ياسر عرفات دون أدني شك انه يشكل العمود الذي تستند إليه لبنات سياسة الشرق الأوسط الجديد التي لا تزال تتبناها الولايات المتحدة رغم ما لحق بها من فشل ناجم عن قبح تحيزها وازدواجية معاييرها.
كما أن عرفات يعرف جيدا انه إذا لم يتمخض عن جهود السلام المرحلية المتداعية إنهاء كامل لمختلف أشكال الاحتلال الاسرائيلي، فإنه لن يكون لدي الشعب الفلسطيني أي بديل سوي اللجوء الي الذاكرة الجماعية الفلسطينية بصرف النظر عن الثمن.
تنطلق الحملات الإعلامية البراقة من واشنطن وتل أبيب لتصور الضحية الفلسطينية بمظهر المغتصب والمغتصب الاسرائيلي بمظهر ضحية بريئة في امس الحاجة الي جرعات أمنية لا نهاية لها، علي الرغم من ذلك، شاهدنا الفلسطينيين يحيدون عن طريقهم لتسهيل دخول اسرائيل الي الشرق الأوسط كطرف شرعي ومتساو وشريك في المستقبل، وسوف يحكم التاريخ علي حكمة القيادة الفلسطينية من تلك الاستراتيجية بينما لا يمكن لاسرائيل ان تنتظر التاريخ، يجب علي اسرائيل ان تختار اليوم بين السلام، وفقا للأسس المعترف بها دوليا، مع الشعب الاصلي الذي سلبته حقوقه أو مواجهة عزلة تمتد لنصف قرن آخر، ومصحوبة بمعضلات وتبعات العوامل الديموغرافية.
يكتب سن - تزو في روايته العسكرية الكلاسيكية الصينية الشهيرة (فن الحرب) قائلا في نفس اليوم الذي يتم فيه إعلان الحرب، عليك ان تقطع الممرات، وتدمر كافة أدوات الاتفاق، والحيلولة دون أي اتصال مع رسل العدو ، ومن هذا المنطلق، فإنه لا ينبغي ان نتوقع من الفلسطينيين أن يكونوا أكثر حكمة في المجال العسكري من العلوم العسكرية الكلاسيكية، إذا كانت طبول الحرب التي يقرعها شارون تترجم الي حرب شاملة ضد الشعب أو القيادة الفلسطينية، فإنه لا ينبغي للعالم - والأميركيين والإسرائيليين بشكل خاص - أن يتوقعوا ان تبقي اطارات اتفاقيات أوسلو، أو تقرير ميتشيل، أو العدد الكبير من قرارات الأمم المتحدة التي أكل عليها الدهر وشرب نقطة مرجعية لأية تسوية مستقبلية للصراع.
إذا كان علي الفلسطينيين أن يختاروا بين إبادتهم أو ذاكرتهم الجماعية، فإنهم علي الأرجح سيختارون الأخيرة، وسيكون المستقبل مجالهم الحيوي، من ناحيتها، ينبغي علي اسرائيل ان تختار بين استمرار الاحتلال وبين الحفاظ علي دولتها، إن مجرد الاعتقاد بانه يمكن لها ان تحتفظ بكلا الخيارين لا يخرج عن كونه جهلا تاما بتاريخ وتطور الشعوب.
* المقالات الواردة في هذه الزاوية لا تعبر بالضرورة عن رأي البوابة، وتعبر عن رأي كاتبها.
* وترحب البوابة بأي مساهمة للنشر من الكتاب العرب.