تحتاج أحيانا إلى أن تمسك رأسك؛ لتتأكد من أنه ما يزال مكانه؛ فسيل الاخبار والزعيق والنقاش الذي يداهمنا يوميًا يجعل من الصعب علينا أن نحفظ توازننا، ونتبين الوجهة التي يجب ان نقصدها.
ينسب الاعلام الموجه عادة الى الانظمة الشمولية، وقد زال غالبيته في اعقاب العقود التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، والمفترض ان الاعلام في العالم الحر حر، بيد أن بينه وبين الحرية وقول الحقيقة مسافة لا تقل عن الألف ميل.
أما في العالم العربي فالمسافة لا تقل بالنسبة لبعض وسائل الاعلام عن تلك التي بين الأرض وطرف المجرة.
ثمة من يدفع بخبر قد تعتبره ثانويا الى واجهة الاخبار؛ لينحصر تركيزك عليه، تماما كما ينشغل خطيب في الحديث عن فؤائد البندورة، في حين أنه يعرف أن البيت المجاور للقاعة التي يخطب بها يشتعل.
هذا الطرف يتحدث ويوضح ويخون ويلعن سنسفيل خصومه، ثم يأتي طرف مقابل ليقول العكس، فأيهما أصدق؟
خبر يأتيك مفصلاً لدرجة انك توشك ان تتقيأ الكلام والصديد منه، وخبر آخر يأتيك موجزاً، ودون توضيح لأي من عناصره.
إلى جانب الفضائيات «الموجهة»، ثمة مواقع وصحف وغيرها من وسائل الاعلام تعبث بأدمغتنا، لدرجة ان الالوان باتت تتساوى والتوجهات أحيانا، وزاد «فيس بوك» و»تويتر» وغيرهما من وسائل التواصل الاجتماعي من هذه الربكة.
هذا الاعلام يريد أن يحدد حتى ذائقتك، فهو يبث سيولًا من البرامج والمسلسلات والاغاني، وحتى قراء القرآن الكريم «استغفر الله» من طعم ولون واحد.
والاسوأ ان التسميات الجاهزة يمكن إطلاقها على أي كان، بغض النظر عن دينه ومذهبه وقناعاته، فهو مجرم و»..» حتى لو كان جالسا على مقهى وتعثر بساقه الممدودة عابر مجاز، وهو بريء وملاك حتى لو كان في عنقه آلاف الضحايا.
لا حقيقة فيما تقدمه لنا الكثير من وسائل الاعلام، حتى لو كان البث مباشراً، انها الحقيقة التي يريد موجه الاعلام ان تصلك.
وما يتعب الرأس، إذا سعى للنظر وراء ما يجود به هذا الإعلام، وحلل وفهم، عندها إما ان ينفجر، أو يقول: حط راسك بين الرؤوس وقول يا قطاع الروس. وهما خياران مُران على الاغلب والاعم، يعني بالعربي: «يا بتصير حيط.. يا بتضرب راسك بالحيط».
مرة كتب ارنست هيمنغواي عن النمر الذي صعد فوق جبال كلمنجارو ومات هناك، وظل السؤال حائراً، كيف صعد إلى حيث الثلوج؟. ربما.. هرب من أصوات الغابة الموجهة! وربما لو كتبت وسائل الاعلام اياها عنه، لتبين ان النمر لم يفر، وجادلت بأنه ما يزال حياً يتمختر في الغابة وينتقي الظباء والأيائل، ونسبت مقتلها إليه.