كمن هرم فجأة، عاد وزير الاعلام العراقي السابق محمد الصحاف الى الشاشات براسه التي كساها الشيب، ليعلن للعالم انه لا يعرف شيئا عن رئيسه المخلوع، وليؤكد بذات النبرة الواثقة التي كان يقدم فيها بياناته الرنانة، التي تبين لاحقا انها "كاذبة"، انه كان صادقا في كل كلمة قالها قبل سقوط بغداد.
وذهل العراقيون لدى رؤيتهم الاسبوع الماضي، الرجل الذي لقبوه بالآلة الكاذبة على فضائيتي "ابو ظبي" و"العربية"، وقد هزل وابيض شعره وبدا مختلفا تماما عن شكله الذي ظهر فيه اخر مرة قبيل سقوط نظام بغداد في التاسع من نيسان/ابريل.
وعلق عراقي على ما شاهده قائلا "انه يشبه نسخة هرمة عن الوزير المطلق النفوذ في تلك الحقبة. يبدو هزيلا ومتعبا وقد شاب شعره تماما".
وقال اخر "لقد هرم خلال شهرين، وكأن هذا شقيقه الاكبر"، مذكرا بان العديد من القادة العراقيين كان لديهم اشباه لاسباب امنية مثل صدام حسين نفسه.
وتفكه ثالث قائلا ان ظهور الصحاف "يثبت انه لم يعد لديه الوسائل لاستيراد مواد لصبغ" شعره.
واضاف "عانينا جميعا من الفقر ايام كان رجال صدام يهدرون الاموال العامة ويسعدني ان اراه بشعره الطبيعي. مظهره طبيعي وكأنه ازال عن وجهه القناع الفظيع لنظام صدام".
وكان محمد سعيد الصحاف يدلي بتصريحات يومية امام كاميرات التلفزيونات خلال الحرب، اكسبته شهرة عالمية لما تضمنته من سخرية حيال الاميركيين واكاذيب بشأن مجريات الاحداث.
وكان لا يزال يؤكد عشية سقوط بغداد ان الاميركيين لم يدخلوا العاصمة، في وقت لم تعد الدبابات سوى على مسافة بضع مئات الامتار منه.
اداؤه ابهر حتى بوش
ولم يتوقف وزير الاعلام السابق خلال الحرب عن الادلاء بتصريحات يسخر فيها من الاميركيين الذين كان يلقبهم دوما ب"العلوج" و"الطراطير"، عبارتان اشتهر بهما حتى اقترنتا بشخصه، وهما تحملان معان عدة، من الكفار من غير العرب الى الحيوانات المفترسة، مرورا بالعلق.
وابهر اداء الصحاف الناس العاديين وايضا الساسة وعلى أعلى مستوياتهم، ومن ضمنهم الرئيس الاميركي جورج بوش الذي اعترف بانه خصص موظفا في البيت الابيض لرصد محطات التلفزة وابلاغه حال ظهر الصحاف على شاشة أي منها.
وزاد بوش بان اقر بانه كان يقطع اجتماعاته في البيت الابيض من اجل مشاهدة الصحاف وهو يؤكد ان الاميركيين ينتحرون على اسوار بغداد، فيما واقع الامر هو ان القوات الاميركية كانت تصول وتجول وسط بغداد.
وكانت لدى الصحاف قدرة عجيبة على بث النشوة في روح المشاهد العربي خصوصا والذي كان يغيب لحظات عن وعي الاحتلال المتوغل، ليصدق ان الاميركيين والبريطانيين سيتعرضون في اية لحظة الى مذبحة جماعية غير مسبوقة في التاريخ.
وبلغ الاعجاب بالرجل افاق الاوروبيين والاميركيين، وراجت العديد من المنتجات التي تحمل اسمه، عدا عن ان معجبين بشخصيته انشاوا له موقعا على الانترنت.
وقد راجت شائعات عدة حول مصير الصحاف، فزعم البعض انه هرب الى سوريا، في حين قال البعض انه لجأ الى السفارة الايرانية واكد البعض الاخر انه يختبئ عند شقيقته في بغداد.
لا يعرف شيئا عن صدام ونجليه.
وقد اكد الصحاف في مقابلة مع قناة "العربية" بثت الجمعة انه لا يعرف شيئا عن مصير الرئيس المخلوع صدام حسين وعن نجليه.
وردا على الاسئلة المتكررة التي طرحها صحافي في قناة "العربية" الفضائية في دبي حول مصير صدام حسين والمسؤولين العراقيين الآخرين، قال الصحاف "لا اعرف شيئا".
واضاف الصحاف "لم التق بأي من نجلي صدام حسين"، عدي وقصي او بمسؤولين آخرين عراقيين تلاحقهم السلطات الاميركية منذ سقوط بغداد في التاسع من نيسان/ابريل.
واكد انه استسلم لسلطات الاحتلال الاميركية التي استجوبته واطلقت سراحه.
والوزير السابق غير مدرج على لائحة المسؤولين العراقيين ال55 المطلوبين لدى قوات التحالف، وهو ما يفسر عدم استبقائها له.
ورفض الوزير السابق تقديم اي معلومة حول اسباب "انهيار" القوات المسلحة العراقية امام تقدم القوات الاميركية في بغدد والسقوط السريع للعاصمة.
وقال "لم يحن الوقت لنحكي ما جرى"، مؤكدا انه لا يريد "الاستعجال" في الحكم على مجريات الحرب التي كانت "زلزالا يستأهل البحث والتعمق".
وردا على سؤال حول ما اذا كان تألم من انتشار الدبابات الاميركية في بغداد فيما كان يستمر في التأكيد للصحافة ان العاصمة لن تسقط، اجاب الصحاف "بالتأكيد".
واضاف الصحاف الذي كان المتحدث باسم نظام صدام حسين "مشاعري هي مشاعر اي عراقي في تلك اللحظة".
وفي مقابلة اخرى بثها الخميس تلفزيون ابو ظبي، اكد الصحاف انه لا يعرف شيئا عن مصير صدام حسين.
واضاف ان المعلومات التي كان يوزعها عن سير الحرب "كانت صحيحة لكن تفسيرها لم يكن صحيحا".
واوضح الصحاف انه غادر وزارة الاعلام يوم استولت القوات الاميركية على العاصمة "انا وأحد اصدقائي ولم يكن معي سائق".
لكن الوزير العراقي السابق رفض التحدث عن العمليات التي تستهدف قوات التحالف في العراق.
واعلن "ليس لدي ما أقوله"، مؤكدا من جهة اخرى انه سينسحب من الحياة السياسية، قائلا انه "لم يندم" على تجربته في وزارة الاعلام.
وقال الصحاف "سأنكب على رعاية اسرتي وعلى شؤوني الشخصية .. وعلى كتابة" مذكراته.
والصحاف اب لثلاثة ابناء بينهم ابنة وجميعهم متزوجون كما اوضح.
واضاف "نحن اسرة بسيطة متواضعة حالنا حال الاخرين ... لم نكن اسرة متميزة".
وعمل الصحاف لسنوات عدة في الإذاعة والتلفزيون بالعراق، شغل بعدها منصب سفير، ثم وزير الخارجية في أواخر التسعينيات قبل أن ينحيه صدام حسين عن منصبه، ويوليه وزارة الإعلام في إبريل 2001.—(البوابة)