البوابة-خاص
حطت رحال المعارض العراقي البارز، أحمد الجلبي في العراق بعد اغتراب قسري دام اكثر من اربعة عقود، لكنه بهذا يكون قد اقترب أكثر من أية فترة مضت، من الأردن المجاور الذي أصدر بحقه حكماً بالسجن لمدة 22 عاماً، على خلفية تورطه في قضية "بنك البتراء" الشهيرة والتي يطالبه الأردن بسببها أيضاً، برد ملايين الدنانير التي "اختلسها" من البنك الذي كان يرئس مجلس ادارته.
والرجل الذي رفض عروضاً بالعودة إلى الأردن للمثول وجاهياً أمام المحكمة، كان فر من المملكة قبل نحو عامين ونصف العام من محاكمة جرت عام 1994 وصدر في اثرها حكم غيابي بحقه، بعد إدانته بتهم الاختلاس وإساءة الائتمان والاحتيال.
وتؤكد اوراق القضية في هذه المحاكمة ان الجلبي تمكن على مدى السنوات السبع التي تولى فيها ادارة بنك البتراء، من اختلاس مبالغ تجاوزت 30 مليون دولار.
وكان البنك الذي سجل في الأردن عام 1979 كشركة مساهمة عامة أردنية برأسمال قدرة 3 ملايين دينار، انتخب محمد طوقان رئيساً لمجلس إدارته، وبعد وفاة طوقان عام 1982 تولى نائبه والمدير العام للبنك أحمد الجلبي رئاسة مجلس الإدارة إلى جانب احتفاظه بمنصب المدير العام.
وبقى الجلبي في هذا المنصب، حتى صدور قرار لجنة الأمن الاقتصادي الأردنية في آب/أغسطس عام 1989، المتضمن حل مجلس إدارة البنك وأعضاء الجلبي من منصبه وتعيين لجنة أشراف على البنك المنهار.
وكان الجلبي عضواً في هذه اللجنة، غير أنه تمكن بعد أحد عشر يوماً من تشكيلها من الفرار إلى خارج البلاد "بطريقة غير مشروعة".
وبعد عامين ونصف العام من التحقيق والمحاكمة، أصدرت محكمة أمن الدولة الأردنية قرارها في القضية التي تمت محاكمة نحو 47 شخصاً على خلفيتها.
وتروي محاضر المحاكمة الفصول والادوار التي لعبها الجلبي في هذه القضية والتي سببت هزة قوية للاقتصاد الأردني.
وتقول هذه المحاضر في سرد لحكاية هذه القضية أن الجلبي الشاب الطموح، واللامع الذكاء. كان اختط منذ ترؤسه مجلس إدارة البنك، سياسة مالية اتفقت مع مصالحه ومصالح أقربائه من المتهمين في هذه القضية، وذلك عبر شبكة بنوك تخص وتخدم مصالهم.
ومن هذه البنوك، بنك مبكو/بيروت وسوكوفي/جنيف، وبترا/واشنطن، ومؤسسات أخرى من مثل شركة الرمال التجارية و"انفستمنت غروب" في لندن.
وقد سهلت هذه الشبكة من البنوك للجلبي تسخير موارد بنك الأردن البتراء المالية، والتعدي عليها، من خلال الاختلاس والتصرف بها بإقراضها والتفريط فيها، على نحو لا يتفق مع مصلحة البنك، بحسب ما تقوله اوراق القضية التي تشير الى انه تم له كل ذلك بحكم أنه كان الامر الناهي في البنك وكافة البنوك المشار اليها سابقاً، والتي كانت تشكل بنوكاً شقيقة لبنك البتراء.
وقد لجأ في سبيل ذلك الى اتباع "طرق وأساليب احتيالية تضليلية بقصد التمويه على مساهمي البنك والبنك المركزي الأردني، وذلك عن طريق التلاعب في قيود البنك وسجلاته والتزوير ودس كتابات غير صحيحة واتلاف الحاسابات والأوراق وإنشاء قيود وهمية في الحسابات المختلفة واستعمال حسابات وهمية لا وجود لها".
وتفصل اوراق القضية هذه الاساليب وتقول انه اشترى ديوناً معدومة، وسخر أموال البنك المالية للمتاجرة بالذهب وغيره من المعادن. كما ضارب بالعملات وهرب أمولاً إلى الخارج، وجمعها في شركات ومؤسسات مالية تابعة له ولال الجلبي في لندن وجنيف وواشنطن وبيروت.
وبحسب ما تسجله أوراق القضية، فقد وجدت المحكمة أن ما ساعد الجلبي على مقارفة هذه الأعمال اتصافه بشخصيه مميزة وذات سطوة ونفوذ هائلين، إلى جانب أنه أيضا كان يتمتع بقدر كبير من الذكاء.
هذه الصفات وكما تقول المحكمة، مكنته من ايهام موظفي البنك العاملين تحت امرته بانه رجل على درجة عالية من الاستقامة والنزاهة، وشخص متفان في العمل ويخلص له أشد الإخلاص. وبالتالي، تسابق الجميع لتنفيذ أوامره وخطب ثقته ووده.
وبالنتيجة، تمكن الجلبي من فعل ما يريد، فاقحم البنك في كفالات ومشاركات، ورتب عليه التزامات مالية في الخارج بالعملات الصعبة، إضافة إلى منحة تسهيلات هائلة، وتجديده ودائع باسماء شركات خاسرة ناهيك عن التورط في استثمارات لا مبرر لها، وشرائه ديون دول متعثرة.
وأدى كل ذلك إلى نقص في السيولة. وقبل أن تستفحل المشكلة، لجأ الجلبي إلى قبول وطلب ودائع بمبالغ كبيرة من البنوك المحلية، وخصم كمبيالات وأجرى سحوبات لدى بنوك أجنبية وبأسعار عالية، واقتراض من البنك المركزي، وقام بمقايضات للحصول على الدينار، وفتح اعتمادات بالعملات الأجنبية بكفالة البنك المركزي بواسطة عملاء أردنيين ولخصم حصيلتها وتوريدها إلى البنك، وكل ذلك لتوفير السيولة.
وترتب على هذا، تحميل البنك التزامات تفوق طاقته، واستنزاف إيراداته.وفي النهاية لم يعد البنك قادراً على توفيق أوضاعه مع متطلبات البنك المركزي. وبناء على هذ صدر قرار لجنة الأمن الاقتصادي القاضي بحل مجلس الإدارة وتشكيل لجنة لتسيير أعمال البنك.
وتورد أورق المحكمة أمثلة على بعض ممارسات الجلبي التي قادت إلى تدهور البنك.
وتقول انه وبين عامي 1980 و1989 داب على اختلاس مبالغ كبيرة مستخدما نفوذه وسطوته، وتجاوزت قيمة هذه الاختلاسات المليوني دينار اردني.
وتشير كذلك الى انه استاجر خصيصا طائرتي ترايستار وايرباص لنقل جثماني والديه من لندن الى دمشق، وحمل البنك التكاليف.
غير ان هناك عمليات رئيسية كان يقوم بها، ومنها أنه قام عام 1984 بالمساهمة من خلال البنك في تأسيس البنك السوداني في الخرطوم تبلغ مليون و 750 ألف دولار. ووقع اتفاقيات المساهمة بالتعاون مع هذا البنك ومن شروط هذه الاتفاقيات أتعاب إدارة سنوية لبنك البتراء بلغ مجموعها للسنوات من 1983 ولغاية 1986 مليونين و 620 ألف دولار، قام الجلبي باختلاسها عن طريق تحويلها بواسطة بنك سوكوفي/جنيف إلى شركة (بترا غروب) المفوض هو شخصياً بالتوقيع عنها.
وخلال الفترة من 1984 ولغاية 1989، حاول الجلبي اظهار البنك في وضع مالي جيد تجاه البنك المركزي بالرغم من انه كان يحقق خسائر. حيث اوعز للدائرة المالية في البنك باجراء عدد كبير من القيود الوهمية على حسابات البنوك في الخارج لحسب الفائدة المقبوضة ولحساب الايرادات الاخرى.
وكانت هذه القيود تم في منتصف ونهاية كل عام وفي فترة لاحقة كان يتم عكسها مرة اخرى ومن حساب الى اخر. الا انها كانت تبقى في حساب الفائدة المقبوضة من بنوك اجنبية.
وقد اشترك الجلبي في استثمارات خطرة يمنعها القانون الاردني، دون اظهار هذه العمليات على حقيقتها، ومنها شراؤه عام 1988 شرائح ديون الحكومة السودانية المعروضة في الاسواق المالية، وقبلها بعام اشترى ديونا بولندية.
وخسر في العملية الاولى 255 الف دولار، وفي الثانية مليونا ومائتي الف دولار.
وخلال عامي 1988 و 1989 قامت ادارة البنك ممثلة بالجلبي وبقصد توفير السيولة للبنك وللبنوك الخارجية بالحصول على قروض خارجية وذلك بان لجأ الجلبي الى طرحه الاقتراض باسماء مستعارة ودون موافقة البنك المركزي.
وقد اقترض نحو 7,5 مليون دولار بكفالة بنك البتراء وقام بتحويل المبلغ الى بنك سوكوفي/جنيف، الذي يملكه هو، وحمل البنك نحو 600 الف دولار كفوائد وعمولات.
ولم تظهر هذه القيود في السجلات. وبنفس الطريقة قام باقتراض خمسة عشر مليون دولار اخرى--(البوابة)