تحول "نصر" اسرائيل المتمثل في اعتقال امين سر حركة فتح في الضفة مروان البرغوثي، الى "كابوس" بات يؤرق المستويات السياسية في الحكومة، التي لم تعد قادرة على اتخاذ قرار حول ما ستفعله "بصيدها الثمين": هل تحاكمه، تبعده، تقتله، ام تطلق سراحه حتى لا تخسر "البديل الوحيد، بكل المقاييس، لقيادة السلطة في مرحلة ما بعد عرفات؟".
وفي الاونة، فقد بدات ساحة وسائل الاعلام الاسرائيلية، التي توحدت في النشوة ابان اذاعة نبا اعتقال البرغوثي، نهبا للاراء المتصارعة من كافة القوى الاسرائيلية، حول ما ينبغي فعله مع الرجل الثاني في "فتح"، كبرى التنظيمات الفلسطينية.
اصوات اليمين تعلو مطالبة بتقديمه الى محكمة عسكرية يخولها القانون اصدار قرارات الاعدام، واليسار يرفض ذلك، ويرى ضرورة تقديمه الى محكمة مدنية حتى لا تخسر اسرائيل صورتها "الديمقراطية"، وفي الوسط، تختلط الاصوات برغبات اصحابها، فمن مطالب بنفيه الى داع للتعامل معه كرجل سياسي وليس كمسؤول عسكري، وبالتالي ايجاد صيغة لمصيره على هذا الاساس، ومن بين الاصوات من وبخ الحكومة لاعتقاله وطالبها الافراج عنه فورا.
وفي خضم هذه العاصفة من الاراء المتباينة، يقف شارون حائرا تماما، بعد ان كان منتشيا الى ابعد الحدود قبل ايام.
فكما يرى الجانب العسكري الطاغي على عقلية شارون، فان الواجب القتالي يحتم ايقاع اكبر هزيمة بالخصم، وتحويله اما الى قتيل او اسير بلا كرامة او حق في الحياة كباقي البشر، الا ان اصوات المستشارين الامنيين والسياسيين يصمون باصواتهم اذنيه، ويحاولون اقناعه بضرورة ان لا يتم المس بحياة هذا الرجل الذي يملك كل مؤهلات القائد المتوقع للشعب الفلسطيني في "مرحلة ما بعد عرفات".
وطبقا لرؤية هؤلاء المستشارين، فان مرحلة من الفوضى العارمة ستجتاح السلطة بعد ان يتم "القضاء على رمزها" عرفات، عن طريق "قتله او عزله او نفيه" وليست هناك اية شخصية يمكن ان تسيطر على الفوضى، كما يمكن لشخصية البرغوثي ان تفعله وتتقنه.
الرجل اكاديمي حائز على درجة الماجستير في السياسة، ويعد لتقديم الدكتوراة، يشغل منصبا متقدما جدا في حركة فتح، كبرى واقوى المنظمات الفلسطينية، يتمتع بعلاقات ندية وحميمة مع رؤوس القوى الاخرى في الشارع الفلسطيني من اقصاه الديني الى اقصاه اليساري، ويحوز على شعبية هي الاكبر بعد شعبية عرفات في الشارعين الفلسطيني والعربي.
ويضاف الى كل ذلك ميزة السياسي في شخصيته، فهو غير عقائدي، بل رجل بعقلية براغماتية عملية النهج، يتبع الممكن، وفي الوقت نفسه، يخاطب المشاعر العقائدية، وينسجم معها، ولكنه لا ينقاد اليها، ولا يسمح لها بالانقياد الى درجة الوقوع في فخ الوهم.
الجدل يتصاعد ويتصاعد حول هذا الرجل الذي لا يخفي مقربون من شارون ان هناك احساسا بارتكاب خطا كبير في اعتقاله، وتوجها للبحث عن وسائل للتخلص من هذا الخطا، وللخروج من المازق.
وفي معمعة الجدل الدائر، بات البرغوثي شخصية لا تكاد تخرج صحيفة اسرائيلية، منذ اعتقاله، دون عناوين رئيسة وكبيرة على صفحاتها تتناول تاريخه ومستقبله، وما يجري له الان.
وبات الرجل "المخيف" بفعل الدعاية الاسرائيلية حول دوره في العمليات الفدائية، شخصية يلاحق الشارع الاسرائيلي اخبارها في المعتقل يوما بيوم، ماذا يفعل؟ اين هو؟ من يحقق معه وكيف؟ ماذا يقول في التحقيق؟ هل يجري تعذيبه؟..
وفي هذا السياق، تورد صحيفة يديعوت احرونوت احدث رصد لمجريات التحقيق مع البرغوثي، ولا تغفل طبعا اهتمامات القارئ الاسرائيلي الذي يريد ان يعرف حتى اقل التفاصيل اهمية حول معطيات وحيثيات ما يجري معه.
وبحسب ما تنقله الصحيفة عن مصادر امنية اسرائيلية، فان البرغوثي "يمضي وقته منذ أصبح رهن الاعتقال في غرفة سجن صغيرة، لم تخضع على مر السنوات إلى عمليات ترميم وصيانة..وتعتبر ظروف احتجاز المعتقلين في هذه الغرفة صعبة، وهذا مقصود. ويجلس مروان البرغوثي بين التحقيق والآخر في هذه الغرفة، محاولاً معرفة كيف تم اعتقاله".
وتقول مصادر يديعوت احرونوت ان البرغوثي بدا أمس فقط "إدراك حقيقة أنه سيمضي وقتاً طويلاً في هذا المكان".
وتضيف المصادر ان "البرغوثي لا يفتأ يسال محققيه، منذ أن اعتقل قبل ثلاثة أيام في مكان قريب من مقر عرفات في رام الله: كيف اكتشفتم مكان تواجدي؟"
ويجري الشاباك (جهاز الامن الداخلي الاسرائيلي) في الوقت الحالي تحقيقاً مكثفاً مع البرغوثي في محاولة لتقصي معلومات "تتعلق بعملية انتحارية أو مسلحة قريبة لإحباطها" بحسب ضباط الشاباك، الذين يقولون انهم لا يتعاملون مع البرغوثي على أنه "قنبلة موقوتة"، وبالتالي فان "التحقيق معه يدور حول أوجه سياسية (قد تسفر عن الكشف) عن تورط السلطة الفلسطينية ورئيسها عرفات في تنفيذ عمليات إرهابية".
الى هنا، وتشير (يديعوت احرونوت) الى ان تعليمات صدرت للمحققين في هذه المرحلة، بجمع أكبر قدر من المعلومات التي تثبت تورط البرغوثي مباشرة "بخلايا إرهابية"، لبلورة لائحة اتهام ضده.
ولا تخفي الصحيفة ان هناك احتمالا لاستخدام البرغوثي "كورقة مساومة" في إطار ترتيب إتفاق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في المستقبل.
البرغوثي الذي تقول مصادر الصحيفة انه "لم يبد تجاوباً مع محققيه"، يواصل التاكيد على أنه رجل سياسي ولا ضلع له "في العمليات والنشاطات الإرهابية".
وترى أجهزة الأمن إن البرغوثي قد يشكل "جوزة يصعب كسر قشرتها"، وتتوقع ان يجد المحققون صعوبة ممارسة "ضغط جسماني معتدل" عليه، ولن يكون أمامهم خياراً إلا إجراء "تحقيق ذكي"، يمكنهم من "الايقاع به في الشرك بدهاء".—(البوابة)