قامت بيروت من محنها مرات عدة على مر السنوات الماضية، وكانت كل مرة تعود الى العالم بحلة جديدة لتؤكد انها كطائر الفينيق الذي ينبعث من الرماد، وامس في الثاني عشر من شهر تشرين الاول عام 2000، وجهت بيروت رسالة سلام ومحبة وفرح الى العالم باسره في افتتاح بطولة الامم الاسيوية الثانية عشرة لكرة القدم التي تستضيفها حتى 29 منه.
وكانت انظار الملايين متجهة الى بيروت، فكان لبنان في قلب العالم والعالم في قلب لبنان.
واخيرا، ابصرت كأس اسيا 2000 النور، بعد صراع شديد وتحديات كبيرة، لكن الارادة اللبنانية انتصرت في النهاية، وكان المسؤولون على الوعد الذين قطعوه قبل اربع سنوات على هامش البطولة الحادية عشرة في الامارات، وكانوا اهلا للثقة والمسؤولية.
شهد حفل الافتتاح حضور رسمي كثيف تقدمه رئيس الجمهورية العماد اميل لحود، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة سليم الحص، ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جوزيف بلاتر ومعه الامين العام للفيفا ميشال زفن روفينن ومستشاره النجم الفرنسي السابق ميشال بلاتيني ورئيس الاتحاد الاسيوي سلطان احمد شاه واعضاء الاتحاد ورؤساء وفود الدول المشاركة في البطولة وشخصيات دولية وعربية ولبنانية رياضية عديدة.
واحتشد اكثر من 50 الف متفرج على المدرجات وكان عدد كبير ايضا ينتظر في الخارج عله يحظى بفرصة الدخول لمتابعة هذا الحدث المميز لان بوابات الملعب فتحت قبل اربع ساعات من بدء الحفل.
وتأخر حفل الافتتاح لدقائق اثر عطل في الانارة داخل الملعب، ثم بدأ وسط اجواء رائعة برهن خلالها الشعب اللبناني انه متعطش الى التعبير عن الفرح، فشكل صوته "العيد الحقيقي" الذي طال انتظاره بعد ان كان معلقا باحلام اصبحت في النهاية حقيقة لا غبار عليها واثبتت ان لبنان جدير بالتنظيم وانه موضع ثقة العالم باسره وتحديدا القارة الاسيوية.
والقى في بدء الحفل رئيس الاتحاد الاسيوي سلطان احمد شاه كلمة شكر فيها الرئيس اللبناني "على دعمه وتفهمه للظروف السابقة"، وتمنى للمنتخبات المشاركة التوفيق في هذه البطولة "امل ان تقدم المنتخبات الـ 12 مستويات رفيعة وان تكون المنافسة رياضية جدا سمتها اللعب النظيف".
ثم تكلم الرئيس لحود فقال "عندما يكون الشعب موحدا وكلمته واحدة لا يستطيع احد ان يعوقه عن تحقيق طموحاته، والبرهان وجودكم هنا في افتتاح كأس اسيا"، واعلن بعد ذلك افتتاح البطولة رسميا.
وبدأت فقرات الحفل بخروج السفن الفينيقية الثلاث التي اعدت خصيصا للحدث وتحكي قصة لبنان الماضي والحاضر، سارت امامها وخلفها فتيات تحملن قطعا من القماش الكبيرة باللون الازرق، دلالة على لون البحر، الذي كان يبحر فيه الفينيقيون القدامى بحثا عن ابواب الرزق والتجارة في جميع اقطاب الارض.
وخرج بعد ذلك حملة الاعلام، وارتدت فتيات زي كل بلد من البلدان ال12 المشاركة وسرن حول الملعب، ثم علت الاصوات وكثر التصفيق عند دخول الاعلام اللبنانية، ودخل الجميع الى المستطيل الاخضر ورسموا باجسادهم مجسما لكرة ضخمة في الوسط رمزت الى العلم اللبناني بالابيض والاحمر والاخضر، ثم اصطف حملة الاعلام على جنبات الملعب، وبدأت في الوسط الرقصات الرائعة للفتيات التي كانت تنال اعجابا كبيرا من الجماهير المحتشدة، على انغام موسيقية فولكلورية لكل بلد من البلدان ال12.
وخرج من مجسم لكرة قدم كبيرة 12 شخصا يرتدي كل واحد منهم لباس احد المنتخبات في البطولة وجالوا في الملعب.
واتحفت فرقة فهد العبدالله للرقص الشعبي المحتشدين بلوحات راقصة من الفولكلور اللبناني، ثم اطلقت البالونات الهوائية بالوانها المتعددة وعلت نحو السماء.
وكانت الفقرة الاكثر متعة عندما انشد الفنان مرسيل خليفة اغنيته الشهيرة "يا بحرية" التي تحمل معاني مهمة بالنسبة الى اللبنانيين لانها كانت رفيقة "البحارة" وتلخص قوتهم وهممهم الشامخة في وجه المخاطر، وكان الخمسون الفا ينشدون ويصفقون بحرارة مع الفنان خليفة، ثم عادت السفن الثلاث في هذا الوقت الى الملعب لتزيد المعاني المقصودة قوة وجمالا.
واشتعلت اجواء المدينة الرياضية عندما اطلقت الطائرات المروحية التابعة للجيش اللبناني الالعاب النارية التي اضاءت سماء بيروت لدقائق – (أ ف ب)