الأحلام الصغيرة لأطفال الانتفاضة: بيوت وسيارات وأشجار

تاريخ النشر: 15 نوفمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

كوابيس العنف والرعب والقتل التي تؤرقهم وتقض مضاجعهم ليلا لم تمنع أطفال الانتفاضة من الأحلام الصغيرة يرسمونها صباحا بيوتا وسيارات وأشجارا .. وحرية. 

أطفال الانتفاضة يلتقون ثلاث مرات في اليوم "لرسم" أحلامهم في قاعة صغيرة بالمركز الثقافي الاجتماعي التابع لوكالة الأمم المتحدة لتشغيل وغوث اللاجئين الفلسطينين (اونروا) في خان يونس، في مكان لا يبعد كثيرا عن مواقع المواجهات اليومية بين المتظاهرين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي. 

ويوضح سعيد العقاد الذي يقوم بتنفيذ برنامج تموله منظمة "أطفال العالم اللاجئون" الفرنسية غير الحكومية التي تنشط في غزة منذ 1988، ان "رسم الأحلام" هو "الموضوع الذي طلبناه منهم خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر. والشهر الماضي كان الموضوع عن الانتفاضة البادئة حديثا. وقبله تناولنا البيئة والنظافة وحتى العنف في المدرسة". 

ويقطن معظم هؤلاء الأطفال (بين السادسة والسادسة عشرة من العمر) مخيم خان يونس للاجئين. وهم يأتون الى المركز قبل أو بعد الدوام المدرسي مداورة. ويقول مدير المشروع انطوان فييوم "نريد ان نساعدهم على عمل شيء آخر غير التسكع في الطرقات". 

وتعرض أمل، ابنة الثانية عشرة، باعتزاز رسمها وتقول "هذه مدينة صغيرة يلعب فيها الأطفال بحرية من دون ان يكونوا معرضين للخطر". 

أما دينا التي تصغرها بسنة فقد رسمت طريقا غرست على جانبيها الأشجار "مع سيارات واطفال يلهون .. وأشجار في كل مكان". وتقول دينا بأسى "حاليا في بلادي هناك دائما إسرائيليون يقتلون الأطفال أو يقتلون أهلنا". 

ويعرض احمد (12 سنة) رسما لقبة الصخرة على خلفية "خريطة فلسطين". ويقول "أريد القدس وكل بلادي بدون مستوطنات" ثم يتابع "أريد ان أعيش ككل أطفال العالم وان أتمكن من الخروج في المساء وإلا أبقى مستيقظا في بيتي حتى الثالثة صباحا بسبب إطلاق النار". 

ويشير فييوم الى ان "جميع هوءلاء الأطفال اصبحوا مسيسين للغاية لان حياتهم اليومية اصبحت، عند الخروج من المدرسة، الدبابة والصدامات والجرحى والدماء والموت. لقد سلبهم هذا الوضع براءتهم". 

يضاف الى ذلك الأناشيد الوطنية في الإذاعة وصور التلفزيون حيث تعرض أحيانا بالحركة البطيئة مشاهد عنف كمشهد إلقاء جثتي الفلسطينيين اللذين قتلهما الجيش الاسرائيلي في سيارتهما واستخدمت آلية مزودة بكماشات فولاذية لانتشال جثتيهما من السيارة. 

وأواخر الشهر الماضي نظم الأطفال يوم "الأبواب المفتوحة" للأهل والأصدقاء من اجل عرض أعمالهم: رسوم كبيرة لفلسطينيين ممدين أرضا ولدماء نازفة وإطارات سيارات مشتعلة وحجارة متطايرة... وفي الجهة المقابلة مروحيات ودبابات وصواريخ وبنادق. 

وحتى في هذه الأعمال المجسدة للألم والغضب الأسى بقى للحلم مكان: فالجانب الفلسطيني رسم دائما بألوان زاهية في حين رسم الجانب الإسرائيلي بألوان قاتمة دكناء غلب عليها الأسود والرصاصي. 

لكن أحلام أطفال الانتفاضة تبقى ملتصقة بالحاضر فهم لا يتحدثون عنها بصيغة المستقبل. وعندما تسألهم عن مستقبلهم يلزمون الصمت المطبق. 

وتفسر اناييس غانديل المسؤولة التربوية في منظمة "أطفال العالم اللاجئون" قائلة ان هذا الوضع هو نموذج "للوضع في البلاد فمع انعدام الضمانات يصبح من المستحيل تقريبا تصور المستقبل"—(ا.ف.ب)