محمد عمر
لم تكن نيران مركز التجارة العالمي ومقر وزارة الدفاع الأميركي قد خمدت بعد حتى سارع أكثر من مسؤول عربي ومحلل عربي إلى محاولة ربط الهجمات الإرهابية وغير المسبوقة على أميركا بالصراع العربي الإسرائيلي والسياسة الأميركية المنحازة لإسرائيل.
وهو في الغالب تحليل ساذج ومفرط في سذاجته لظاهرة الإرهاب الحديث، أو هي محاولة فاضحة ومكشوفة للزج بالشعب الفلسطيني لينال نصيبه من كل مصيبة تحدث في أي ركن في العالم، خاصة وأن البعض تفاجأ تماما أن أي فلسطيني لم يثبت تورطه في الهجمات حتى هذه اللحظة. وهي على الأغلب محاولة مفضوحة بسبب تركيز بعض وسائل الإعلام العربية قبل الغربية على تظاهرة صبيانية عفوية خرجت في نابلس احتفالا بالهجوم على أميركا.
الأكثر بؤسا في التحليلات العربية هو محاولة الزج بإسرائيل أيضا في الهجمات والتلميح بإمكانية تورطها في الاعتداءات الدموية، وهي محاولة لا تقل خبثا عن محاولة الزج بالعراق في هذه الاعتداءات، وفي النهاية فإن الشعب الفلسطيني وانتفاضته هو الذي سيدفع الثمن من كل هذه التحليلات "الخبيثة" أو "حسنة النية".
ويبدو أن الأمر بدأ يعطي أكله، من اللحظة التي اضطر فيها عرفات إلى تأكيد التزامه وقف إطلاق النار، والتزام القوى الفلسطينية الأخرى وقف العمليات الانتحارية داخل إسرائيل، بل وانخفاض منسوب الانتفاضة.
إذا صدقت الاتهامات الأميركية لأسامة بن لادن وتنظيمه "القاعدة" في تنفيذ الاعتداءات، وليس هناك ما يثبت العكس على كل حال، فإن الشعب الفلسطيني وقضيته ليست على الإطلاق هي قضية الأصولي المتشدد بن لادن كما هي ليست قضية كل الأصوليين الإسلاميين باستثناء بعض القوى الإسلامية الفلسطينية.
لا يتعامل أسامة بن لادن مع قضية الشعب الفلسطيني الا بمقدار رؤيته الأصولية لـ"الآخر"، وهم في هذه الحالة "أهل الكتاب من "اليهود والنصارى"، وهو بهذا المعنى يطرح نفسه غازيا وفاتحا للعالم يحاول إعادة مجد الفتوحات الإسلامية القديمة وإدخال الناس في دين الله أفواجا.
وأسامة بن لادن حارب "الشيوعية الكافرة" في أفغانستان عندما كانت قضية الشعب الفلسطيني قد مر عليها أكثر من 50 عاما، وعندما كان الشعب الفلسطيني يخوض انتفاضته الأولى، وعندما كان السوفيات اصدقاء للقضايا العربية، وهو تحول من صديق للولايات المتحدة إلى معاد لها عندما وطأت القوات الأميركية، وخاصة المجندات التي يحلو لابن لادن تسميتهن بـ"المومسات"ارض الجزيرة العربية، بعد احتلال صدام حسين للكويت عام 1990.
وأسامة بن لادن يتعامل مع قضية الشعب الفلسطيني تعامله مع قضية الشيشان وكشمير والبوسنة وأفغانستان والصومال، وهو يعتقد أن هزيمة الولايات المتحدة التي تمثل العالم المادي وتقود التحالف "النصراني" أكثر سهولة من هزيمة الاتحاد السوفياتي "الملحد والكافر".
وهو بهذا المعنى رجل نذر نفسه لحرب الكفار في العالم يستوي عنده المسيحي باليهودي بالبوذي بالعلماني بالشيوعي …الخ.
وأسامة بن لادن ليس ظاهرة إرهاب أصولية معزولة، فالإرهاب الأصولي ونيرانه حرق "العرب والمسلمين" قبل أن يحرق أميركا، ومجازر الجزائر، وتفجيرات سوريا، والأردن ومصر والسعودية والكويت واليمن والسودان ولبنان ليست سوى شواهد، ونيران الأصولية طالت كل المفكرين العرب قبل أن تطال أميركا والغرب أجمعين.
وأسامة بن لادن ليس ظاهرة إرهاب أصولية معزولة، فهو أيضا ظاهرة عالمية، وهو أمر تدركه الولايات المتحدة قبل غيرها، فتموثي ماكفاي هو تعبير عن تيار أصولي مسيحي إرهابي أخذ في التمدد في غير دولة عالمية، والشواهد أكثر من أن تحصى، ليس بدءا من انتحار طائفة في أميركا إلى الحرب الدينية المستعرة في نيجيريا أو في السودان.
وطائفة "فالونغ" في اليابان هي أيضا أصولية إرهابية ذهبت بعيدا إلى حد تسميم مترو للأنفاق.
وهجمات المتطرفين السيخ على المساجد الإسلامية في الهند وإحراقها هي أيضا ظاهرة تطرف أصولي تستند إلى الإرهاب. واميركا اللاتينية تسخر بالشواهد ليس "لاهوت التحرر" سوى إحداها.
أما في إسرائيل فالمشكلة أكبر، وحركات كاخ وكهانا، وغيرها من القوى التي بدأت تنشط خلال الانتفاضة الأخيرة، ومتطرفون أمثال باروخ غولدشتاين وشواهد أخرى، دليل على الإرهاب الأصولي المستند إلى "التوراة"، استناد بن لادن إلى "القرآن" ومكفاي إلى "الإنجيل".
"الدين أفيون الشعوب" مقولة لـ كارل ماركس روجها الغرب، أعلاما ومفكرين، خلال حربه الحامية الباردة ضد المعسكر الشيوعي، كان يريد بها إقناع "المؤمنين في العالم بأن الشيوعية ضد الدين، وهي كذلك، ولكنه أغفل مقولة أخرى لنفس المفكر في نفس الكتاب إن "الدين هو قلب عالم بلا قلب".
الحضارة الغربية، تجني الآن ما زرعت خلال الحرب الباردة، وظاهرة الإرهاب الأصولي ليست سوى نتاج غياب الروح في خضم الاستهلاك وسباق التسلح والسيطرة على مقدرات العالم.
الحضارة الغربية تقود الآن حربا ضد "الإرهاب الأصولي المسلم"، وقد تنتصر عليه كما انتصرت على المعسكر الشيوعي، ولكنها تزرع أيضا بذور إرهاب آخر قد يأتي هذه المرة من تيارات أشد بأسا وأكثر علما واندماجا في حضارتها.
وقبل أن يكون بن لادن كان الغرب قد عرف "الألوية الحمراء"، و"بادر ماينهوف"، و"العمل المباشر" و"منظمة الاياتا"، و"الجيش الأحمر الياباني" و "الجيش الجمهوري الإيرلندي السري"..الخ، والنازية الجديدة تقرع الأبواب، والتيارات المناهضة للعولمة الآن حمل وديع ولكن من يضمن أن تبقى كذلك، فالإرهاب الأصولي انطلق من حركات مسالمة ومعتدلة.
الحضارة الغربية تقرع طبول الحرب الآن، فهل ستلتفت بعد حربها العسكرية إلى إضفاء طابع أكثر إنسانيا على حضارتها.
وأخيرا، هل هناك تيار عربي تنويري، يخرجنا من ركام الدفاع عن قوى ظلامية حسبنا ظلاما عليها، تحت حجة مواجهة الغطرسة الأميركية، هل هناك صوت عربي متميز كأصوات الغربيين الذين خرجوا ضد الحرب وضد العولمة وضد الإرهاب.
ومقولة "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" ليست في جانبها الاول حقيقة مطلقة، أو أننا نحتاج الى الضرب على أيدي الظالمين منا قبل أن نرمي غيرنا بحجر.