خالد أبو الخير
الموت حق، ومن لم يمت بالسيف، كما قال الشاعر ابن نباتة السعدي، مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد. أو كما قال أمية بن ابي الصلت:
من لم يمت عبطة يمت هرماً للموت كأس والمرء ذائقها
يقول جل وعلا:" ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون"، بيد أن الانسان أخذ منذ القدم في التفنن بابتكار طرق للإعدام، كثير منها يخرج عن السياق الذي هدفت إليه الآية الكريمة، وتعداها الى الانتقام والتعذيب والتمثيل. صحيح ان أكثر هذه الطرق عفا عليها الزمن، والإعدام يتم في العصور الحديثة بطرق معينة مثل المشنقة، الكرسي الكهربائي، المقصلة والإعدام الكيماوي، الا انه لابأس من سرد بعض طرق الإعدام المنسية للتذكير فقط.
الرجم بالحجارة
تعتبر هذه الطريقة من أقدم طرق الإعدام التي ابتكرها الانسان، ووردت في نص سومري للملك اوركيجنال 2500 ق. م، ومن المرجح ان يكون الانسان استنبط تلك الطريقة في العصر الحجري القديم والاوسط كوسيلة لقتل الحيوانات، وحتى بعد اكتشاف الانسان للنحاس وتدرجه في سلم الحضارة بقيت هذه الطريقة مستخدمة.
وشاع الرجم بالحجارة في اليونان القديمة كطريقة إعدام، كما وجدت في الديانة اليهودية، وورد على لسان السيد المسيح في الانجيل"من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر"، من ثم في الشريعة الإسلامية كونها عقوبة الزاني والزانية المحصنين (المحصًن : اي المتزوج أو المتزوجة).
السم
يعد الإعدام بالسم من اشهر الطرق التي ابتدعها الانسان قديماً، ففي بلاد الاغريق حكم الاثينيون على فيلسوفه سقراط بالموت بالسم؛ لانه تجرأ وحقر الهتهم وأفسد شبابهم بأفكاره الغريبة، ورغما عن قيام تلاميذه وأشهرهم افلاطون برشوة حراس السجن وتسهيل هربه من المدينة، ألا أن سقراط رفض الهرب وفاءً لمبادئه، وتجرع سم الشوكران وظلت صرخته" لقد حكمتم علي بالموت لكن الحق حكم عليكم بانكم أشرار.. ظلمة"، مدوية في وجه جلاديه.
الصلب
للصليب مكانة دينية سامية في الفكر واللاهوت المسيحي, ولعل أول ظهور للصليب كان في الحضارة الفينيقية كرمز لصنم وثني تدعى "بايروت"، ومن اسمها اشتق اسم مدينة بيروت.
وشاع استخدام الصلب عند الرومان، فسبارتكوس الذي قاد ثورة العبيد ضد طغيان روما، صلب ومئات من رجاله في الطريق إلى سيدة أوروبا في ذلك الوقت. ويتم الصلب بتمديد المحكوم على صليب خشبي ودق كفيه ورجليه بمسامير غليظة، ثم نصب الصليب بواسطة حبال وتركه ينزف حتى الموت.
واستخدم الخليفة العباسي المعتصم بالله هذه الطريقة اذ يذكر انه أعدم بابك الخرمي الذي قاد ثورة على العباسيين بعد مصرع أبي مسلم الخراساني، استمرت حوالى عشرين سنة، تحالف خلالها مع الرومان وبث الفتنة بين المسلمين، وقوام حركته الفكرية الإباحية، والخروج على الإسلام، بأن صلبه على باب سامراء وقطع رأسه.
وقد أشار المسعودي في كتابه مروج الذهب إلى خطر هذه الحركة، فقال: "وحمل رأس بابك إلى خراسان يطاف بها كل مدينة من مدنها وكورها؛ لما كان في نفوس الناس من استفحال أمره وعظم شأنه، وكثرة جنوده وإشرافه على إزالة ملك وقلب ملة وتبديلها".
الوتر
امتاز المغول بتنفيذ حكم الإعدام بطريقتين الأولى: هي ضرب المحكوم بالإعدام بالسيف من الجهة غير الحادة على ظهره، وكسر عموده الفقري، وتركه بعد ذلك حتى يموت وهو بلا حول ولا قوة. والثانية: واستخدمت لإعدام الأمراء وكبار رجالات الدولة وتسمى الوتر الذهبي، إذ يستخدم "وتر" مطلي بالذهب في خنقهم.
الإعدام بالقباقيب
كان لشجرة الدر الملقبة ب" عصمة الدين أم خليل " الدور البطولي في صد جحافل الصليبيين، عندما كتمت خبر موت زوجها الملك الصالح نجم الدين أيوب لكي لا تهتز معنويات الجند، وبعد النصر المبين في معركة المنصورة الذي تكلل بأسر ملك الفرنسيين لويس التاسع " الملقب بالقديس"، وفشل حملته الصليبية السابعة عام 1248، بويعت ملكة للمسلمين.
وتولت عرش مصر لمدة ثمانين يوماً بمبايعة من المماليك وأعيان الدولة، ثم تنازلت عن العرش لزوجها المعز أيبك سنة 648هـ (1250م)؛ بسبب رفض الخليفة العباسي الاعتراف بملكها، وقد كتب الخليفة المستعصم الى المماليك:": "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسيّر إليكم رجلاً".
لكن أيبك لم يحفظ جميلها، وانقلب عليها بعدما أحكم قبضته على الحكم في البلاد، وتخلص من منافسيه في الداخل ومناوئيه من الأيوبيين في الخارج، وتمرس بإدارة شوؤن البلاد، وبدأ في اتخاذ خطوات للزواج من ابنة "بدر الدين لؤلؤ" صاحب الموصل. وأخذ يتردد على زوجته القديمة، فاشتعلت الغيرة في قلبها.
ودبرت مؤامرة للتخلص من أيبك فأرسلت إليه تسترضيه وتتلطف معه وتطلب عفوه، فانخدع لحيلتها واستجاب لدعوتها وذهب إلى القلعة حيث لقي حتفه هناك في 23 ربيع الأول 655 هـ (1257م).
أشاعت شجر الدرّ أن المعزّ لدين الله أيبك قد مات فجأة بالليل ولكن مماليك أيبك لم يصدقوها فقبضوا عليها وحملوها إلى امرأة عز الدين أيبك، التي أمرت جواريها بقتلها بعد أيام قليلة، فقاموا بضربها بالقباقيب علي رأسها، وكان آخر ما قالته :"هذا سلاح يهين حامله"، ثم ألقوا بها من فوق سور القلعة، ولم تدفن إلا بعد عدة أيام.
العذراء
نصل الآن الى عهد محاكم التفتيش في أوروربا التي فتكت بغير المسيحيين "الكثير من المسلمين ذهبوا ضحاياها في إسبانيا"، كما فتكت بالذين اتهموا بالسحر والشعوذة ومنهم علماء. في البداية كانت الطريقة المستخدمة هي حرقهم أحياء، الى ان اخترعت "العذراء الحديدية" في القرن السابع عشر. وهي كناية عن تابوت تبرز داخله أنصال ومسامير، ينطبق على المحكوم بالإعدام، وتنغرز المسامير والانصال في جسده، ولكم ان تتخيلوا حجم الألم الذي يقاسيه، الذي قد يمتد ليوم كامل قبل أن يموت، خصوصا وأن مصممي العذراء راعوا ان لا تنغرز هذه الانصال والمسامير في الأعضاء الحيوية.
الخازوق
وهي طريقة إعدام قديمة، عرفها الفراعنة، وكان قانون "حورمحب" ينص على أن السارق يعاقب بألف جلدة، وقد تصل العقوبة في بعض الأحيان إلى الحبس أو الإعدام بالخازوق.
وفقا لما ذكره المؤرخ الإغريقي هيرودوت، فإن الملك الفارسي داريوس الأول قام بإعدام حوالي 3000 بابلي بالخازوق عندما استولى على مدينة بابل.
كما أنه من الشائع أن كلا من دراكولا الروماني، وإيفان الرهيب الرسي كانا أشهر مستخدمين لطريقة الإعدام هذه.
وقد كان الخازوق يتم إدخاله بين العمود الفقري والجلد، ثم ينصب في الأرض، وبهذه الطريقة كان الضحية يظل يعاني لأربعة أو خمسة أيام قبل أن يموت.
أشهر حالة خوزقة في تاريخنا الحديث هي حالة سليمان الحلبي، الذي قتل القائد الفرنسي كليبر. وفي المحاكمة طالب مقرر المحكمة سارتون أن تكون عقوبة الجانى من العقوبات التى يسوغها عُرف البلاد المصرية. فقضت المحكمة بأن تحرق يد سليمان الحلبى اليمنى ثم يعدم فوق الخازوق وتترك جثته فوق تل العقارب حتى تفترسها الجوارح. أما شركاؤه فيُعدمون بالقتل على الخازوق ومصادرة أموالهم على أن تقطع رؤوسهم ثم توضع فوق الرماح وتحرق جثثهم بالنار.
أما أكبر خازوق على الإطلاق، وفق ما يقول" "جينس في كتابه "الأوائل"، فهو الدولة الصهيونية، الذي دق في جسد الأمة العربية.
الألف سكين
من أبشع طرق الإعدام التي استخدمها الصينيون، وتسمى تعذيب الألف سكين، ويقوم بها الجلاد بضرب المحكوم عليه 999 سكينا بدون أن يموت، ولا يجب أن يموت الا بموافقة الامبراطور الذي يكون حاضراً وقت التنفيذ، على ضربه بالسكين الألف، وهي القاضية طبعاً. وإذا حدث أن مات المحكوم قبل السكين الألف، يعدم الجلاد.
الرمي بالرصاص
صدر حكم بالإعدام بحق الكاتب الروسي فيدور ديستفوسكي رميا بالرصاص، بعد نفيه الى سيبيريا، وأجريت بالفعل عملية إعدام مزيفة له ورفاقه من جماعة "التفكير الحر"، وفي ساعة التنفيذ الرهيبة، اقتيد ديستفوسكي الى ساحة الإعدام في أجواء متجمدة وعصبت عيناه لحظة أن أخبر بعفو القيصر عنهم.
هذه الحادثة تركت في نفس ديستفوسكي أبلغ الأثر، وذكرها، وحياته في السجن في كتابه "مذكرات من بيت الموتى"".
وفي روسيا أيضا اشتهر راسبوتين الكاهن المشعوذ الذي قيل إنه كان قادرا على ان يبرئ حصانا مريضا بمجرد لمسه، وقتله احد أمراء آل رومانوف، بعدما استشرى أمره وانكشف حاله كرجل دين دخل القصر الملكي لعلاج أحد أبناء القيصر نيكولا الثاني الذي كان يعاني من مرض نادر، ينزف فيه دماً، فعاث فيه فساداً وسيطر على الملكة الكسندرا، وبالتالي على القيصر نفسه.
قتل راسبوتين أحد أقارب القيصر لكي يخلص روسيا منه، وكان أن وضع له سماً يكفي لقتل ثور، لكنه لم يؤثر فيه، فأطلق عليه خمس رصاصات كانت كافية لقتله. وبعد ذلك بعام، أعدم البلاشفة جميع أفراد عائلة رومانوف رمياً بالرصاص ودفنوهم في مكان مجهول.
المقصلة
وهي اختراع ظهر قبل الثورة الفرنسية ويقال ان الملك لويس السادس عشر الذي أعدمته الثورة وزوجته ماري انطوانيت بها، هو أول من أمر باستخدامها.
ويعتقد العديد من الناس ان مخترعها الذي حملت اسمه، الطبيب جوزيف غيلوتن (Dr. Guillotin ) قد تم إعدامه بالمقصلة، لكن الحقيقة هي أن هذا المخترع الجهبذ كان فعلا قاب قوسين أو أدنى من أن يفقد رأسه بواسطة المقصلة خلال "فترة الرعب"، وذلك حينما عثر أتباع روبسبير من رجال اللجان الثورية على رسالة كتبها أحد المعدومين بالمقصلة أوصى خلالها بأن يتولى الطبيب غيلوتن رعاية زوجته وأطفاله، وهذا الأمر كان يعتبر في ذلك العهد المرعب تعاطفا مع أعداء الثورة، لذلك ألقي القبض على الطبيب وربما كان سيلقي حتفه بالمقصلة حقا لولا أن أنقذه القدر في اللحظة الأخيرة، إذ تم إعدام روبسبير قبل تنفيذ الحكم فيه، ولم يلبث أن خرج من السجن مع نهاية "عهد الرعب الثوري" الذي ساد.
أفران الغاز
يتميز القرن العشرين بالإعدامات الجماعية، اذ يقال وليس كل ما يقال صحيحاً، ان هتلر كان يعدم اليهود وغيرهم بأفران الغاز، ولكن المؤكد ان إعدام الرئيس الاميركي "ترومان" لسكان مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين عام 1945 يعتبر اكبر إعدام بالتاريخ.
وما دمنا في العصر الحديث فلا بأس بأن نذكر ان مؤسس الحزب الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو أُعدم مذوباً بالأسيد، وهي طريقة حديثة كيميائية، ولا بأس ان نشير ايضاً الى ان الإعدام بالخطب السياسية ربما كان أهون الإعدامات.
شيخ المجاهدين
أما شيخ المجاهدين عمر المختار فأعدمه المحتلون الإيطاليون يوم 16 ايلول 1936 شنقاً.
ولعل خير ما نختم به سردنا هذا أن نذكر بإعدام الايطاليين لمجاهدين ليبيين عندما سأل الجلاد أحدهما ان كان يفضل أن يموت رفيقه، فأجابه قائلاً: الذي يأتي موعده يرحل. وكأن المجاهد الليبي يتمثل قوله تعالى:" وإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون" صدق الله العظيم.
يقول شاعر لبناني بالعامية:
فيه ناس قالوا انقتل.. وفيه ناس قالوا مات.
وفيه ناس قالوا.. فتح عتمة خياله وفات.
وهو وصف جدير بالتأمل!.