الانتفاضة والاقتصاد الأمريكي
وديع أبونصّار
ادعى الجنرال زئيف فركاش، مسؤول القسم التكنولوجي واللوجيستي في الجيش الإسرائيلي بانه في حال عدم حصول الجيش على ميزانيات إضافية في المستقبل القريب، "فلن يتواجد أكل يقدم للجنود." وقد جاءت أقوال فركاش هذه كنوع من الضغط المباشر على القيادة السياسية في الدولة، وكضغط غير مباشر على الإدارة الأمريكية التي لم تحول بعد المساعدة المالية العسكرية لإسرائيل بقيمة 800 مليون دولار. وأتت هذه الأقوال بعض الضائقة المالية التي يعاني منها الجيش الإسرائيلي، حسبما أوردت العديد من المصادر الصحفية الإسرائيلية، وبعد أن صرف الجيش ما يزيد عن 500 مليون شيكل على حساب الميزانية الأمريكية الموعود بها، في عملياته العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
كما ادعى الجنرال فركاش، في حديث للصحفيين، بأن كل يوم يمر منذ بداية انتفاضة الأقصى، يكلف ما معدله مليون ومائتي ألف شيكل عدا الميزانية المخصصة "للنشاطات العادية" للجيش. غير أن ما قاله الجنرال فركاش يشكل فقط جانبا واحدا لتأثير الانتفاضة ليس فقط على ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل على ميزانيات كافة أجهزة الدولة، وعلى رأسها الأجهزة الأمنية. فالمليون ومائتي ألف شيكل لن يأتوا من الفراغ، وخاصة بعض أن امتدت انتفاضة الأقصى لتتعدى الشهر التاسع. وبالتالي فقد أدى استمرار هذه الانتفاضة إلى خلل بميزانيات دولة إسرائيل برمتها، وليس فقط بميزانية جيشها.
لقد أدت الانتفاضة ليس فقط إلى زيادة بمصاريف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بل إلى تقليص كبير في مدخولات الدولة تمثل بالأساس بتقليص الدخل من القطاع السياحي ومن الاستثمار الأجنبي. وقد دفعت حاجة الأجهزة الأمنية للمزيد من الميزانيات وزير الدفاع بنيامين بن-إليعيزر إلى ممارسة ضغوطات على سائر الوزراء، وبالذات على وزير المالية سيلفان شالوم لتحويل ميزانيات لوزارته. وبالرغم من معارضة بعض الوزراء لذلك، إلا أن تقليصات أجريت بالفعل لميزانيات العديد من الوزارات، وشملت هذه التقليصات حتى مؤسسة الحاخامية العليا التي تعد مؤسسة رسمية وتمول من الدولة، مما أثار حفيظة الكثير من المتدينين اليهود، إلا أن غالبيتهم لم يجرؤ على معارضة ذلك علنا نظرا لحساسية الظروف الأمنية.
لكن، كما يبدو فإن التقليصات المذكورة لن تكفي، خاصة في حال عدم التوصل إلى تفاهم بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وبالتالي، فإن للإدارة الأمريكية مصلحة اقتصادية وليس فقط سياسية من تهدئة الأوضاع في المنطقة. فاستمرار المواجهات الدامية قد يضطرها في نهاية المطاف ليس لتحويل 800 مليون دولار، بل أكثر من ذلك بكثير، بالأساس إثر انصياع الإدارة الأمريكية لضغوطات محتملة من اللوبي الإسرائيلي في واشنطن. أضف إلى ذلك خسارتها من تراجع القدرة الشرائية في إسرائيل والمناطق الفلسطينية، مما قد يقلل من صادراتها إلى المنطقة.