القاهرة – محمد البعلي
في الفترة الأخيرة علت في مصر أصوات قبطية عديدة بالاحتجاج يمينا ويسارا، مرة على أحكام قضائية اعتبروها مخففة جدا (في قضية الكشح) ومرة على خبر تنشره صحيفة من صحف الإثارة الصفراء، وأصبحت الاحتجاجات متكررة في كل الأحداث التي تمس الأقباط في مصر حتى بات واضحا أن هناك ما يؤرق أقباط مصر وأن هناك في أعماقهم أكثر مما يظهر على السطح.
"البوابة" ستحاول الدخول إلى ملفات الأقباط الشائكة في مصر لتناقش مشاكلهم التي تمتنع وسائل الإعلام المصرية والعربية بعامة عن تناولها مراعين بقدر الإمكان توثيق المعلومات وإحالتها إلي مصادرها الأصلية.
أحد أكثر هذه الملفات غموضا هو ملف هروب القبطيات "القاصرات" من أسرهن وتحولهن للإسلام لينجحن في الزواج من شباب مسلمين، معظم هذه الحالات تظل طي الكتمان لأنها تتقاطع مع قضية الشرف و"العرض". ويمكن التأكيد على أن أغلب هذه الحالات تلعب فيها العواطف الدور الرئيسي، فالحب الذي يربط بين شاب مسلم وشابة قبطية عادة ما يواجه بعوائق وأسوار طائفية تتطلب من أحدهما عبورها، وفي الأغلب تقوم الفتاة بذلك تحت رعاية البوليس المحلي والجمعيات الإسلامية المحلية، و هذا ما تشير إليه إحدى الشكاوى التي أرسلتها أسرة قبطية "صعيدية" لمركز الكلمة لحقوق الإنسان (لدى البوابة صورة الشكوى).
يقول الأخوان جمال وسليمان عطية سليمان في شكواهما أن أختهما إيمان (تاريخ ميلادها 20 شباط/فبراير 1982) قد اختفت يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1999، وعندما ذهب أحد الأخوين لقسم شرطة ملوي (إحدى مراكز صعيد مصر) للإبلاغ عن اختفائها أبلغه ضابط مباحث القسم (مسلم الديانة) بأن المدعوة قامت بإشهار إسلامها، وذلك لتتزوج من شاب مسلم يدعى "أشرف زغلول أحمد"، و يخرج الأخوان من القسم ليرفعا شكاوى إلى مدير أمن محافظة المنيا (حيث تقع ملوي) ووزير الداخلية المصري ومكتب البابا شنودة بطريرك الأقباط الأرثوذكس، و لكن دون جدوى.
في نهاية الأمر -كما تشرح الشكوى- تظهر الأخت مرة أخرى في قسم شرطة ملوي حيث تجبر الشرطة أسرتها على إمضاء تعهد بعدم التعرض لها، وتقول الشكوى في النهاية "نحن الآن -أسرة عطية سليمان- منكسين الرأس ومضطهدين من أهل البلد والمركز". ويقول كاتب الشكوى أيضا "العمدة يقول: إذا تعرضت لأختك أو لـ "أشرف" سوف أمسحكم من على وجه الدنيا".
وفي شكوى أخرى -من الإسكندرية هذه المرة- يقول نجيب ميخائيل إن ابنته نرمين المولودة في 27 سبتمبر/أيلول 1984 قد هربت في 13 مارس/آذار 2001 لتقوم بإشهار إسلامها (حتى تتم إحراءات زواجها من "محمد أحمد" الشهير بمحمد الحلواني)، وتتهم الشكوى مأمور قسم الرمل (أحد أحياء الإسكندرية) بتحريض الفتاة على الهرب من أسرتها، ثم يتابع الأب مشيرا إلى أن مباحث أمن الدولة قد أعادت نرمين إلى أسرتها في 22 مايو/أيار 2001 ولكنها عاودت الهروب لتقوم بإشهار إسلامها (مستخدمة بطاقة أختها الكبرى الشخصية) في قسم "سيدي جابر" (حي آخر بالإسكندرية)، وتتهم الشكوى بوضوح رجال الشرطة المحليين الذين تقول أن الأحداث مدبرة بمعرفتهم.
وفي إنذار على يد محضر يقول محامي المواطن: "ظريف سمعان مجلي" المقيم بمركز ديروط (محافظة أسيوط بصعيد مصر) أن المدعو "حظ محمد خليفة" قد قام باختطاف "سامية ظريف سمعان" (مواليد 18 يناير/كانون الثاني 1981) وذلك لإجبارها على تغيير ديانتها وتزويجها بشخص دون موافقة وليها، (وواضح أن الأمر متعلق بحادثة هروب معتادة) ويضيف الإنذار أن ظريف سمعان قد أرسل شكاوى لجميع الجهات الأمنية والقضائية دون اتخاذ أي إجراء ضد المذكور "حظ محمد" الذي يتهمه بالخطف والتزوير في أوراق رسمية والتحريض على هجر العائلة.
ويمكننا استعراض عشرات الشكاوى لمثل هذه الحالة، ورغم أن هذه الحالات لم تصل بعد لمستوى الظاهرة -رغم اتساعها- إلا أن القاسم المشترك فيها هو لجوء السلطات الأمنية والقضائية في مصر إلى التراخي في التعامل معها حيث تعمد إلى تجاهل شكاوى أسر الفتيات الهاربات فيما عدا تحركات محدودة من مباحث أمن الدولة التي تتعامل مع المسألة كشأن "سياسي".
وحول الأبعاد القانونية للمسألة يقول إنذار قانوني صادر عن مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان (بالقاهرة) بناء على طلب "كمال بواقيم سعيد" الذي هربت ابنته "مرفت" (مولودة في 9 أغسطس/آب 1980 وأشهرت إسلامها في 4 فبراير/شباط 1996) أن الأحداث التي تلت هروب مرفت من منزل أسرتها تخالف المادة 4 من قانون الطفل رقم 12 لسنة1996 والمواد 45 و47 و 109 من القانون المدني المصري التي تمنع القصر من إبرام العقود وتلزم المجتمع بقبول وصاية ذويهم عليهم، بينما تشير مصادر قانونية أخرى لـ "البوابة" إن القضية أعقد من ذلك حيث تنقضي ولاية الأب المسيحي على ابنته بدخولها الإسلام أو بزواجها، ويبقى أعقد جزء في المسألة وهو تقاطع مسائل الشرف والطائفية فيها خاصة في صعيد مصر حيث يعيش معظم الأقباط وحيث دائما ما تكون قضايا الشرف أكثر سخونة والقضايا الطائفية على حافة الالتهاب—(البوابة)
