الجرح العراقي على خشبة (الشمالي) في مهرجان جرش

تاريخ النشر: 03 أغسطس 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

جرش – غادة الكاتب  

من عذابات الحصار ومن صميم الجرح العراقي، قدمت الفرقة القومية للفنون الشعبية العراقية عرضها الراقص في مهرجان جرش التاسع عشر للثقافة والفنون. 

وقد شهدت خشبة المسرح الشمالي مساء اليوم أداء مميزا لهذه الفرقة الحائزة على جائزة المعبد الذهبي في مهرجان أغريكينتوس عام 1980 في إيطاليا، قدمت خلاله تسع لوحات راقصة، معظمها من صميم تراث الجنوب العراقي. 

وتابع جمهور بدا معظمه من الأجانب البالغين، لوحة بعنوان "الهودلية "، حركاتها مستوحاة من تراث بلاد الشام والعراق..وتتميز بالخفة، والثقة، والرشاقة، أدتها الفرقة بلباسها ذي الألوان الزاهية المستمدة من الفلكلور الريفي لتلك المناطق. 

وفي اللوحة الثانية التي كانت بعنوان "زهرة الجنوب"، أدت إحدى الراقصات رقصة منفردة تعبر عن الحب، تمايلت فيها رقيقة، مثل زهرة تحركها نسائم دجلة، وتداعبها وشوشات الفرات. 

ثم أدى الراقصون دبكة "التشوبي"، وهي من وسط العراق،وتعتمد على إيقاع "الطبل"، الذي يعتبر أساسيا في التراث العراقي، إضافة إلى "النقارة" المكونة من طبلتين صغيرتين بدون عنق، وآلة "الخشبة" وهي عبارة عن طبلة صغيرة الحجم، يضبط الراقصون حركاتهم مع إيقاعها.  

ومن جنوب العراق أدت الفرقة لوحة "أبو العود" الفلكلورية، ثم لوحة "الخشابة" التي تعتمد كثيرا على القوة في الإيقاع. 

وبلوحة "الحسجة"، التي تمثل تقاليد غجر العراق، أدت الراقصات بلباسهن المستمد من فلكلور الغجر، وبأيديهن التي تلوح بخنجرين، حركات ترمز إلى ما تفعله العاشقة الغجرية،حين تحرم ممن تحب، حسب فؤاد ذنون مدرب الفرقة ومشرفها الفني. 

ثم انتقلت الفرقة من عاشقات الغجر إلى حياة الصيد والصيادين فأدت لوحة "الأهوار"، وهي رقصة صيادي السمك، في منطقة الهور، حين يحتفلون بصيدهم الوفير. 

أما لوحة "الصور البغدادية" فقد كانت مضمخة بعبق بغدادي، وبروح من الأصالة والطرب، حلق فيها الحضور بأجواء زمن المطرب العراقي الراحل ناظم الغزالي، حيث أدت الفرقة حركاتها التعبيرية على مقاطع من أغنياته، فأحيت ذاكرة الجمهور وردد معها أغنيات الغزالي وهو يتمايل بطرب.  

وقد كاد تألق الفرقة في الأداء وبراعتها وحيويتها يوحي بأنها ترقص متجاوزة محنة الحصار التي يعيشها الشعب العراقي، لولا أنها اختارت أن تختم عرضها برقصة تعبيرية، على أنغام أغنية "تذكر" لكاظم الساهر، ظهرت فيها الراقصات بلباس أبيض، تهدهد أكفهن كفنا مطويا كطفل أهزله الجوع ، بينما الراقصون من خلفهن يؤدون بحركات معبرة معنى كلمات الأغنية التي تقول: 

"تذكر كلما صليت ليلا…ملايينا تلوك الصخر خبزا 

على جسر الجراح مشت وتمشي…وتلبس جلدها وتقود عزا 

تذكر قبل أن تغفو على أي وسادة.. أينام الليل من ذبحوا بلاده؟ 

أنا إن مت عزيزا ..فإنما موتي ولاده.. 

قلبي على جرح الملائكة النوارس.. إني أراهم عائدين من المدارس 

باست جبينهم المآذن والكنائس 

كتبوا لهم هذا النداء.. وطني جريح خلف قضبان الحصار.. في كل يوم يسقط العشرات من أطفالنا.. إلى متى هذا الدمار؟؟ 

كفت ضمائركم ما هزكم هذا النداء.. 

هذا النداء رقت له حتى ملائكة السماء.. 

وما كفت دموع الأبرياء.." 

وبهذا الأداء والكلمات عاد الحضور الذي حلق على مدى ساعتين في سماء التراث العراقي، إلى واقع الحصار ومعاناته، فوقف للراقصين والراقصات احتراما، وصفق لأدائهم طويلا. غادرت الفرقة القومية للفنون الشعبية العراقية المسرح بعد أن أعطت للحاضرين شيئا من حياة، وقبضت على جرح عراقي عصي على الاندمال. 

يذكر أن الفرقة القومية للفنون الشعبية العراقية يقودها الفنان فؤاد ذنون مدرب الفرقة ومشرفها الفني،وقد تأسست سنة 1971، بهدف نشر وتعميق روح التراث والفنون الشعبية العراقية، بأسلوب هادف. 

وقد زارت الفرقة أكثر من ستين بلدا عربيا وأجنبيا، فقدمت عروضها في مهرجان زغرب عام1974 في يوغوسلافيا، وفي مهرجان بوركاس عام1973 في بلغاريا، وفي مهرجان أغريكنتوس الإيطالي في الأعوام 1977، 1980، 1985، ولها مشاركات دورية في مهرجان جرش في الأردن، ومهرجان قرطاج في تونس، ومهرجان مسقط في عمان، وفازت عام 1999 باستفتاء حول أحسن فرقة من بين 25 فرقة عربية وعالمية، ولها أيضا مشاركة في مهرجان الألفية في الجزائر عام2000 ، ثم في مهرجان الرباط السادس في حزيران 2000 - -(البوابة)