عمان-البوابة
حذر قادة بارزون في حركة "فتح" من انفتاح "ابواب الجحيم" على اتساعها على الشعب الفلسطيني، اذا لم يتم وضع حد لجماعات فلسطينية مسلحة اخذت على عاتقها تنفيذ القانون بنفسها، خالقة اجواء من الرعب والقلق بسبب ارتكابها تجاوزات وصلت حدود الاغتيال السياسي والتصفية الجسدية.
وقد بدات هذه التجاوزات تشهد اتساعا بوتيرة متسارعة في الاونة الاخيرة في ظل غياب شبه كامل لدور السلطة الفلسطينية التي اوهنتها الصراعات الداخلية والضربات الاسرائيلية.
بيت لحم..تصفيات واغتيالات
وتكاد تكون مدينة بيت لحم اوضح مثال على ما يجري، وهي المدينة الوحيدة التي انسحبت منها القوات الاسرائيلية ضمن اتفاق بينها والسلطة اطلق عليه "غزة-بيت لحم اولا".
فهذه المدينة شهدت في الاشهر الاخيرة اكثر من 30 عملية قتل خارج اطار القانون، نسبت غالبيتها الى كتائب شهداء الاقصى التابعة لحركة فتح، وكان ضحاياها اشخاص اتهموا بالعمالة لاسرائيل، في حين تحوم شكوك كبيرة حول حقيقة عمالة بعضهم، وفي انهم تعرضوا للاغتيال لاسباب سياسية او شخصية.
وتشكل هذه العمليات، وغيرها من الاعتداءات التي طالت رموزا وشخصيات سياسية على يد الجماعات المسلحة، مصدر قلق لبعض القيادات في حركة فتح، والتي حذرت من عودة تجربة ثورة 1936 والتي شهدت انفلاتا امنيا راح ضحيته العديد من الابرياء ممن قتلوا بتهمة العمالة والخيانة وثبت بعد سنوات بطلان هذه التهمة بحقهم، وانهم قتلوا لدوفع شخصية او نتيجة صراعات سياسية داخلية.
وفي هذا السياق، فقد حذر حسام خضر، عضو المجلس التشريعي واحد قادة فتح البارزين، من ان هذه التجاوزات "قد تفتح بوابات الجحيم من اوسع ابوابها، وتعيد تجربة ثورة 1936".
وقال خضر لـ"البوابة" ان "عمليات التصفية كانت تستهدف اشخاصا محروقين على الصعيد الوطني الفلسطيني، ولكن، وحتى ضد هؤلاء وضد رموز الخيانة والفساد، لا يجوز اللجوء الى العنف، لانه لا زالت هناك بقايا سلطة وبالامكان الاحتكام اليها".
واتهم خضر السلطة بالمسؤولية عن "الانفلات" الامني الذي تشهده بعض المدن الفلسطينية التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة في ظل غياب الاجهزة الامنية الرسمية.
وقال ان "السلطة سيرت امور الشعب الفلسطيني طوال السنوات الماضية بغياب القانون وانعدام أي دور للمؤسسات وتعطيل المساءلة والمحاسبة والمراقبة، وبالتالي فهي حولت كل جهاز امني وتجمع عشائري الى قوة على الارض لديها الاستعداد لتطبيق القانون الذي غيبته السلطة بهدف حماية مصالحها".
وقد طفت خلال الاسبوع الجاري على السطح هذه المخاوف وخصوصا في مدينة بيت لحم التي كانت مسرحا لحوادث متتالية تعد شاهدا على حالة الفوضى وصراعات القوى وايضا على الانفلات الامني.
فصباح الاثنين قام افراد من كتائب شهداء الاقصى التابعة لحركة فتح بالاعتداء على رئيس نادي الاسير الفلسطيني وأحد كبار قياديى فتح فى الضفة الغربية عيسى قراقع بالايدي والزجاجات الفارغة فاصيب بجروح متوسطة وذلك بعد انتقادات وجهها لتجاوزات المسلحين في بيت لحم.
وقد وصف خضر هذا الاعتداء بانه "مخجل.. وارتكبته فئة اعتقدت ان بامكانها قمع حرية الراي عن طريق العنف والقوة".
وكان قراقع كتب قبل اسابيع مقالا في صحيفة "القدس" تحت عنوان" قاع المدينة" اتهم فيه هذه المجموعات بأنها اخذت القانون بيدها.
وقال فى مقاله ان "مدينتي دخل الى ظلامها اشخاص ارتكبوا الفواحش والكبائر وقتلوا اكثر من ثلاثين شخصا بتهمة العمالة من بينهم فتيات استلبت انوثتهم كحق مقدس لكل مسلح ثائر ولا احد يدري عن جثث سحبت ونكل بها وسحبت بالشوارع بعد اعدامها بطريقة تعيدنا الى العصر البربري".
وتابع "فالسيف اصدق انباء من العدالة والليل يخفي كل شىء في مدينتي واللثام والبندقية والقرار.. بيوت مفتوحة وقتلى ذهبوا الى الموت بلا محاكمة وبلا تهمة كل شىء يجري سرا والعلم عند الله وعند هؤلاء الاسطوريين".
وأضاف ان "الناس في المدينة خائفة لا حول لها ولا قوة من هذه الفئة التي اسست لها مركز قوى اجتماعيا وطالت اياديها اماكن كثيرة، فئة استطاعت ان تسقط الجميع ولا احد يستطيع ان يرفع صوته لان هذا الصوت سيكون متهما او يخمد برصاصة".
وقد اعتبرت كتائب الاقصى أنها المقصودة بهذه الانتقادات، حسبما ذكرت مصادر امنية فلسطينية.
وقال قراقع لوكالة فرانس برس "لقد كتبت مقالي لان ثمة جرائم حدثت ولان اناسا انتهكت حقوقهم وكنت اريد ان اوجه صرخة لكى تتداعى الاجهزة الامنية والسلطة من اجل تطبيق القانون".
واضاف "اطالب بتقديم المعتدين للمحاكمة لانني ضد قمع حرية الراي".
وحسب ما اعلنه مقربون من قرقع لـ"البوابة" فقد صرح الاخير لعدد من قادة فتح بمخاوفه من ان لا تقوم السلطة بمحاسبة وملاحقة مرتكبي الاعتداء.
قنبلة على منزل رئيس البلدية..والاعتداء مقيد ضد مجهول
وبعد بضع ساعات من الاعتداء على قراقع القى مجهولون قنبلة يدوية مساء الاثنين على منزل رئيس بلدية بيت لحم حنا ناصر وفتحوا النار عليه ولم يسفر الاعتداء عن سقوط ضحايا ولم يعرف من المسوؤل عنه.وابدى حنا ناصر، الذى كان قد انتقد "عسكرة الانتفاضة"، ذهوله.
وقال لوكالة فرانس برس "يبدو انه لا يحلو للبعض ان تعيش مدينة بيت لحم فى هدوء والاعتداء بحد ذاته مؤشر خطير ونذير شؤوم وأعتقد انها محاولة لاثارة الفتن الطائفية كوني رجل مسيحي، لاعطاء انطباع للعالم بان المسيحيين الفلسطينيين مضطهدون".
وشدد رئيس بلدية بيت لحم على ضرورة معاقبة المعتدين على عيسى قراقع حتى يكون عقابهم "رادعا للاخرين" معتبرا انهم يحاولون فرض "الارهاب الفكري" .
ودعا المواطنين "للتحلى بالحكمة والوعي" وانتقد "عسكرة الانتفاضة" معتبرا انها "ساعدت الاسرائيليين على تحقيق اهدافهم".
ويشعر سكان بيت لحم بصدمة اثر هذه الحوادث التى جاءت ايضا بعد اربع وعشرين ساعة من مقتل محمد شتيوى عبيات في انفجار حملت حركة فتح مسؤوليته لاسرائيل التى نفت ذلك.
وتجرى حاليا محاولات لمعالجة هذه الحوادث فى اطار عشائري او تنظيمي داخل حركة فتح بينما يرى محافظ بيت لحم محمد المدني ان الحل يجب ان يكون بتطبيق القانون.
وهو يدعو صراحة الى "حل" المجموعة التى قامت بالاعتداء على قراقع "لانها لا تقدر خطورة المرحلة التي نعيشها فضلا عن سوء تقديرها لدورها ولطبيعة الظروف التي شكلت فيها وللظروف السياسية الحالية".
وقال" لقد وأدنا فتنة كان من الممكن ان تحرق المدينة" التي تعيش فيها اغلبية من الفلسطينيين المسيحيين، مشيرا الى ان الوضع الحالي ناتج عن "اضعاف أدوات السلطة الفلسطينية بسبب ضرب اسرائيل للبنية التحتية للشرطة الفلسطينية وعن اعادة احتلال المدينة".
معضلة اعتقال المسلحين
ويؤكد ان الفلسطينيين يواجهون معضلة لانه "من الصعب القاء القبض على المسلحين المتهمين بارتكاب تجاوزات لانه ليست هناك وسيلة لحمايتهم فالقوات الاسرائيلية يمكن ان تقوم باغتيالهم فى اى لحظة".
وسبقت هذه الحوادث تجاوزات اخرى فى بيت لحم.
ففي ايلول/سبتمبر الماضى خطف وعذب محمد جرادات مدير مؤسسة "البديل" (منظمة غير حكومية تعنى بشؤون اللاجئين) من قبل ملثمين يرجح انهم من كتائب الشهيد ابو علي مصطفى (التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) بحجة انه فصل المؤسسة عن الجبهة والحقها بوزارة الداخلية الفلسطينية، حسبما اوضحت مصادر امنية فلسطينية.
وقال محمد جرادات لوكالة الصحافة الفرنسية "تعرضت للتعذيب ثماني ساعات متواصلة وكانت عيناي معصوبتين ووجهي مغطى بكيس. كان تعذيبهم اسوأ من التعذيب الاسرائيلي وهذا أكثر ايلاما".
واضاف ان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات "شكل لجنة تحقيق" لكن "لم يتم حتى الان اعتقال اي من المعتدين". واكد "لا اميل للحلول العشائرية لان ما حدث كان على خلفية" سياسية وليس شخصية.
واضافة الى تصفية الحسابات السياسية يبدو المجال مفتوحا لتصفية الحسابات الشخصية. ففى مدينة جنين (شمال) قام خالد عرقاوي وهو ضابط فى الشرطة الفلسطينية من مرافقي العميد فايز عرفات قائد جنين بقتل الفتى امجد الجلبوني (16 عاما) الاثنين الماضى لاسباب شخصية وردت عائلة القتيل باحراق تسعة بيوت لعائلة القاتل.
الحسابات الشخصية عندما تختلط بالسياسية
واحيانا تختلط الحسابات السياسية بالحسابات الشخصية كما حدث فى غزة الاسبوع الماضى عندما قتل عناصر من حماس مسؤول شرطة مكافحة الشغب الفلسطينية العميد راجح ابو لحية.
ورغم ان حماس اكدت انه لا علاقة لها كحركة سياسية بهذه الحادثة وارجعتها الى ثأر عائلى الا ان ذلك لم يمنع وقوع اشتباكات مسلحة بين انصار حماس وبين الشرطة الفلسطينية قتل فيها ستة اشخاص.
وكانت مجموعة مسلحة فلسطينية اطلقت النار على منزل الوزير السابق للشؤون البرلمانية نبيل عمرو في منتصف الشهر الماضي بعد ان طالب باستحداث منصب رئيس وزراء وهى دعوة اعتبر المقربون للرئيس الفلسطينى ياسر عرفات انها تستهدف اضعاف سلطته وتصب فى خانة الاستجابة لمطالب رئيس الوزراء الاسرائيلى ارييل شارون.
وقبل ثلاثة اسابيع تم كذلك اطلاق النار على موقف سيارة رئيس الامن الوقائي العميد زهير مناصرة فى رام الله الذى حل محل العقيد جبريل الرجوب فى تموز/يوليو الماضي.